د. يحيى مصطفى كامل حين يُنشر مقالي هذا فعلى الأغلب سيكون القضاء الإداري قد أصدر حكمه فيما يتعلق بمشروعية الجمعية التأسيسية للدستور، ولا أبالغ إذ ازعم أن هذا القرار، أياً كان مضمونه، سيشكل نقطةً فاصلة في مسيرة الحراك الثوري الذي انطلق في مصر منذ الخامس والعشرين من يناير، فكل الأطراف على الساحة تترقب على الرغم من تباينها، فالأنظار معلقةٌ شاخصة؛ وفي حين تتمنى القوى الثورية المدنية حلها خشيةً من سيطرة الإسلاميين عليها خاصةً وأن مسودة الدستور تؤكد كل مخاوف تلك القوى فيما يتعلق بسلطات الرئيس فضلاً عن ملفاتٍ أخرى شائكة كمكانة المحكمة الدستورية العليا والحريات وعلى رأسها حرية التعبير وجرائم النشر الصحة والطفل والمرأة، نجد جماعة الإخوان المسلمين تحبس أنفاسها لما يمثله احتمال الحل (المرجح بشدة) من ضربةٍ قاصمةٍ لمشروعهم، مشروع ‘الاستحواذ’ المتعثر.لذا فإنه بغض النظر عن كون تلك المسودة على شكلها الحالي تمثل مشروع كارثةٍ أكيدة وانتكاسةً بالغة، حتى إذا ما قورن بدستور 71 المعيب على كل إشكالياته، فإن معركته تلك والحكم المرتقب يستمدان أهميتهما ليس فقط مما ســــيترتب عليهما من احتمالات (قد لا تكون بعيدة عن الصدام…) وإنما لما يمثلانه من استقطابٍ على الأرض بين القوى المختلفة وحالة الاســــتعصـــاء والخلل العميقين في صلب تطور أحداث هذه الثورة وما لايقل عن ذلك أهميةً من خللٍ عميق في هيكل جماعة الإخوان المسلمين.ليس لدي أدنى شك في أن الثورة المصرية لم تحسم شيئاً على الأرض بعد، فباستثناء إزاحة مبارك وأعلام نظامه لا نرى تغيراً حقيقاً على الأرض صوب إعادة صياغة البنية الاجتماعية-الاقتصادية للمجتمع؛ لذلك تجد البلد يعيش حالةً من السيولة حيث لم يذب القديم ويمُت ولم تتبلور بعد بنىً جديدة أو تتضح تماماً توازنات القوى الجديدة ومفرداتها؛ في رأيي الشخصي تنبع إشكالية هذه الثورة منذ اليوم الأول، مذ فاجأ الحدث الثوري الهادر قوىً سياسية لم تستعد مطلقاً لها؛ حتى تلك التي طالما تشدقت بالثورة وتدور برامجها عليها وحولها لم تتحسب لها أو تتوقعها، وإذ أمل أكثر التنظيمات تفاؤلاً (ونعني هنا ائتلافات الشباب بشتى أطيافها وبناها التنظيمية) في وقفةٍ احتجاجيةٍ تنجح في حشد جمهرةٍ مقنعة، وحبذا لو بلغت بضعة آلاف، تلفت انتباه النظام إلى وجود مشكلةٍ حقيقية وتوصل رسالةٍ مفادها أنه لم يعد من الممكن الاستمرار على هذه الحال، فإن الحدث التاريخي الجلل فاق أكثر أحلامهم إغراقاً في الخيالية…أمام انعدام الاستعداد ذاك وإزاء أحداثٍ باتت تتطور وفق منطقها الداخلي سابقةً الجميع وفي ظل سقف مطالب مرتفع لم يكن لدى أي فصيل، وأؤكد أي فصيل، تصورٌ محدد ومعد سلفاً عن كيفية استلام السلطة وإدارة البلاد والتعامل مع أدوات الدولة يجوز أن البعض توجس من تسليم زمام الأمور إلى الجيش إلا أن ذلك لم يغير من مجرى الأحداث.في هذا المنعطف الفاصل برز الدور الأساسي والحاسم للإخوان المسلمين، فهم يمثلون التنظيم الأكبر والأكثر إحكاماً، وقد تمكنوا من شق الصف الثوري وفرض، أو على الأقل محاولة فرض، درجةٍ ما من البطء على مجرى الأحداث مكنت النظام من التقاط أنفاسه وترتيب ما أمكنه من الأوراق، لكن ذلك لا ينفي اشتراكهم مع بقية القوى في انعدام توقعهم أو استعدادهم لتغييرٍ ثوري من هذا النوع… وبوصولهم إلى السلطة في ظروفٍ ليست بعيدةً تماماً عن الشبهات أكدوا ورسخوا استعصاء الثورة وأثبتوا وجهاتٍ نظرٍ سلبية فيهم كانت تطوف بأذهان الكثيرين إما رأياً وقناعةً وإما حدساً.لقد اثبت د مرسي والإخوان من ورائه أنهم استثمروا طويلاً في التنظيم المحكم على حساب التنظير وأن جعبتهم المتينة الفخمة خالية، فهم لا يختلفون إطلاقاً عن نظام مبارك من حيث انحيازاته الطبقية ولا يملكون رؤيةً مغايرة، ليس أدل على ذلك من لجوئهم إلى نفس الطرق والأساليب التي كان ينتهجها مبارك مثل قرض صندوق النقد الدولي، وباستثناء مشروعهم الخاص الذي يهدف إلى تمكين كوادرهم وإحلالهم في مناصب الدولة الحساسة فليس لديهم مشروعٌ وطني، بالإضافــــة إلى ذلك فقد اثبتوا للأسف انعدام درايتهم وقـــــدراتهم الإدارية وافتقارهم للتصورات عن طريق سلسلةٍ من الــقــرارت المتسرعة التي تصب في خانة ‘التمكين’ سرعان ما يجبرون على التراجع عنها لانعدام قانونيتها من قبيل قراري عودة مجلس الشعب المنحل وإقالة النائب العام، ناهيك عن تصريحات أعضاء الجماعة بلسان الرئاسة دون أن تكون لأيٍ منهم أية صفةٍ رسمية، وليس من عجب في كون ذلك التخبط والارتباك البين أديا إلى تآكل شعبيتهم وإلى كفران قطاعاتٍ وشرائح متزايدة من الشعب بالثورة.مثقلون بهذا الهبوط في الشعبية وذلك الارتباك، وإزاء ما يلوح من أزمةٍ في فرض حضور الدولة وبسط سيطرتها كما برهن على ذلك التعامل مع الملف الأمني في سيناء، في تقديري الشخصي انزلقت الجماعة إلى أكبر اختبارٍ أو أزمةٍ في تاريخهم… أزمة احترام الجمهور الأوسع لهم وتعاملهم معهم بجدية، وهي أزمةٌ لم يفرضها عليهم نظامٌ ما بما يتيح لهم استغلالها في تثبيت أسطورة الاضطهاد التي طالما كسبوا من ورائها وإنما هي نتاجٌ مباشر لما سبق وذكرته آنفاً من خللٍ لصالح التنظيم على المضمون والتنظير… أنا على يقين من أن كل تلك المتغيرات وغيرها لا تخفى على قواعد الجماعة وقياداتها، كما أن سخرية الصحافة ورجل الشارع منهم ليست سراً، ومن هنا نفهم تشبثهم اليائس بتمرير هذا الدستور فنصوصه كفيلة ليس فقط بإعطاء د. مرسي صلاحيات خاصة وإنما من تكبيل مجتمع المستقبل بشبكة من التشريعات ترسخ لوجودهم من خلال مجموعة من التصورات تحد من الحريات والحقوق وتفرض نمطاً محدداً من العلاقات والواجبات على مختلف مكونات ذلك المجتمع بما يسمح دائماً بحضور الجماعة ومن هم على شاكلتها في صدارة المشهد السياسي بامتياز.هناك معركةٌ تلوح في الأفق، وهي قادمةٌ لا محالة، ففي حال حل الجمعية (كما هو مرجح) سيكون ذلك بمثابة ضربةٍ قانونيةٍ قاصمة للجماعة ولمساعيهم للتمكين والتغلغل في نسيج الدولة ونصوص الشرعية التي تصيغ العقد الاجتماعي، وإذا ما أضيف إلى تراجعاتهم المستمرة فذلك كفيلٌ بإشعارهم بالعجز المتزايد وبالحصار الذي يلتف حولهم ليعزلهم، كما أنه سيشكل انتصاراً معنوياً للقوى المدنية… ولا نعلم كيف سيكون رد الجماعة في تلك الحال وهل تخبئ شيئاً ام أننا رأينا آخر ما عندها؛ أما إذا حدث العكس فستحشد كل القوى المدنية طاقاتها لإسقاطه في الاستفتاء.من المستحيل التنبؤ بما سيسفر عنه هذا الصراع، فالبلد يعيش حالة سيولة يصبح معها كل شيء ممكناً تقريباً…الأكيد أن الايام المقبلة ستكون عاصفة وستشهد استقطاباً متزايداً بين القوى السياسية… وربما عنفاً.’ كاتب مصري ـ زميل الكلية الملكية لأطباء التخدير