عيد اسطفانوسربما يستجيب الإخوة في التحرير مشكورين لرجائي بالتأكيد على تشكيل العنوان كما هو موضح، لأن أي اختلاف في التشكيل سيتجه لمعنى مغاير لا نقصده، وهو معنى (مَن هو الآخر) وهو طرح متداول كثيرا على الساحة هذه الايام، استهلكه قبلنا كثيرون من جهابذة تفسير العلاقة بين البشر، وحثهم على قــــبول بعضهم البعض وأنه يجوز أن يكون الانسان من عرق مختـــلف، ويجوز له أيضا أن يعــــتقد في معتقد مختلف ويتكلم لغة مختلفة، ولم تفلح كل تلك الشروحات والطروحات في تحريك المواقف قيد أنملة، وخصوصا مع بشر لا يتخيلون أن هناك غـــيرهم في الكون، بشر ظلوا قرونا طويلة يعتقدون بأن الكون نهايته خط تماس الرمال مع الافق، بشر ظلت هواجسهم منصبة على قضية واحدة ماذا لو اتسع الأفق؟ وعندما يحاول نفر منهم ـ مجرد محاولة ـ استشراف ما هو أبعد أو اختراق خط الافق الوهمي تنهال عليه الضربات من كل حدب وصوب، لذلك وغيره سننأى بأنفسنا عن الخوض في هذا الاتجاه الشائك وسنحمل العبارة وجها مختلفا تماما (بكسر الميم والخاء) وهو تعبير يحق للمصريين دون غيرهم التفاخر بابتداعه وتسجيله باسمهم كبراءة اختراع تضاف للقائمة الطويلة من براءات الاختراع العبقرية التي ستغير وجه العالم، براءة اختراع لتعبير متفرد سنتفحصه معا بتؤدة لنكتشف ما يخبئه هذا النمط من مظاهر الطفح الذي ظهر مع غيره كثيرا على جلد المجتمع والمجتمعات (الشقيقة) ونكتشف أيضا مضاعفاته القادمة مع الايام. (مِن الآخِر) اي من دون مقدمة ولا تمهيد، فليس لدينا وقت لتلك الترهات، من الاخر اي ناولني المنتج النهائي مغلفا او من دون تغليف، من الاخر أي نقفز إلى النتائج مباشرة، أما الاسباب فلسنا معنيين بها فتلك سخر الله لها آخرين، من الاخر أي أننا هواة المعادلات الناقصة، فالمدخلات ليست مهنتنا نحن فقط نعتني بالمخرجات الجاهزة المعلبة، من الآخر لأن الأوضاع كلها مقلوبة رأسا على عقب بدءا من أعمدة الإنارة المضاءة في منتصف النهار وحتى قيادة المنقبات للسيارات في الشوارع.
وللوهلة الاولى يخيل للإنسان أننا أمام مجتمعات مشغولة بقضايا مهمة والوقت له قيمته، لكن الحقــــيقة الغائبة هي أننا أمام مجتمعات مقلوبة، آخرها أول وأولها آخر، مجتمعات مقلوبة على ظهورها كزواحف وحشرات اختلت مراكز ثقلها مما تسبب في انقلابها ولو لم تغثها هبة ريح قدرية لا تملك سوى ضرب الهواء بأطرافها كرد فعل هو الوحيد المتاح، مجتمعات مقلوبة لا تملك سوى الصراخ والعويل، بالطبع بترددات خاصة لا تسمعها إلا فصائلها، فقط فصائلها التي لا تملك لها شيئا، مجتمعات مقلوبة يبدأ أعداؤها في التحلق حولها استعدادا لالتهامها بعد أن تلفظ أنفاسها وربما قبل ذلك.(مِن الآخِر) هذا هو الواقع المؤلم لشعوب هذه المنطقة المنكوبة فكلها من دون استثناء مجتمعات مقلوبة تبدأ (من الآخر) فقد اختلت وانقلبت مراكز ثقلها من زمن، نتيجة لعوامل كثيرة أغلبها تصنعه بنفسها وبعضها يصنعه لها أعداؤها بتسهيلات تقدمها هذه المجتمعات طائعة مختارة. وعندما يختل مركز ثقل الكتلة الأم تختل معها كل مراكز الثقل المصاحبة الفكرية والثقافية والاجتماعية والسياسية ويصبح البحث عن نموذج قياسي صالح للتعامل مع بقية المجتمعات الطبيعية المستوية هو وهم كبير، فهي فقط تملك نماذج صالحة للتعامل مع المجتمعات التي على نفس الشاكلة المقلوبة مثلها التي تبدأ (مِن الآخِر) لذا تتكلم هذه مع تلك لغة واحدة لها نفس المفردات ذات الأبجدية المعكوسة، رغم ما قد يكون بينها من فوارق ومسافات. أما الحوار مع المجتمعات (المستوية) فهو حوار طرشان لا ترجى منه نتائج على الإطلاق، فبينما تبدأ المجتمعات المستوية الحوار (من الأول) يبدأ المنقلبون (من الآخر). والنخب في هذه المجتمعات ـ وهي تدرك بالطبع ما هو وضع مجتمعاتها ـ تنقسم إلى قسمين الاول غالبية وهم على السطح دائما كالأسماك النافقة، وهم من أسس وشجع ومول هذا الوضع، لأنها البيئة المثلى الحاضنة لمثل هؤلاء الكذبة المدلسين يمارسون فيها بث أفكارهم التي تصلح فقط لمثل هذه المجتمعات المقلوبة. والقسم الثاني أقلية طالما حذرت وأنذرت لكن صوتها يذوب وسط الأكثرية الهادرة التي استمرأت تلك الاوضاع (المريحة) وعندما يبدو أن أحدهم علا صوته قليلا ويستشعرون منه خطرا، على الفور يتم توجيه الفرق المدربة المزودة بالوسائل الكافية لإسكاته لأنه خطر داهم ويعرضون الجزرة وهي إسكاته بالجوائز الوهمية أو عضوية لجان التحكيم الديكورية في المهرجانات و.
و. وأساليب كثيرة وربما يبدأون معه (مِن الآخِر) كنجيب محفوظ وفرج فودة.
فإذا استويت هذه الشعوب واكتشفت الحقيقة فسيحدث ما حدث عندما اعتدل الشعب الالماني ورأى الحقيقة واعتدلت شعوب ومجتمعات كثيرة وابتدأت (مِن الأول) واكتشفت الاكاذيب التي روجها ممن يدعون أنهم القادة الدعاة المشيرون الموجهون، وكان حسابهم عسيرا.
وفي نهاية المطاف أي (مِن الآخِر) ربما تستوي مجتمعات لكن بعد فوات الأوان بعد أن تتشظى ويأكلها أعداؤها المتلمظون، ربما يفيق السودانيون على دويلة كانت تستحق أن تكون امبراطورية بمساحتها ومواردها وخليط أعراقها المتفرد، وربما يفيق المصريون على آثار أمة عريقة كانت مرشحة يوما لتكون أم الدنيا بشهادة التاريخ، وربما يفيق العراقيون بعد محو الاسم من الخريطة، وربما يفيق الصوماليون بعد أن تقوم إمارة سكانها أرقام من الجماجم، وغيرهم وغيرهم. ويومها لن يفيد البكاء والعويل فـ (الآخِر) أو النهاية التي خططوا لها تكون قد جاءت، وسيرقصون على تلالها الخربة بينما تنعق الغربان. ‘ كاتب مصري