خطيب بدلةقبل أن أتشرف بكتابة زاوية ‘فضائيات’ لـ’القدس العربي’، كانت علاقتي بما يُعرض على المحطات الفضائية العربية والناطقة بالعربية جد واهية.. وكنت أعرف أشياء قليلة عن هذه الفضائيات، وتغيب عني أشياء كثيرة، وحتى عقلية الناس الطيبين، التعبانين، الغلبانين، المظلومين، الذين اعتدتُ أن أقف معهم، وفي خندقهم، وأدافع عنهم، وعن قضاياهم، فقد كانت مشوشة في ذهني.. بدليل أن بعضهم، بدلاً من أن يكون معي، وفي خندقي، انبرى يسب علي، بلغة هابطة جداً، بسبب إحدى زواياي التي انتقدتُ فيها (كلَّ) من يسعى إلى إشعال نار الفتنة بيننا نحن المسلمين، عبر فضائيات تناصر الشيعة، وأخرى التي تناصر السنة، بسبب قضية السيدة عائشة زوجة نبينا العظيم.. هذه القضية، صحيح أن الذي أشعلها رجل موتور، ولكنها وجدت، للأسف، أرضية جاهزة للاشتعال لدى أناس موتورين من مختلف الطوائف والمذاهب.. لقد سب هؤلاء (الموتورون) عليَّ في تعليقاتهم على زاويتي المنشورة في ‘القدس العربي’ 26 / 9 / 2010 ـ التي نُقلت إلى أحد المواقع الإلكترونية، على نحو مجتزأ ومشوه ـ زاعمين أنني إنسان طائفي، مثلهم، وأنني أقف مع الفريق الآخر، ضدهم!
فيا للعجب! إياكم و(الحرة) وبسبب علاقتي الضعيفة مع الفضائيات، فقد توقفتُ مساء الخميس 14/ 10/2010 عند برنامج يستضيف رجلاً أشقر، حليقاً، جالساً مقابل الإعلامي طارق سويد على قناة (أو تي في)، ضمن برنامج (لألأة).. وسرعان ما سألتُ نفسي: يا ترى أنا أين شايف هذا الوجه؟
إنني أعرف، تمام المعرفة، أن ذاكرتي نشيطة في كل شيء عدا مطابقة صور الأشخاص على أسمائهم، لذلك رحتُ أعصرها، وأضغط عليها، وأستفزها، حتى أسعفتني أخيراً بأن هذا الرجل هو الإعلامي اللبناني الدكتور زياد نجيم، صاحب برنامج ‘ساعة حرة’، الذي كان يُبَثُّ على قناة (الحرة) الأمريكية.
ههنا دب الرعب في قلبي، وتراءى لي أن الدكتور علي عقلة عرسان ما يزال رئيساً لاتحاد الكتاب العرب، وأنه ينظر إلي، الآن، بعين الريبة والازدراء بسبب الفرجة على زياد نجيم الذي يمت إلى قناة (الحرة) الأمريكية بصلة.. فمعلوم أن علي عقلة عرسان، حينما كان رئيساً للاتحاد، أصدر فرماناً يحظر ظهور أي عضو من أعضاء اتحاد الكتاب على قناة (الحرة)، تحت طائلة المسؤولية!.. والمسؤولية في حدها الأدنى، عند الدكتور عرسان، هي الفصل من الاتحاد، وهذا أمر جد سهل عليه بوجود الدكتورة المناضلة ناديا خوست التي كانت تقترح عليه الفصل، وهو يفصل.. وللتأكيد على أنه لا يمزح، فقد بدأ بفصل (القرامي) الكبيرة في الاتحاد مثل أدونيس وهاني الراهب.. لذلك دب الرعب في الكتاب الصغار، فلم يظهر أحد منهم على هذه القناة بعد صدور الفرمان. والحقيقةً أن الكتاب العرب ـ ومحسوبكم منهم ـ لديهم تحفظات كثيرة على قناة الحرة، بسبب كونها مُمَوَّلة من الكونغرس الأمريكي (بجلالة قدره)، وبسبب إمعان الإدارات الأمريكية المتلاحقة في معاداة قضايا العرب والمسلمين وكل أبناء القوميات الأخرى الذين يعيشون بيننا في هذه المنطقة، ولكن الفرق جد كبير بين أن تمتنع (حضرتك) عن التعامل مع قناتهم من تلقاء نفسك، وبين أن تمتنع امتثالاً لمشيئة المناضلين عرسان وخوست. وتجدر الإشارة إلى أن فصل أدونيس لم يكن بسبب ظهوره على قناة الحرة، بل لأنه قال (رأياً) له علاقة بوجود إسرائيل في المنطقة العربية، دون أن يأخذ رأي رئيس الاتحاد بقول (رأيه)!.. وهذا أمر مستغرب من أدونيس، إذ لماذا يقول عضو اتحاد الكتاب العرب، كائناً من كان، أيَّ (رأي) ولديه رئيس اتحاد مثل علي عقلة عرسان، مناضل، ومعاد لأمريكا، ولإسرائيل، وللتطبيع، وللاستعمار والإمبريالية والعولمة؟
ولأن عرسان لم يعد رئيساً للاتحاد، يمكنني أن أتجرأ فأقول إن زياد نجيم رجل ذو شخصية جذابة، وله حضور شخصي مدهش، وكان يتحدث مع طارق سويد بطريقة آسرة،.. ولكن ثمة أشياء وردت في حديثه ـ برأيي ـ عارية عن الصحة، منها كلامه عن مفهومي (الشعب) و(الرعية)، وانحيازه إلى الشعب، وهو لا يدري أن (الرعية) أحسن من كل النواحي. خذ لفظها، يا أخي، وتمعن فيه.. (رعية).. يا سلام!.. ثم تخيل الراعي وهو يقود هذه الرعية، ويعزف لها على المزمار.. وعوضاً عن أن يكون لكل واحد من الرعية (رأي)، و(متطلبات) و(مزاج) و(حكي فاضي)، ترى أن آراء الرعية واحدة، موحدة، متحدة، وحينما يذهبون إلى صندوق الانتخابات البرلمانية، مثلاً، من الأسهل، حتى أثناء فرز الأصوات، أن ينتخبوا نائباً بعينه، بناء على ما يقرره الراعي الخاص بهم، من أن (تتبعزق) أصواتهم، كل صوت في ديرة.. وتحدث د. نجيم، في المقابلة نفسها، عن المذيعات اللواتي يظهرن على الفضائيات العربية بشكل عام، واللبنانية بشكل خاص، وقال إن معظمهن (مَمْحُونات!)، يظهرُ ذلك من خلال طرائق الكلام التي يتبعنها، والحروف التي يبتلعن نصفها من أجل الغنج والدلال.. وعن البرامج التي تحقق أعلى نسبة مشاهدة، بدلالة الاتصالات التي تنهمر على المحطة الفضائية، أثناء البث المباشر للبرنامج، قال نجيم: إنه من المعروف أن معد البرامج، أو منتجه، يتفق، قبل بدء الحلقة، مع خمسين أهبل، أو مئة أهبل، (حسب الطلب).. وهؤلاء (المهابيل) يتصلون بالبرنامج، ويقدمون مداخلاتهم (الهبلاء) فيحرضون غيرهم من المهابيل على الاتصال بالبرنامج، فيتحقق الهدف المرجو.. وترتفع نسبة المشاهدة.
أريد أن أقول، بل وأؤكد، على أن شخصية الدكتور زياد نجيم، بمجملها، طريفة، وفكهة، لا سيما حينما يُعَرّي الأكاذيب التي يكرزها الساسةُ والأشخاص الذين يَدَّعُون الفضيلة والأخلاق، ولكنها، أقصد شخصيته، من هذه الناحية، لم تكن تتعاطى مع الطرافة على نحو جدي، فأنت، يا زياد نجيم، تعلم أن مدينة، عددُ سكانها أكثر من مئة ألف نسمة، (يا دوب) يوجد فيها مئة مهبول.. وهؤلاء قلما يجتمعون في مكان ما، فتخيل أنهم وُجدوا، أو تواجدوا، في لحظة واحدة، (online) على إحدى المحطات الفضائية العربية، عَزَّ نصرُها.. صدقني شي نفيس!
سقف التقاعدقامت قيامة الشعب الفرنسي، ولم تقعد حتى هذه اللحظة، غضباً من مشروع قانون رفع سقف التقاعد الذي تتبناه الحكومة الفرنسية.. هذا الخبر تصدر نشرات الأخبار العربية، بدءاً من نشرة ‘الجزيرة’، مروراً بـ ‘العربية’ و ‘الإخبارية’ حتى تصل إلى ‘إل بي سي’ و’أخبار المستقبل’. لقد فهمتُ من مجمل ما أذيع من أخبار وتعليقات على هذا الإضراب الذي أدى، بشكل خاص، إلى شلل في حركة محطات المحروقات، أن الحكومة الفرنسية ستمدد لموظفيها الخدمة في سلك الوظيفة بضع سنوات فوق السن القانونية.
ها هو دليل آخر على تقدمنا، نحن العرب، على الأوروبيين، في كل شيء، حتى في مجال التقاعد. فالموظف عندنا، بمجرد ما يبلغ سن الستين (وهو السن القانونية للتقاعد) يبدأ بالتوسط لدى أولي الحل والربط لكي (يمددوا) له خدمته سنة أخرى، وكلما انتهت سنة من سنوات التمديد، يسعى لتمديدها سنة أخرى، حتى يخرج من الوظيفة، اللهم عافنا، وهو صاحب جسد مستهلك (رمة)، وروح منطفئة، ونفسية مريضة نزقة لا تحتمل رد السلام. وأما الأشخاص الذين مُددت خدماتهم لسنين طويلة فقد جمعوا المجد من أطرافه، فماتوا وهم على رأس عملهم، وهذا أكبر دليل على الإخلاص، والتفاني،.. والنخوة العربية (بالهيل). الأمر عندي، أخيراً، لا يقتصر على تقدم العرب على الفرنسيين من هذه الناحية، ولكن له علاقة بالرواتب التقاعدية التي تعطيها الدولة الفرنسية للمتقاعدين.. فبالتأكيد هي رواتب عالية، ومجزية، بدليل أن الفرنسيين ثاروا ضد رفع سقف سن التقاعد.. لو أن الفرنسيين تعلموا منا، وأعطوا للموظف الذي سيصبح (متقاعداً) راتباً هزيلاً، لا يكفيه ثمناً للخبز، مع كم علبة سجائر، لكان باس يد الحكومة وجها وقفا لكي ترفع له سقف سن التقاعد، أو تسمح له بتمديد سنة أو سنتين أو ثلاثاً.. ووقتها لن يصبح (متقاعداً).. بل سيصبح (مُتْْ.. قاعداً).. والله ولي التوفيق. قاص وكاتب من سورية [email protected]