عبد يغوث’ الحب ألوان كما أن الجنون ألوان’ سقراطعدّه الجُنيد ولياً من أولياء الله ‘ ستر شأنه بجنونه’، وجعله الغزالي ‘ حُجة على المُحبين’ في رؤيا المنام، وعند أبي القاسم الحسن بن محمد بن حبيب صاحب ‘ عقلاء المجانين’ بأنه الأشهر جنونا: ‘ جنونه غلب على اسمه حتى أنه إن سُمّي أو عُزي إلى أبيه لم يثبت بل يقال قال المجنون كذا وفعل المجنون كذا’، فيما أنكر الأصمعي وجوده ويراه ‘ اسما بلا مسمى’ رغم أنه روى عنه روايات منها أنه ‘ لم يكن مجنونا ولكن كانت فيه لوثة وهو من أشعر الناس على أنهم قد نحلوه شعرا رقيقا يشبه شعره’. وتبعه طه حسين الذي لم يقل أن شعره منحول فحسب بل ألغى وجوده جملة وتفصيلا:’ إذ لم تتفق الرواة على اسمه ولا على أحداث حياته ولا على وجوده كلية’، فيما عده البعض من الباحثين هو وليلاه تنويعاً عربياً على آلهة حب وخصب قديمة كانت تعبد خارج الجزيرة العربية ( قيس / تيس ـ ليلى / ليليت)، أما الجاحظ فيرى أن كل شعر حُب في ليلى يُنسب إليه، ويقول ابن الكلبي: ‘ حدثت حديث المجنون وشعره وضعه فتى من فتيان بني أمية كان يهوى ابنة عم له وكان يكره أن يظهر ما بينه وبينها فوضع حديث المجنون وقال الأشعار التي يرويها الناس ونسبها إليه’، وما إلى ذلك من الروايات والأخبار والمنمنمات عن مجنوننا منها – مثلا ـ منمنمة تعود إلى القرن الخامس عشر من كتاب ‘ الكنوز الخمسة’ للشاعر الفارسي نظامي كنجوي، تصور المجنون يجلس شبه عار بجانب غزالة تحت ظل شجرة وحوله ذئاب وثعالب ونمور ترعى مع الغزلان والطيور ( صورة فردوسية) وهو يتحاور مع رجلين وفتى هرعوا إليه لينظروا حاله الذي أوصله الحب إليه – مما خلّد ذكره في وجدان العامة والخاصة خلود الأسطورة الحية.
إنه العاشق الأكبر والمجنون الأكبر وشاعر الحب الأكبر: مجنون ليلى صاحب ‘ المؤنسة’ الذي تواترت أخباره بما يشبه الإجماع على أنه: ‘ نشأ معها إلى أن كبرت وحجبها أبوها فهام على وجهه ينشد الأشعار ويأنس الوحوش، فيُرى حيناً في الشام وحيناً في نجد وحيناً في الحجاز، إلى أن وُجد مُلقى في واد كثير الحجارة وهو ميت فحُمِل إلى أهله’. ويردف الرواة ‘ أنه لم تبك النساء يومها فتى كما بكت المجنون’، المجنون الذي تنبأ حتى بطريقة موته ( توفي بين 65 أو68هـ) حيث وجد هذين البيتين عند رأسه أو خطهما على حجر:
توسَّـدَ أحجارَ المهامِهِ والقفرِومات جريحَ القلب مندملَ الصدْرِفيا ليت هذا العشق يَعشقُ مرةفيعلم ما يَلقى المُحب من الهجرِصعد المُحبون مراتب الحب درجة فدرجة أما المجنون فقفزها قفزة واحدة، قفزة وعل جبل من ‘ النظرة الأولى’ حتى ‘ الجنون’ الذي لا يعقبه جنون ولا عقل، فتى شاحب هزيل، زائغ النظرات، بهي الطلعة، حلو القسمات، غزير الشَّعر طويله، روحه روح طفل، صورته أقرب إلى آلهة الحب، وفي المخيلة الشعبية المُضحي والمُفدّي بنفسه عن كل العشاق على مذبح الحب، ترددُ الناس شعره كحكم وآهات في المحبة الطاغية حين يأخذ الهوى بتلابيب العشاق كل مأخذ. جُن بليلى أو كما روي عنه عندما لاموه حبها قوله: ‘ من يرى مثل هذه الصورة ولا يجن؟’ وقيل ذهب بصره بـ ‘ فلقة القمر’: أنيري مكان البدر إن أفلَ البدرُوقومي مقام الشمس ما استأخرَ الفجرُففيك من الشمس المنيرة ضوؤهاوليس لها منكِ التبسمُ والثغرُبلى لك نورُ الشمسِ والبدر كلهُولا حملت عينيك شمس ولا بدرُلك الشرقةُ اللألاء والبدرُ طالعوليس لها منكِ الترائب والنحرُومن أين للشمس المنيرة بالضحىبمكحولة العينين في طرفِها فترُوأنى لها من دل ليلى إذا انثنتبعيني مهاة الرمل قد مسها الذعرُأكل لحم ذراعيه وكفيه حين قيدوه، ذهبوا به إلى بابل ليفكوا عنه سحر ليلى فصاح بهم: دعوني دعوني. أخذوه إلى الحج لعل الله يخلّصه من حبها وفي اللحظة التي ضج فيها الحجيج يطلبون الجنة، أجهش هو في البكاء يطلب ليلى: ‘ اللهم زدني لليلى حبا وبها كلفا ولا تنسني ذكرها أبدا’: دعا المحرمون الله يستغفرونهبمكة شُعثاً كي تُمَحىّ ذنوبهاوناديتُ يا رحمن أول سؤلتيلنفسِيَ ليلى ثم أنت حسيبهاوإن أُعْطَ ليلى في حياتي لم يتبْإلى الله عبد توبة لا أتوبُهاسرى شعره سري النار في الهشيم وسري المحبة في القلوب، عرف الشعر من معرفة الحب، تعدد شخصه وتجسم حضوره ( قيس بن الملوح، قيس بن معاذ، مهدي بن الملوح ) ، أعلاه العشق إلى ذرى ما لا يُرى والى ما لا تدركه القلوب فلا هو معروف بالتحديد ولا هو مجهول. خُلق على هوى ليلى وخلقت على هواه:
تعلقتُ ليلى وهي غِرّ ٌ صغيرةٌولم يبدُ للأتراب من ثديها حجمُ صغيرين نرعى البَهْمَ يا ليتَ أنناإلى اليوم لم نكبر ولم تكبر البَهمُلم تعرف الثقافة العربية شاعرا مُحباً كمجنون ليلى، سواء في الشعراء ‘ العذريين’ هؤلاء ‘ الذين متى أحبوا ماتوا’ أو في شعراء الحب من ذي الرمة مروراً بالأعشى والعباس بن الأحنف إلى عمر بن أبي ربيعة. شعره قطعة من روحه، به أنفاسه وخرق ثيابه، تطيّره من الناس وقلقه، لا يرتد إليه صوابه ولا يثوب إلى رشده إلا متى ذكرت له ليلى، ولا نادى مناد باسمها إلا وطارت روحه:
وداع دعى إذ نحن بالخيف من منى فهيّج أطراب الفؤاد وما يدريدعا باسم ليلى غيرها فكأنماأطار بليلى طائراً كان في صدريجسده العاري هيكل حبه، فؤاد مُدنف صب، به من تباريح الهوى ما لا يخطر على قلب عاشق، روح معذبة هائمة أبداً تحل بين زمن وآخر في روح عاشق جديد، بل قل هو الحب ذاته مجسداً في كائن لا هو إنسي ولا هو جني، كائن أقرب إلى الملاك، الحب مأكله ومشربه، العاشق صديق الظباء الذي أخرج الغزالة من بطن الذئب:
أيا شبه ليلى لا تراعي فإننيلك اليوم من بين الوحوش صديقُأقول وقد أطلقتها من وثاقهافأنت لليلى إن شكرت عتيقُفعيناك عيناها وجيدك جيدُهاسوى ان عظم الساق منكِ دقيقُوكادت بلاد الله يا أم مالكٍبما رحبت منكمْ عليّ تضيقُيومه هيام وتهيام في البراري والجبال والوديان، يرحل ويحل ويحل ويرحل فلا يعرف إن أصبح هنا أو أمسى هناك، أما ليله فسهى وتقليب بصر في النجوم:
أحبك حباً لو تحبين مثلهأصابك من وجد عليّ جنونُوصرتُ بقلب عاش أما نهارهفحزنٌ وأما ليلهُ فأنينُ لم يوجد عاشق ارتقى مرتقى الأسطورة مثل مجنون ليلى لأنه أرقهم فؤاداً وأرهفهم قلباً وأسلسهم شعراً، لذا نحن نحبه حبه لليلاه وحب ليلاه له الذي تمنى لو لم يكونا ما كانا: ألا ليتنا كنا غزالين نرتعيرياضِا من الحوزان في بلد قفرألا ليتنا كنا حماميْ مفازةٍنطير ونأوي بالعشيٍ إلى وكْرِألا ليتنا حوتان في البحر نرتميإذا نحن أمسينا نُلجج في البحرِويا ليتنا نحيا جميعا وليتنانصير إذا متنا ضجيعين في قبرِضجيعين في قبر عن الناس معزلونُقرن يوم البعث والحشر والنشرِلم يعبّر مُحب بكل هذا الجمال والألم في شعره ما روي عنه وما نُحل مثل مجنون ليلى، غار منه كثيّر عزة وغيره من الشعراء المحبين الذين عابوا عليه البوح ومدحوا أنفسهم بالكتمان، بل وغارت منه حبيبته ليلى أيضا بنفس الحجة وهو الذي لم يغر إلا من موت عروة بن حزام: ‘ قيل لليلى: حبك للمجنون أكثر من حبه لك؟ فقالت: بل حبي له. قيل وكيف؟ قالت: لأن حبه لي كان مشهورا وحبي له كان مستورا’، أحب شعر قيس بن ذريح وفاضل بينه وبين شعره حتى قبيل موته في الحكاية التي تروى عن فتى يدعى صباح بن عامر أتى المجنون وأنشده شعرا لابن ذريح حين وجده: ‘ فإذا أنا برجل عريان قد شعث شعر رأسه على حاجبيه، وإذا هو قد فعل حظيرة من تراب وهو قاعد في وسطها والى جانبه أحجار وهو يخطط بإصبعه على الأرض…’: وهي الحكاية الأخيرة التي يروى فيها موته حين فر متقافزا وكأنه عُصم أي وعل جبل خلف ظبية حتى اختفى مرددا:
وأدنيتِنـي حتى إذا ما سبيتِنـي بقولٍ يَحِلُ العُصْمَ سَهْلَ الأباطحِتناءيتِ عني حين لا لِيَ حيلة وخلّفـتِ ما خلّفتِ بين الجوانـحعاشق على هيئة إنسان وإنسان على هيئة عاشق، ضحى بجسده الخرقة على مذبح الحب فصار مزاراً للقلوب وعلة للعشاق، هز ثقافة بأكملها من خصر الحب فانقادت إليه والى شعره، صار ما لم يصره غيره من العشاق. عاشق صنعته ثقافة في زمن تحولها من ‘ البداوة إلى الحضارة’ بل هو من صنعها، الكائن الأكثر فرادة في الحب، كائن ربما قُدّ من مخيلة العشاق والمجانين والشعراء والأطفال في ثقافة يتطاول عنها الحب يوماً بعد يوم لأنها لم تعد تعي ألم المجنون: أخافُ هواها تاركي بمظنةمن الأرض لا مالٌ لدي ولا أهلُولا صاحب أشكو إليه بليتي ولا وارثٌ إلا المطيةُ والرحلُمحا حبها حب الأُلى كُنّ قبلهاوحلّت مكانا لم يكن حُل من قبلُفحبيها حب قد تمكّن في الحشافما إن أرى حبا يكون له مثلُهو من رأى ليلى بعد طول غياب فرأى الحب:’ إليكِ عني فإن حبكِ شغلني عنكِ’، وهي العاشقة التي شغلت به شُغل يتيمة الحب على يتيم الحب:
ألا ليت شعري والخطوب كثيرةٌمتى رحلُ قيس ٍمستقلٌ فراجعُبنفسي من لا يستقل برحلةومن هو إن لم يحفظ الله ضائعُماذا يسمون المُحب عندكم؟
يسمونه مجنون ليلى!
شاعر من عُمانمعظم الأبيات الشعرية الواردة لمجنون ليلى من ديوان ‘ ديوان قيس بن الملوح – مجنون ليلى’، رواية أبي بكر الوالبي، دراسة وتعليق يسري عبد الغني، منشورات دار الكتب العلية، بيروت ـ لبنان، نسخة إلكترونية، فضلا عن مصادر أخرى متفرقة.