ما أصعب نيل التأييد في يوم التضامن

حجم الخط
0

د. فايز رشيد

مرّ يوم التضامن العالمي مع الشعب الفلسطيني (29 تشرين الثاني/نوفمبر)، في الوقت الذي تعاني فيه القضية والشعب الفلسطيني والبرنامج الوطني ظروفاً قاسية بالغة الشدة، فلثلاثة أعوام خلت يحتار مؤيدو شعبنا في كيفية ابداء التضامن معه، في ظل وجود مشروعي سلطتين (تقعان فعلياً تحت الاحتلال)، ومؤسستين، وبرنامجين، من دون امتلاك الحدود الدنيا من إمكانية عودتهما إلى الصواب والوحدة، وإعادة الألق إلى القضية الأكثر عدالة في تاريخ حركات التحرر الوطني على صعيد العالم أجمع، نظراً لفرادتها، فهي حالة الاحتلال الوحيدة التي يجري فيها اقتلاع شعب من أرضه ووطنه، وتهجير الملايين منه وإحلال غرباء مكانه، وإقامة قسرية لدولة نازية فيه، والمحاولات الجارية لمحو تراثه وتاريخه وارتباطه العضوي بفلسطين. لا نبالغ القول انه ومنذ بــــداية الانقسام في الساحة الفلسطينية، فقدت قضيتنا زخم التأييد العربي والدولي لها، فأصدقاء الفلسطينيين في كل موقع يطرحون ذات الســــؤال الصعب الجواب: لماذا هذا الانقسام؟ والمحرج إلى الحد الذي بات فيه الفلسطيني يخجل مما يمر بقضيته الوطنية من أوضاع ذاتية، عملت على تأخير المشروع الوطــــني عشرات السنـــين إلى الوراء.

نفهم أن يكون الانقسام (رغم صعوبة تصور ذلك) بعد إنجاز الأهداف الوطنية في التحرر وإقامة الدولة الفلسطينية الكاملة السيادة مثل باقي دول العالم، لكن ما لا نفهمه، أن يستمر هذا الانقسام رغم الاحتلال الذي يعاني منه شعبنا في أراضي (السلطتين). لا نفهم أن يتواصل التشظي في الوقت الذي يجري فيه تهويد القدس، لمحو تاريخها وعروبتها وإسلاميتها ومسيحيتها، على عيون الفلسطينيين والعرب والمسلمين والمسيحيين والمجتمع الدولي بأسره، من دون قدرة هذه الأطراف مجتمعة على منع إسرائيل من المضي قدماً في مخططاتها، رغم قرارات الشرعية الدولية (الأمم المتحدة) بهذا الشأن. لقد سأل أحد الصحافيين رئيسة الوزراء الإسرائيلية في حينها غولدا مائير، عن أتعس يوم مرّ في حياتها السياسية، أجابت: بأنه يوم احتراق المسجد الأقصى. سألها الصحافي عن السبب.. أجابته: بأنها توقعت هزة فلسطينية وعربية وإسلامية، حيث تقوم الدنيا ولا تقعد.. استمر الصحافي في أسئلته، وسألها عن أسعد يوم في حياتها؟ أجابته: في اليوم التالي لذلك، فإن كل الذي توقعته لم يحصل شيء منه. لا نفهم أن تستمر الفرقة بين (سلطتي) رام الله وغزة في ظل مصادرة أراضي الضفة الغربية، وتوسيع الاستيطان، وطرح يهودية الدولة، ولا في ظل المخططات الصهيونية لإفراغ فلسطين المحتلة عام 1948 من أهلها، ولا في ظل السكون السياسي القائم بعد وصول المفاوضات مع العدو إلى طريق مسدود، وهو ما حذرت منه مراراً أطراف فلسطينية وعربية ودولية عديدة منذ توقيع اتفاقيات أوسلو المشؤومة، ومازالت تحذّر حتى هذه اللحظة. لا نفهم أن يتمثل خيار السلطة الفلسطينية في المفاوضات وحدها، وكأن السبل انقطعت بالفلسطينيين، في الوقت الذي بينت فيه كل دروس حركات التحرر الوطني في العالم أجمع (بما في ذلك الفلسطينية) أن المقاومة هي الطريق لطرد المحتل ونيل الحقوق. إن أكثر ما تخشاه إسرائيل: المقاومة، وهي التي أجبرتها على الاعتراف بوجود الشعب الفلسطيني بعد أن انكرت وجوده زمناً طويلاً. المقاومة هي صاحبة التحولات في المواقف الإسرائيلية، ولو قُدّر لها أن تستمر بمثل ما سارت عليه، لاختلفت ظروف الحاضر ايجابا، اختلافاً جذرياً، لذلك لا نفهم أن (السلطة) في غزة تأمر بوقف المقاومة هي الأخرى، والضغط (بل العقاب) بالاعتقال والتوقيف والسجن لكل من يريد ممارستها من التنظيمات الأخرى! لا نفهم الفساد والافساد والمحسوبية والإثراء غير المشروع ومجموعة كبيرة من الأمراض القاتلة الأخرى التي تستشري في السلطة الفلسطينية، ولا نفهم التنسيق مع العدو الصهيوني بقيادة دايتون وخلفه، ولا نفهم أيضاً التقييدات التي يقوم بها الطرف الآخر على أهلنا في قطاع غزة، وفقاً لبرنامجه الاجتماعي، وكأن القطاع أصبح محرراً! ولا ممارسة الهيمنة على التنظيمات الفلسطينية كوجه ثانٍ لعملة رام الله. الطرفان يعتقدان بحق كل منـهما بالسلطة المطلقة، وكأن كلا منهما ممثلة الذات الإلهية على الأرض، لا نفهم الاعتقال ومصادرة حقوق الإنسان والظلم والتعسف وتوزيع المساعدات على المحسوبين فقط من التنظيم وأصدقائه، ونسيان القطاعات الواسعة من جماهيرنا لأنها لا تنتظم في مؤسسة السلطة ولا في حزبها.

الانقسام أوصـــل شعبنا (شئنا أم أبينا) إلى حافة اليأس، ليس من الحاضر فحسب بل الأخطر من المستقبل، فالمؤامرات التي تستهدف القضية تتزايد كل يوم، في ظل انحدار الوضع الفلسطيني، الذي يزداد عمقاً هو الآخر، حيث يسير باتجاه المنزلق ونحو الهاوية. لا يستأهل شعبنا كل هذه العذابات والمعاناة الطويلة من المسؤولين في السلطتين من بني جلدته، يكفيه ما عاناه من تضحيات هائلة ومعاناة فريدة لم يعشها في التاريخ شعب آخر، يكفيه ما يتعرض له من مؤامرات تستهدف وجوده وكياناته وهويته الوطنية ومسحه من على وجه الأرض، يكفيه ضحايا ومعتقلين وأسرى وهدم بيوته ومصادرة أراضيه، يكفيه ما يعيشه من محاولات هادفة لإذلاله وتركيعه على الحواجز الإسرائيلية في المناطق المحتلة.

رغم ذلك لم ييأس شعبنا ولم يحمل الراية البيضاء كان وسيظل مرفوع الرأس، شامخ العنفوان والكبرياء مثل منارات يافا وحيفا وعكا، ومثل الزيتونات الفلسطينية الخالدة، معطاء مثل سنابل القمح، متمسكا بتراب وطنه… فهل تكون القيادات الفلسطينية في السلطتين مثل شعبهما؟.’ كاتب فلسطيني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية