كم هو جميل وانيق مشهد طاولة الحوار ‘الوطني’ تتوسطها باقات من الزهر الابيض يسهم بسحره في تلطيف الذهن وهدوء النفس للمتحاورين المنهمكين في حوار ونقاش وجدال لا لون ولا طعم له، يتعلق بقضية محسومة وهي الدفاع عن الوطن والتصدي للتهديدات والاخطار الصهيونية الراهنة والداهمة، بل يمكن القول ان افضل واقوى قوة للبنان واكثر عنصر قوة واطمئنان لديه هي المقاومة بماضيها وحاضرها ومستقبلها، ولو استفضنا في هذا الامر نجد ان المواطن اللبناني لديه الكثير من المشاكل والمخاوف قد تكون المقاومة وسلاحها بعيدة كل البعد عن اللبنانيين اذا ما كف الاعلام الموجه عن هذه القضية، ومن يحرك هذا الاعلام من قوى وتيارات سياسية لا وجود ولا عمل لها الا من خلال اختلاق وهم الخوف من سلاح المقاومة.
منذ ان بدأت المقاومة عملياتها ضد المحتل وعملائه وحررت الجنوب عام 2000 وانتصرت في عدوان تموز/يوليو 2006 لم تكلف الدولة اللبنانية والخزينة قرشا واحد، بل انها السبب الرئيسي في دخول المال الى لبنان ولو باتجاهات متعاكسة، تارة لدعمها وصمودها، وتارة لمواجهتها سياسيا وامنيا من قبل بعض الافرقاء وتارة اخرى للقوى التي توازن بين الفريقين المؤيد والمعارض لها، وقبل الشروع بأي حديث او تفصيل عن ما يسمى باستراتيجية الدفاع، يجب ان نجد اجابة عما قدم لهذه المقاومة التي يشهد لها الخصم قبل الصديق انها حررت الوطن، هل اخذت ثمن السلاح الذي واجه المحتل هل تم تعويض شهدائها وجرحاها وعوائلهم؟ هل يدفع رواتب لمقاوميها الذين يمضون اجمل ايام شبابهم بين الاودية والجبال في الايام والاسابيع والشهور من اجل حماية ارضهم والدفاع عن كرامة اهلهم اللبنانيين منذ اكثر من مئة عام؟ من المؤكد ان الاجابة على هذا التساؤل لا تنطلق من حساب مادي، بل من دافع معنوي ووطني في التعامل مع مقاومة يصورها البعض على انها فئة خارجة على القانون يتم الحوار معها لتسليم نفسها لدولة معظم اركانها من امراء الحرب ومافيات المال والفساد.
واذا كان لا بد من حوار جدي وفعلي يجب ان يكون على مستوى خطورة ما يتهدد المواطن اللبناني والكيان برمته واخطر حرب او جريمة او مؤامرة يواجهها لبنان وشعبه هي الدين العام الذي بلغ ستين مليار دولار، ورهن كل مؤسسات الدولة والشعب اللبناني الاحياء منهم والاموات وحتى الاجنة في بطون الحوامل ليبلغ دين الطفل قبل ان يفتح عينيه على الدنيا ما يقارب 17 الف دولار.
عندما يتحول كل شيء لدى اللبناني الى دين وتقسيط وقروض ماذا يبقى له وهو يتحول الى كائن مرهون للدين وحجز المصارف، وقد يتحول لبنان بعد سنوات في ظل ازدياد مديونته الى قطعة ارض معروضة للبيع في مزاد علني، فهل يجوز الحوار على مسلمات تحمي وتجلب للوطن العزة والمال والاقتصاد، وتناسي ما ينهش بلحم المواطن اللبناني ويسلبه قوت عيشه، الا يستحق الاقتصاد والضمان والاستشفاء والكهرباء والمياه حوارا، الا تستحق البطالة وهجرة الشباب وانهيار الصناعة والتجارة والزارعة حوارا.
ليس في الامر صعوبة او حرج كي يعي اهل الحوار المشاكل الحقيقية للمواطن اللبناني، فلتكن هذه الطاولة في الشارع وليسأل المتحاورون انصارهم قبل خصومهم عن مخاوفهم وهواجسهم والخطر الذي يخشونه، سيكون من المحتوم والمؤكد ان المقاومة وسلاحها خارج موال وسياق ما يشغل بال اي مواطن مهما كان مذهبه ولونه السياسي، واذا كان الخوف من الحرب والاقتتال الداخلي وانتشار السلاح وتدخل الاخرين في شؤون اللبنانيين، فان لذلك سببا رئيسيا وهو الفقر والجوع والحرمان وبطالة الشباب ويأسهم في تأمين حياة كريمة ومستقبل تسوده الطمأنينة والسلام. فما يستحق الحوار فعلا وهو بغاية الخطورة هو الدين العام الذي لا يعرف سوى الله عز وجل والذين سطو على هذا الدين لصالح جيوبهم من اين اتى واين سيأخذ لبنان وشعبه، الى توطين داهم ام لبيع البلد في سوق العقارات ام لرهن اللبناني مثل العبد لصالح المصارف وحيتان المال، فهل يمكن ان تكون هناك جريمة اخطر واقوى من اي حرب او اغتيال او اقتتال، الا وهي هذا الدين السرطاني نسمع من هنا او هناك عن المطالبة بتحقيق العدالة لاشخاص قتلوا بالاغتيالات، وتقوم الدنيا ولا تقعد من اجل هذا الامر، قد يكون هذا امرا محقا وضروريا لكن الاهم من المهم والكثير الضرورة من الضروري هو محاكمة كل من خطط وسهل ونفذ وتواطأ وسرق وهدر مال الشعب اللبناني بأسره.
ومن هنا تنتصر العدالة ومن هنا تبنى الدولة القادرة والعادلة، فلا عدالة لشهداء سرق ونهب شعبهم وتحول الى رهينة؟!
عباس المعلم اعلامي لبناني[email protected]