مدرسة المُطبِّعين !

حجم الخط
0

مدرسة المُطبِّعين! علي المجبريكنت كل يوم أجلس في مقهى فندق ( ك) في القاهرة لأطالع إصدارات الصحف الورقية والإلكترونية. ولكن ما إن هممت اليوم الإثنين 18 تشرين الاول ( أكتوبر) 2010 بدخول المقهى حتى فوجئت بسيارات الأمن متراكمة دونما انتظام أمام المقهى وبجوارها عناصر كثيرة من رجال الأمن الراجلة والراكبة. لم أعِ السبب، ورغم ذلك لم أتردد في دخول المقهى الذي اعتدت ارتياده كل يوم خلال مدة إقامتي في القاهرة.

ولأول مرة أرى شرطة التفتيش، عند مدخل الفندق والمقهى. لم أسأل عن السبب، لكنني كنت أدرك أن شخصية سياسية ربما تكون الآن داخل المقهى أو على وشك الوصول. فهذا المقهى عادة ما يكون خاليا من الرواد بسبب أسعاره التي ربما يجدها عامة الناس عالية بعض الشيء. بعد عبوري بوابة التفتيش، وتفيش حقيبة جهاز ( اللاب توب) التي احملها معي، تفتيشا دقيقا، فوجئت بالمقهى ممتلئاً بشخصيات يبدو أنها رسمية، ثم بأحد عمال المقهى يعترض طريقي، ويطلب مني، وبأدب جم، الصعود إلى الطابق العلوي.

ـ ‘ ليه؟’ سألته. ـ ‘ معليهش النهارده فيه شوية ألأ ( قلق)’. ـ ‘ إذا عندكو بارتي أو مناسبة خاصة أنا ممكن أخرج’. ـ ‘ لا يا أفندم، إنت عندنا أحسن من. … ‘. ـ ‘ ربنا يخليك’. وصعدت إلى الطابق العلوي وأنا لا أفهم شيئا مما يدور حولي. وبعد أن أحضر لي النادل الرقيق ( عُمدة) ‘ النسكافيه’ و’ كباية المية’ قلت له بفضول:

ـ ‘ عندكو عيد ميلاد النهارده؟’. ـ ‘ لا يا أفندم؛ ده السفير الإسرائيلي جاي يقابل علي سالم’. ـ ‘ علي سالم الكاتب بتاع (مدرسة المشاغبين) والا شخصية تانية تحمل نفس الاسم؟’ـ ‘ لا؛ هو نفسه، الكاتب المسرحي بتاع ( مدرسة المشاغبين)’. ـ ‘ أشكرك يا ( عُمدة)’. ـ ‘ العفو يا أستاذ’. في ذلك الوقت أدركت أنه لم يكن في المقهى الصغير جدا غيري وغير الكاتب الكبير وسعادة السفير (ومرافقيه عن بعد)! ؟. ـ ‘ موقف!!’. قلت في نفسي. وبعد نصف ساعة من جلوسي خلف فنجان ( النسكافيه) غادر الموكب وهدأ الشارع والمكان. لم أنتبه إلى مغادرتهم ـ رغم أنني كنت جالسا بجوار نافذة تطل على واجهة الفندق والمقهى ـ ربما لأنني كنت مستغرقا في قراءة مقال لأحد زملائي المبدعين. فلم أعلم بمغادرتهم إلا عند حضور نادل آخر يطمَئِنّ على أنني لا أحتاج خدمةً أخرى، فقد اختفت سيارات الأمن واختفى معها الضباط الأنيقون الذين كانوا في منتهى الشياكة وكأنهم منتقون بعناية من بين آلاف الأمنيين. فسألت النادل: ـ ‘ راحوا؟’. ـ ‘ أيوه يا أفندم’. ـ ‘ ممكن أنزل دلوقتي؟’. فأنا لم اعتد الجلوس في الطابق العلوي، حيث أحسست بالإختناق والضيق، لا لسوء المكان بل لعدم اعتيادي على الجلوس فيه، حيث لم أشعر فيه بأي حس ولا رغبة في المطالعة ولا القراءة باستثناء مقال واحد شدني لقراءته وكان ذلك المقال للكاتب المبدع ( ب. ز) الذي تناول فيه ‘ مِحنة السجناء الليبيين في مصر’، والذي حرمني الاستغراق في قراءته من مشاهدة موكب ( سعادة السفير) الإسرائيلي ورفقته من العِرقين العربي واليهودي وهم يغادرون المكان داخل السيارات ( الميري) موديل 2010. ـ ‘ ممكن أنزل، عشان أأعد ( أقعد) على الطربيزة بتاعي؟’ سألته. فقد اعتدت الجلوس إلى نفس الطاولة ليس لأنها محجوزة لي، وإنما لأن المقهى هو غالبا ما يكون خاليا إلا مني ومن بعض أصدقائي الليبيين الذين تعرفت علَى هذا المقهى الهادئ ( جدا) بفضلهم. ـ ‘ ممكن أنزل دلوقتي؟’. ـ ‘ طبعا يا أفندم، وح أنقل لك الطلبات لـتحت’. ـ ‘ متشكر’. وما إن نزلت الدرج إلى الطابق الأرضي حتى فوجئت بالكاتب ( علي سالم) يجلس إلى الطاولة التي لا أحب الجلوس إلا إليها. ـ ‘ هو ما خرجش معاهم!

؟’ قلت في نفسي. ثم انتقيت طاولة أخرى من الطاولات الثلاث الخالية وهي بالمناسبة كل الطاولات بالمقهى باستثناء طاولتي التي يجلس إليها الآن الكاتب علي سالم؛ فالمقهى يتكون من أربع طاولات لا أكثر تحيط بها كراسٍ غالبا لا يجلس أحدٌ فوقها. كانت هذه أول مرة أرى فيها الكاتب علي سالم على الطبيعة. كان يجلس وحيدا إلى طاولتي. لا يقرأ ولا يشاهد التلفزيون الذي كان ساعتها يبث حلقة معادة من حلقات مسلسل ( النبي يوسف الصديق) ولم يكن يتناول أي شيء من القهوة أو الشاي أو المشروبات. كان فقط ساهما، يفكر في أمرٍ في رأسه يعلمه ولا أعلمه. لم يكن أحد في المقهى غيري وغيره!. فكرت أن اقدم له نفسي لأتعرف إليه. ولكنني شطبت الفكرة عندما ورد في رأسي تساؤل قد يطرحه على نفسه أو عليّ: ـ ‘ ماذا يفعل هذا الليبي في مكان اجتماعي بالسفير الإسرائيلي؟’. ـ ‘ وكيف سُمح له بالدخول؟’. ـ ‘ وهل هي المصادفة وحدها التي جاءت بهذا الليبي إلى هنا أم أنَّ الأمرَ مدبَّرٌ!

؟’. أسئلة إذا تم طرحها فلن أجد إجابة مقنعة لها. وسأكون في وضع المتهم ولو لدقائق، وهذا ما لم أرتضِه ولم اكن مستعدا له. ـ ‘ لا!. أقعد في مكانك أحسن لك!’. قلت لنفسي. فأنا ( مش فاضي ومش ناقص). والحقيقة لم أدرِ حتى الآن أنَّ ما دفعني للتفكير في الذهاب إليه هو رغبتي الحقيقية في التعرف إليه أو حاجتي إلى الجلوس إلى طاولتي بأي دافع أو عذر، ولو بالجلوس في نفس الكرسي الذي كان يجلس عليه منذ قليل السفير الإسرائيلي والذي لا بد أن يكون، حتى الآن، ساخنا بفعل الأثيرالمنطلق من سعادته. فهو نفس الكرسي الذي لم أجلس إلا عليه في هذا المقهى!. وبعد نصف ساعة، وبينما أنا أحاور نفسي وأحاسبها طلب الكاتب الكبير من النادل ‘ فاتورة الحساب’!. ـ ‘ السفير ما دفعش الفاتورة!’. قلت في نفسي. ـ ‘ يعني الأستاذ علي سالم هو (صاحب العزومة!! ، وهو اللي يدفع!!! ). . أرزاق!. كنت أظن أن الإسرائيليين كرماء فيما يتعلق بمصالحهم، ولكن الآن تغيرت رؤيتي للأمر؛ يا الله! إنهم يكسبون حتى دون أن ينفقوا فلسا واحدا مقابل مكاسبهم!. عندها تذكرت عبارة الفنان الرائع سعيد صالح الشهيرة في ( العيال كبرت) ‘ ما أنت كانز، إدفع!!’، لا أدري لماذا وردت هذه العبارة إلى ذهني، ولم أدرِ لماذا أستنكرُ أن يدفع الكاتبُ الكبير حسابَ المستفيد ومريديه وحاشيته!. الحقيقة أنا واحد من أشد المعجبين بكتابات الفنان علي سالم ولكن لم اكن يوما هاضما لمواقفه الدسمة من مسألة ‘ التطبيع’ مع إسرائيل. فـعلي سالم هو ( المطبَّعاتي) رقم واحد من بين كتاب مصر الجميلة الرائعة، بل يكاد ينفرد بسِمَةِ المطبّعاتي، حيث لا يلوح في الأفق مطَبَّعاتي في مقدرته ووزنه وقيمته. .. إنها حرية الرأي. . ربما!! القاهرة في 18 / 10 / 2010* كاتب من ليبيا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية