محاولات المالكي لشق القائمة ‘العراقية’

حجم الخط
0

هارون محمد

لم تكن القائمة ثم الكتلة العراقية بعيدة عن امراض (الزعامات) شأنها في ذلك شأن الاطراف السياسية والكتل النيابية السائدة في الساحة العراقية، سواء منذ بدايات تشكيلها قبل الانتخابات الاخيرة اوعقب الاعلان عن نتائجها، ولم تكن ايضا مثالية في علاقات بعض قادتها ببعضهم ورغبات عدد منهم الجامحة الى السلطة والامتيازات، لكنها نجحت الى حد ما في تجاوز الخلافات والحساسيات بين مكوناتها الستة، وإظهار تماسكها ولو شكليا أمام الرأي العام ووسائل الاعلام خلال الفترة القليلة الماضية.

وكان الاتفاق بين قادة (العراقية) الستة اياد علاوي وطارق الهاشمي وصالح المطلك واسامة النجيفي ورافع العيساوي وجمال كربولي قبل الاعلان عن تشكيل القائمة، ان تكون قيادتها جماعية منهم، رغم ان علاوي كان منذ البداية لا يحبذ هذه الصيغة ولكنه اضطر الى القبول بها بعد ان لاحظ ان أغلب شركائه يصرون عليها، وقد التزم بها خلال الايام التي سبقت الانتخابات وخلالها، غير انه بدأ يتصرف كرئيس لها بعد اعلان نتائجها واحرازها أعلى الاصوات وحصولها على واحد وتسعين نائبا، مخلفة وراءها إئتلاف دولة القانون برئاسة نوري المالكي الذي صدمته نتائجها وأذهله تفوقها، معتبرا ذلك هزيمة شخصية له من شخص مثله تمكن في رأيه من استقطاب السنة العرب وجمهورالقوميين والبعثيين والشيعة العلمانيين الى صفه، وبدلا من ان يوظف علاوي اخفاقات المالكي الانتخابية وهيمنته على إئتلاف دولة القانون كقائد أعلى وزعيم أوحد، فانه بدأ يقلده ويطرح نفسه مثله رئيسا للقائمة تارة وزعيما لها تارة اخرى، مما ولد همهمات داخل الكتلة سرعان ما تحولت الى إعتراضات ظلت حبيسة تحت السطح تفاديا لانشقاقات محتملة. وقد حاول المالكي وعدد من مساعديه ومستشاريه إحداث اختراقات في بنية الكتلة العراقية ومكوناتها من خلال علاقات وصداقات تجمعهم مع قياديين ونواب فيها، غير ان جهودهم باءت بالفشل لانهم لم يكونوا غير أدوات نقل استنساخية لـ(تعليمات) المالكي الصارمة، يلتزمون بسياقاتها ويعدونها غير قابلة للنقاش. الا أن حراك المالكي لاختراق (العراقية) تغير واختلف عندما أدخل على الخط عزة الشابندر، وبات المفاوض الرئيسي باسمه مع بعض اطراف العراقية وتحديدا مع صالح المطلك الذي سألني شخصيا قبل شهرين – كما أتذكر- عن خلفيته السياسية منذ كان في الشام يرأس منظمة طائفية صغيرة منشقة عن حزب الدعوة اسمها (جند الامام)، وله صلات لا ينكرها مع دول وجهات عربية واجنبية وسبق له التعاون مع اياد علاوي في التسعينات وبعد الاحتلال ايضا، وصار نائبا على كتلته في الدورة السابقة قبل ان ينقلب عليه ويصبح كبير مستشاري المالكي بدلا من سامي العسكري، ومما لاحظته على صالح انه مهتم به كثيرا، ويبالغ في الاطراء عليه ويشيد بامكانياته الفكرية والسياسية، وقد اختلفت معه وعارضته عندما وصفه بـانه (عميق) في الفكر والسياسة!

وتعددت اللقاءات بين الشابندر مبعوثا للمالكي مع صالح المطلك في بيروت ودمشق، دون ان يفصح الاخيرعما دار فيها، وحصر الامر في حلقة ضيقة تحيط به وهذا من حقه بالطبع، غير انه كان يوحي لمن خارج حلقاته، ان هذه اللقاءات مجرد تبادل آراء ووجهات نظر للخروج من حالة الاستعصاء الوزاري السائدة وانها غير مجدية! وسمعته في اكثر من مناسبة يتحدث عن صعوبة التوصل الى حل مع المالكي ما دام متمسكا بالعودة الى رئاسة الحكومة، غير ان زيارة الشابندر الى عمان مطلع الاسبوع الحالي والتكتم على لقاءاته مع المطلك والشيخ خميس الخنجر (عراب الكتلة العراقية من خلف الستار) وحفلات وولائم الافطار الباذخة التي اقيمت تكريما له وإحتفاء بمقدمه، تركت شكوكا بان مهمته هذه المرة، ليست كما هي في المرات السابقة، فقد تبين انه جاء برسالة من نوري المالكي سرّب بعض ما فيها قبل عودته الى بغداد الاثنين الماضي بـ(نية حسنة أو متعمدة) يُبدي فيها المالكي استعداده للتعاون مع (العراقية) عبر المطلك والخنجر، وتقاسم السلطة معهما بحيث يعود المالكي رئيسا للحكومة المقبلة ويعين خميس الخنجر رئيسا للجمهورية وتسند الى المطلك وزارة سيادية يعتقد انها الخارجية، فيما يتولى رئاسة مجلس النواب فؤاد معصوم القيادي في حزب جلال طالباني تعويضا للاخيرالذي سيخسر منصبه الحالي، واشترط المالكي، كما ينقل عن الشابندر، لاكمال هذه الصفقة ان يؤمن الشيخ الخنجر والمطلك أصوات (74 صوتا) على الاقل من نواب (العراقية) لضمان تمريرانتخابات رئاسات مجلس النواب والجمهورية والحكومة، حيث يُمّكن هذا العدد مضافا اليه (89 نائبا) من إئتلاف دولة القانون الوصول الى رقم (163 صوتا) أي النصف زائدا واحد، وهو يكفي لانتخاب رئيسي البرلمان والجمهورية في المرحلة الاولى وتكليف المالكي بتشكيل الحكومة الجديدة والموافقة عليها في المرحلة الثانية.

وبالنسبة الى (ترضية) اياد علاوي وتوقفه عن المطالبة برئاسة الحكومة المقبلة، فان المالكي يتكفل هذا الامر- كما أوحى الشابندر- دون ان يدخل في التفاصيل، ملمحاً الى ان ثمة تفاهما (سريا) قد حصل بين نوري واياد يتولى بموجبه الثاني رئاسة مجلس الدفاع الوطني المقترح تشكيله عقب تأليف الحكومة المرتقبة، كما ابدى المالكي موافقته على ان يستمر رافع العيساوي في منصبه الحالي كنائب اول لرئيس الوزراء ممثلا عن العراقية في الحكومة الجديدة، ويبدو ان الشيخ الخنجر وهو(عيساوي) ايضا، قد سوى الخلافات التي نشبت بين رئيس الحكومة المالكي ونائبه العيساوي على خلفية تهديد الاول بكشف ملفات الثاني كما لوح نوري بذلك خلال اجتماعه مع علاوي عقب عودة الاخير من دمشق ولقائه مع مقتدى الصدر، والشيخ خميس الخنجر رجل أعمال ناجح وناشط سياسي واسلامي معتدل، ينظر اليه كرئيس لتجمع (المستقبل) احد مكونات القائمة العراقية ولديه عشرة نواب آخرهم النائب جابر الجابري الذي حصل على مقعد تعويضي بـ(دفع) من الشيخ الخنجر نفسه، ويتــردد في هــذه القضـية كلام كثير لن نخوض في تفاصيله الآن! ولعل المفارقة المثيرة في صفقة (المالكي والمطلك والخنجر) كما يرسم لها الشابندر، هي في اتفاق الثلاثة على إقصاء طارق الهاشمي من الموقع السيادي الذي يُفترض ان يسند اليه باعتباره صاحب أعلى الاصوات في القائمة بعد علاوي وبهذه الاصوات حصل المطلك واياد ورافع على ستة مقاعد نيابية للمحسوبين عليهم في انتخابات العاصمة بغداد، في إيثار وطني يسجل للهاشمي لمصلحة الكتلة، فثمة معلومات تحدثت ان الشابندر نقل الى المطلك والخنجر، رغبة المالكي في استبعاد الهاشمي عن الاتفاق معهما، لان (دولته) لا يستطيع العمل والتعاون معه في المرحلة المقبلة، وحجته في ذلك ان طارق الهاشمي سني متعصب ومحبوب من السنة العرب في العراق ومعتد بنفسه وقد عاكس المالكي كثيراً في الفترة السابقة، وهو أمر أثار الاستغراب في اوساط مناصري الكتلة العراقية خصوصا وان هذا الكلام يصدر من المالكي في محاولة مفضوحة للتسترعلى طائفيته المتطرفة والتهرب من نزعته الثأرية مع السنة العرب ومداهماته الانتقامية لمناطقهم ومحافظاتهم كما أثبتت الاحداث في السنوات الاربع المنصرمة. وفي المحصلة فان وساطة الشابندر بين المالكي والمطلك والخنجرسواء كانت صحيحة، وانا شخصيا أشك في نواياها، او أنها تكتيكية لاغراض ملتوية، غير أنها في كل الاحوال ساعدت المالكي على اختراق (العراقية) من خاصرتها الرخوة، وهيأت الاجواء لشرذمة القائمة التي دفع أهلنا في العراق دما طاهرا لتنجح وتفوز! وللحديث بقية.’ كاتب وسياسي عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية