مغناس أكليوش… ساحر موناكو الذي فَضل فرنسا على الجزائر!

حجم الخط
3

لندن ـ «القدس العربي»: جوهرة نادي موناكو مغناس أكليوش، طوله يلامس الـ1.85 متر، ويمتاز بسرعة الانطلاق بالكرة في الثلث الأخير من الملعب، مع إمكانات نادرة في السيطرة والتحكم بالكرة، والأهم جرأته في المرور من المدافعين ولاعبي الوسط في موقف لاعب ضد لاعب، راسما لنفسه صورة الساحر الأعسر، الذي لا يتمنى أحد الوقوف أمامه عندما يأتي من الخلف إلى الأمام ووجهه نحو المرمى، أو عندما يتسلل في المساحات الشاغرة خلف المدافعين وبين الخطوط، متسلحا بموهبته الفطرية التي تتجلى في تنوع حيله وأسلوبه في المراوغة من اللاعبين، كلاعب يجمع بين الحل الفردي في المواقف الصعبة، أو ما يُعرف بأسلوب «الحواري» القديم، الذي يرتكز على الأناقة والمتعة البصرية التي تنتزع «الآهات» من المدرجات وخلف الشاشات، وبين الالتزام الخططي والتكتيكي الذي يريده ويبحث عنه أي مدرب في العالم، شأنه شأن ابناء جلدته الذين تنحدر أصولهم لدولة الجزائر، والحديث عن أساطير ومواهب بحجم زين الدين الدين زيدان وكريم بنزيمة وريان شرقي، بخلاف القائمة التي فَضلت تمثيل محاربي الصحراء على المستوى الدولي وفي القلب منهم القائد الأسطوري رياض محرز، لكن اكليوش اختار استكمال مشواره الدولي مع منتخب مسقط رأسه الفرنسي، الذي دافع عن ألوانه في مختلف الفئات السنية، واضعا حدا للإشاعات والتقارير التي كانت تتحدث عن عدم استقراره على قراره النهائي بشأن المفاضلة بين فرنسا والجزائر، وفي هذا التقرير، دعونا نسلط الضوء على قصة كفاح الشاب العشريني وصعوده الناعم إلى عالم الأضواء والشهرة والسبب الذي جعله يرتدي قميص وصيف مونديال قطر 2022.

الموهبة والتفوق

يروي الوالد رشيد أكليوش أنه وزوجته الفرنسية، استقبلا الصغير مغناس قبل 95 يوما من سفر المنتخب إلى كوريا الجنوبية واليابان للمشاركة في نهائيات كأس العالم 2022، وتحديدا يوم 25 فبراير/ شباط من نفس العام، لكن آخر ما توقعه الأب الجزائري الأصل والجذور، أن نجله الذي استكشف موهبته بعمر 6 سنوات في ملاعب حي ترامبلي-أون-فرانس الواقع في ضاحية سان دوني في شمال العاصمة باريس، سيتحول في ظرف عقدين إلى واحد من ألمع وأفضل المواهب الصاعدة في سماء الكرة الفرنسية والعالمية، وذلك بالرغم من إيمان الوالد وإدراكه بالموهبة التي يمتلكها الابن، كطفل من القلائل الذين يجمعون بين التفوق الدراسي وبين العبقرية في استغلال موهبته الكروية، قائلا في مقابلة موثقة مع شبكة «تيلي فوت»: «عندما كان طفلا صغير، كان يهرع إلى والدته بعد عودته من المدرسة ليخبرها بفخر، أنه حصل على الدرجات النهائية في اختباراته، ثم يلتفت لي بسعادة ويُضيف أنه سجل هدفين في مباراة في نفس اليوم»، وكان السبب الرئيسي وراء تعلقه بالساحرة المستديرة، هو ارتباطه وعشقه لناديه المفضل في الطفولة برشلونة الأسطوري بقيادة تشافي هيرنانديز وأندريس إنييستا والأعجوبة ليونيل ميسي وباقي الجيل الذهبي الذي وصل إلى القمة تحت قيادة الفيلسوف بيب غوارديولا، وهو ما شجع الوالد رشيد، على تحقيق رغبة وشغف الابن، من خلال الموافقة على انضمامه إلى فريق فيليمومبل سبورتس وهو بعمر 6 سنوات، في ما كانت أشبه بالفرصة المثالية، التي ساعدت الصغير على تطوير موهبته من جانب، ولم ترهق الوالد من جانب آخر، حيث كان يتعين على رشيد القيام برحلة قصيرة مدتها 20 دقيقة من المنزل وفي طريقه إلى العمل، لتوصيل مغناس إلى الأكاديمية.

بداية النجومية

بعد انتهاء علاقته بأكاديمية الحي، خاض تجربة فارقة مع نادي يو إس تورسي، المعروف بتطوير المواهب الخام القابلة للانفجار الكروي، أشهرهم على الإطلاق الفيل الإيفواري ديدييه دروغبا، وحسنا فعل خلال فترة وجوده في ثاني محطاته في رحلة البحث عن احتراف اللعبة الشعبية الأولى عالميا، حيث ساعدته موهبته الطاغية على حجز مكانه في التشكيل الأساسي لفريق الشباب في الفترة بين عامي 2017 و2019، قبل أن تلتقطه أعين كشافة نادي موناكو، بتوصية من المدرب فيليب كليمنت، الذي بدوره سارع في ترقية الوافد الجديد إلى فريق الإمارة المستقلة لأقل من 19 عاما، وذلك بعد أسابيع قليلة من وصوله إلى النادي، في ما كانت أشبه بالخطوة الفارقة، التي مهدت الطريق نحو تحقيق حلمه وحلم العائلة، بوضع القلم على أول عقد احترافي في مسيرته مع كرة القدم، وتبعها بدخوله دائرة المنافسة على مكان في التشكيل الأساسي لفريق موناكو الأول، الذي كان يزخر بمزيج نادر من أصحاب الخبرات والمواهب الصاعدة، مثل الإسباني سيسك فابريغاس في نهاية مشواره الاحترافي، وأسماء صاعدة من نوعية أورلين تشواميني وأكسيل ديساسي ويوسف فوفونا وبينوا بادياشيل، ومنذ ظهوره الأول بقميص الفريق، لاحظ المشجعون الجودة والأناقة التي يمتلكها الجزائري الأصل، وهو ما فتح الطريق أمامه لتثبيت أقدامه مع منتخبات شباب فرنسا، وفي نفس الوقت، لفت انتباه المدرب السابق لمحاربي الصحراء جمال بلماضي، الذي بدوره سارع بإعطاء الضوء الأخضر للمسؤولين وفريق الكشافة في باريس، لتكثيف المفاوضات مع اللاعب ودائرته المقربة، أملا في إقناعه باختيار وطن الآباء والأجداد على حساب منتخب مسقط رأسه الفرنسي، وعلى الرغم من المؤشرات الإيجابية في بداية المفاوضات مع الاتحادية الجزائرية، بما وُصفت إعلاميا بـ«موافقته المبدئية» على ارتداء قميص الخضر، إلا أنه في نهاية المطاف، صرف النظر عن الفكرة برمتها، سالكا نفس الطريق الذي اختاره زملاء الأمس في منتخبات الشباب والأولمبي مايكل أوليزي وريان شرقي، اللذان تتحدر أصولهما أيضا من الجزائر، وفي الأخير فضلا اللعب للمنتخب الفرنسي.

منعرج الطريق

وفقا للرواية الجزائرية، كان من المفترض أن يستهل رحلته في مشروع المدرب فلاديمير بيتكوفيتش في منتصف العام الماضي، إلا أن اختياره لتمثيل منتخب فرنسا في دورة الألعاب الأولمبية باريس 2024، وظهوره اللافت تحت قيادة الأسطورة تييري هنري، تسبب في تعقيد المفاوضات مع الجزائريين أكثر من أي وقت مضى، واكتملت بالسردية الفرنسية، التي كان تراهن على رفضه أي استدعاء جزائري، بحجة قلق المسؤولين في الأندية الكبرى من اللاعبين الذين يفضلون منتخباتهم العربية والأفريقية على منتخباتهم الأوروبية، ليجد نفسه ضحية للتحديات التي تُفرض عادة على اللاعبين أصحاب الجنسية المزدوجة، ما بين الموازنة بين هويتهم الشخصية وارتباطهم بتراثهم العائلي، وبين واقع المصلحة في كرة القدم الحديثة، هذا في الوقت الذي أكدت فيه العديد من المصادر الصحافية التي تحظى بمصداقية لا بأس بها، أن إدارة موناكو، مارست كل أنواع الضغط على اللاعب بالتعاون مع الاتحاد الفرنسي لكرة القدم، لمنعه من مجرد التفكير في الرد بشكل إيجابي على وسيط المنظومة الكروية الجزائرية وليد صادي، مثل الضغوط التي تعرض لها مواطنه الآخر وزميل رحلة الكفاح في الفئات السنية للديوك ريان شرقي من قبل ناديه السابق ليون، قبل الموافقة على بيعه لمانشستر سيتي في الميركاتو الصيفي الأخير، في محاولة لوقف التفوق الجزائري في الصراع الخاص على أصحاب الجنسية المزدوجة، الذي أسفر عن فوز الخضر بقائمة عريضة تضم أسماء من نوعية أمين غويري وفارس شايبي وبدر الدين بوعناني وريان آيت نوري، وقبل هذا وذاك الساحر رياض محرز.
ويُقال أيضا في الكثير من الصحف والمواقع الرياضية، إن انفجار أكليوش في ليلة الانتصار التاريخي الذي تحقق على حساب برشلونة في دوري أبطال أوروبا الموسم الماضي، جعل الاتحاد الفرنسي يكثف من ضغوطه على اللاعب لعرقلة آخر محاولة جزائرية للفوز بخدماته، مع وعود بمنحه الفرصة مع الفريق الأول في الوقت المناسب، وذلك في الوقت الذي كانت تتسابق فيه وسائل الإعلام في توجيه سهام النقد للمدرب ديدييه ديشان، لاستمراره في تجاهل ساحر موناكو، بالرغم من تألقه اللافت مع فريقه وشباب فرنسا، قبل أن يرضخ المدرب للضغوط الجماهيرية والإعلامية، ويعلن ضم الموهوب البالغ من العمر 21 عاما إلى قائمة مباراتي أوكرانيا وآيسلندا في تصفيات أوروبا المؤهلة لكأس العالم 2026، في ما اعتبرها صاحب الشأن باللحظة الفارقة بالنسبة له وللعائلة، قائلا بالنص في مقابلة موثقة مع صحيفة «ليكيب» في رده على سؤال حول مشاعره بعد استقبال خبر انضمامه إلى قائمة المنتخب للمرة الأولى: «لا شك أبدا أنني أكن كل الاحترام للجزائر لأنها بلد والدي، لكن كما يعرف الجميع، كل مسيرتي مع مختلف الفئات السنية كانت مع المنتخب الفرنسي، لذلك كان من الطبيعي والمنطقي أن استمر في اللعب لفرنسا، وكانت مفاجأة سارة عندما علمت بخبر انضمامي إلى المنتخب وأنا أشاهد التلفاز، لقد كانت لحظة استثنائية بالنسبة لي وللعائلة»، فهل تعتقد عزيزي القارئ أن اللاعب أصاب الهدف باختيار تمثيل فرنسا؟ أم سيندم قريبا على هذا القرار؟

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية