د. فايز رشيد
أن تجهل عدوك يعني باختصار أن تخسر كل المعارك التي تخوضها ضده، فمنذ زمن هنيبال الذي قال الجملة الشهيرة: ‘اعرف عدوك’، مروراً بالقائد العسكري الصيني سان تزو، الذي عبّر عن هذه الجملة بأخرى تشبهها مضموناً: ‘لا يمكنك كسب معركة من دون معرفة حقيقة عدوك’، وصولاً إلى زمننا الراهن، فإن الصراع مع العدو يستلزم بالضرورة معرفة كافة مناحي حياته، فهذه المعرفة هي الخطوة الأولى في مجابهته، وهي اللازمة لرسم التكتيكات والاستراتيجية السياسية من أجل الانتصار عليه، فما بالك بالمعارك العسكرية معه. اعتقد أن كثيرين منا، ولاسيما من يتحكمون بأمور الأمة العربية من فئات سياسية حاكمة، وعلى الأخص السلطة الفلسطينية، لا يعرفون حقيقة إسرائيل باعتبارها امتداداً للحركة الصهيونية وتعبيراً مادياً عنها. لا يعرفون أو هم يعرفون ويتناسون هذه الحقيقة، لكني لا أعتقد أن مسؤولا عربياً أو حتى فلسطينياً كلّف نفسه عناء قراءة ما كُتب عن الصهيونية، أو عن التحولات مختلفة المناحي في إسرائيل منذ بدايتها وحتى اللحظة، لأنه وباختصار لو عرفوا حقيقة إسرائيل وأدركوا جوهر الصهيونية لما جرى طرح ما يسمى بمبادرة السلام العربية، ولا جرى توقيع اتفاقيات أوسلو ولا أجريت المفاوضات مع إسرائيل.
مناسبة القول: هذا الاستغراب الكبير في العالم العربي من الهدف الصهيوني بتحويل إسرائيل إلى (دولة يهودية)، كما أن نتنــــياهو اشـــترط اعترافاً فلسطينياً بذلك من أجل تمديد ما يسمى بـ(تجميد الاستيطان) فــــترة 60 يوماً فقط، بالطبع ذلك لا يشمل القدس وجوارها، مع أن الفترة الأولى من التجــــميد التي امتدّت عشرة أشهر كانت كذبةّ كبرى، فوفقاً لمنظمة بيتسيليم الإسرائيلية فإن الاستيطان كان يجري على قدم وساق أثناء العشرة شهور، ولدى المنظمة كافة الأرقام والمعلومات عن البناء وتوسيع المستوطنات في تلك الفترة. نستغرب إصرار إسرائيل على تحقيق شعار يهودية الدولة، رغم أن قرار المؤتمر الصهيوني الأول في بازل (سويسرا عام 1897) قرّر إنشاء دولة يهودية في فلسطين، ومع أن وعد بلفور الذي تحل ذكراه بعد أيام قليلة نص على إنشاء دولة لليهود (أي دولة يهودية في فلسطين). كذلك نستغرب اقتراح ليبرمان بإجراء تبادل سكاني مع الضفة الغربية، في الوقت الذي سوّغت وسوّقت فيه الحركة الصهيونية إحدى أهم مقولاتها، وهي: أن فلسطين أرض بلا شعب لشعب بلا أرض، ونتناسى أن إسرائيل قامت قبل إنشائها وفي بدايته بأكبر عملية تطهير عرقي جرت في التاريخ، وأوسع عملية اقتلاع لشعبٍ من أرضه وتهجيره إلى الخارج، بهدف يهودية دولة اسرائيل النقيّة، الخالية من الشوائب. النظام الرسمي العربي إضافة إلى قيادات فلسطينية، ومن أجل الهروب من استحقاقات معركة تحرير فلسطين، كل فلسطين، حاولت تسويق إسرائيل بغير صورتها الحقيقية، واعتقدت أن مثل هذه الدولة ينطبق عليها ما ينطبق على كافة الدول المستعمِرة، وأنها قد تخرج من المناطق التي تحتلها، وأنها قد تبني علاقات سلام مع جاراتها العربيات، مع أن إسرائيل ورغم تكتيكاتها السياسية التي صوّرت دائماً دولتها كدولة ضعيفة وسط محيط من العداء العربي لها، أثبتت عدوانيتها في مراحل كثيرة من وجودها: حرب 1948، حرب 1967، حرب 1982، حرب 2006، حرب 2008-2009، والمستقبل ينذر بإمكانية قيام واستمرار هذه الاعتداءات.
النظام الرسمي العربي ومن جملته قيادات فلسطينية للأسف، استطاعت تسويق طروحاتها السلامية مع إسرائيل، بين قطاعات جماهيرية فلسطينية وعربية عريضة، أصبحت تؤمن في صميمها بإمكانية قيام سلام مع الدولة الإسرائيلية. هذه لا تدرك جوهر العدو، كما أنها تتجاهل حقائق التاريخ، جوهر العدو في أنه عدو اقتلاعي، عنصري، شوفيني، فوقي، عدواني، توراتي يستند إلى الأساطير التضليلية، وكل هذه تشكل سمات رئيسية فيه. وحقائق التاريخ أنه وكما أثبتت الوقائع القديمة والحديثة في تجارب حركات التحرر الوطني في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، أنه ما من مغتصِب، مستعمر، محتل لإرادة شعب، عاد عن اغتصــــــابه وفك استعماره لشعب آخر، من دون تحقيق موازين قوى بين الطرفين تُجبره على الاعتراف بحقوق الشعب المحتلة أرضه والمصادرة حرية شعبه، وهذه لن تتأتى إلا بالكفاح الشعبي المسلح، وبالمقاومة بكافة أشكالها ووسائلها وسبلها، وتحويل عملــــية الاحتلال برمتها إلى مشروع خاسر ديموغرافياً واقتصادياً وإنسانياً للطرف المعتدي. أما المفاوضات مع العدو فهي جائزة بالطبع في مرحلة متقدمة من مرحلة التحرر الوطني قبيل الانتصار، شريطة استنادها إلى ما يجري على الأرض من وقائع عملية لصالح حركة التحرر الوطني المعنية، التي تساهم في قطف انتصارات المعارك العسكرية لصالح المفاوضات السياسية التي تجريها مع العدو.
ما قلناه يصلح في حالة الاستعمار بشكله المعروف، من قبل دولة لدولة أخرى بالطبع، فكيف به في الحالة الفلسطينية والعربية أيضاً في الصراع مع اسرائيل؟ إن الكفاح والحالة هذه بحاجة إلى مضاعفته مراراً من أجل تمكنه من فرض نتائجه. من حقائق الصراع أيضاً، أن القبول بتنازل حتى لو كان صغيراً، يقود إلى القبول بتنازلات أخرى، وهذا التكتيك السياسي اتبعته إسرائيل منذ إنشائها وحتى اللحظة مع الفلسطينيين والعرب، وحققت نتائج كثيرة فيه، عديدة وهي أكبر من أن تغطى بغربال. القيادة الفلسطينية كذلك هو النظام الرسمي العربي وبدلاً من تثبيت شعارات التحرير والتمسك بها، بدأت تقلل من شعاراتها وتمسخها بدعوى الاعتراف بالوقائع، وبوحي من البراغماتية، وعدم العيش في الخيال… الخ، استفادت إسرائيل من هذه القضية بأن بدأت في رفع شعاراتها وتوسيعها.
يروي القائد الفذ نيلسون مانديلا في مذكراته: أن النظام العنصري الجنوب أفريقي عرض عليه حكماً ذاتياً للسود مقابل إخراجه ورفاقه من السجن. رفض مانديلا. كذلك وبعد إطلاق سراحه، وعلى عتبات البيت الأبيض أصرّ على الاستمرار في الكفاح المسلح حتى النصر. كان ذلك رداً على سؤال من أحد الصحافيين الأمريكيين طالبه بوقف هذا الكفاح.
لم يخجل مانديلا يومها من الرئيس بيل كلينتون الذي كان يقف بجانبه، والذي دعاه وحزبه (المؤتمر الوطني الأفريقي) إلى وقف هذا الكفاح. أصرّ مانديلا على حقائقه وانتصرت ثورته. كذلك فإن السفير الأمريكي في سايغون لم يجد سوى طائرة هليكوبتر هرب فيها من مبنى السفارة الأمريكية وانتصرت الثورة الفيتنامية.
الفلسطينيون ومعهم العرب ليسوا أقلّ صلابة من الفيتناميين ولا الجنوب أفريقيين، وقد أثبتت تجارب كثيرة ذلك، والفلسطينيون يخوضون نضالاً طويلا يقارب المئة عام، الفرق بيننا وبين التجربتين المشار إليهما، أن شعبي البلدين وفّقا بقيادات عرفت أعداءها والتزمت بحقائق التاريخ، بينما قادتنا لا يعرفون أو يعرفون ويتجاهلون جوهر العدو، وحقائق الصراع والتاريخ، أو هم لا يدركون حقيقة العدو، فان كانوا يدركونها ويفعلون ما يفعلون، فتلك مصيبة، وان كانوا يجهلونها فالمصيبة أعظم. ‘ كاتب وباحث فلسطيني