مادامت الديمقراطية العربية مستحيلة، فالحمد لله علي وجودها عند اعدائنا. فقد ننال منها ما لا نناله من بعضنا بعضا كعرب، او من بعضنا بعضا في اطار علاقة الحاكم بالمحكوم. فبالديمقراطية عاقب الديمقراطيون خصومهم مجرمي العدوان علي العراق من الجمهوريين وكبيرهم الذي علمهم الارهاب جورج بوش. ولا يزالون يطالبونه بالانسحاب من العراق. وكذلك فعل الاسبان بخوزي ماريا اثنار، وبعدهم ادّب الانكليز توني بلير تابع بوش الذليل الذي شرع في جمع حقائبه لمغادرة رئاسة الوزراء، كلهم عوقبوا من اجل ما حدث في العراق.
وها هو الشعب الصهيوني يعاقب اولمرت نظير عدوانه علي لبنان، وان لم يكن من اجل عيون اللبنانيين الايامي واليتامي، الا انه سيسقط احد سفاحي العالم. وعلي يد لجنة تحقيق عينها اولمرت نفسه ووضع علي رأسها الجنرال المتقاعد القاضي الياهو فينو غراد، وعليه فان الديمقراطية التي يتمتع بها غيرنا لها نعم جمة علينا. لانني اتصورها كالبطاطا والحبوب والبرتقال التي نستوردها من الخارج رغم ان اراضي معسكر وسهول الهضاب وحقول المتيجة علي الترتيب اقدر علي انتاج اكثر واوفر واجود مما نستورده، لاننا فشلنا في زراعتها، وكذلك شأن الديمقراطية وطلعها علي المستوي العربي. ففي وقت فشل فيه زعماؤنا عن حماية الشعوب، كانت هيئات وشعوب الدول الظالمة اكثر انفة واعظم انسانية من هؤلاء الذين يحكمونا. ان ما قدمه الديمقراطيون للعراق وان لم يكن الا من باب لا حبا في العراق بل نكاية في بوش والجمهوريين الا انه مقارنة مع موقف ملوك زعماء الخليج ونظام المقهورة يعد عملا محمودا، وما قامت به لجنة فينو غراد وما يقوم به الشعب الاسرائيلي الآن فيما يشبه هجوم الشعب الفرنسي علي قصر الباستي عام 1789 وان لم يكن الا يصب في بوتقة المصالح القومية الاسرائيلية الا انه سيجعل اي قائد صهيوني يفكر آلاف المرات والكرات قبل ان يقدم علي اي عدوان غير محسوب العواقب علي جيرانه العرب، فلعل بينهم مقاومون ينحّون المقاولين جانبا ويعصفون بجيش الاحتلال كما فعلها في جويلية الماضي حزب الله. ففي النهاية يمكن القول من دون حياء ان شعوب اسرائيل وامريكا وبريطانيا واسبانيا تعمل علي نصرتنا من طواغيتها الارهابيين بدون قصد منها، لان ديمقراطيتهم اتت اكلها لهم وامتد جنيها بالفائدة الي العرب. وازاء ذلك كله يظل زعماؤنا من اصحاب الفخامات والسمو والجلالة يعملون ليلا نهارا علي نصرة طواغيت العالم الذين كرههم حتي بني جلدتهم. ففي هذا الظرف بالذات يجتمع قادتنا الافاضل في رمز العار شرم الشيخ لانقاذ امريكا من مخالب المقاومة وانتشالها من المستنقع العراقي من جهة، وكذا محاولة اذابة جبال الجليد بين واشنطن ودمشق وبين واشنطن وطهران من جهة اخري. وبالنظر الي هذا فلا غرو ان نطلب اتحادا شعبيا بين شعوب العرب وشعوب الدول المعادية لمواجهة ظلم الغرب وعمالة العرب مرة واحدة، بل ما الضير في ان تجعل امريكا علي رأس كل دولة عربية ملكا او رئيسا منها عله يكون ارحم بالعرب من حكامهم مادامت واشنطن هي التي تختار لنا من يحكمنا. وهي من تعز من تشاء وتذل من تشاء وتحكّم من تشاء وتعزل من تشاء. ان الحقيقة الواحدة والوحيدة الآن هي ان التعايش السلمي لن يعود الي العالم الا باتحاد كل شعوب الارض. فيا شعوب العالم اتحدوا.
عبد الله الرافعي[email protected]