مفاتيح إنهاء الحرب في غزة عبر بوابة الوساطة القطرية وقوة الدبلوماسية في حل الصراعات

سليمان حاج إبراهيم 
حجم الخط
1

الدوحة ـ”القدس العربي”:

أدت قطر دوراً فاعلاً في التوصل لاتفاق رسمي لوقف القتال في غزة والتمهيد لإنهاء الحرب الإسرائيلية، من خلال بوابة العمل الدبلوماسي، وقيادة الوساطة في صمت بعيداً عن الضجيج الإعلامي، حتى تحقيق الهدف المنشود وهو فك الحصار المفروض على سكان القطاع المحاصر وحرب الإبادة التي تعرضوا لها لسنة وأشهر.

وتمكنت الدبلوماسية القطرية من تحقيق اختراق في مسار الوساطة عبر أدوار محورية أدتها لتقريب وجهات النظر بين الطرفين، بدعم مصري وأمريكي حتى تكللت الجهود في التوصل رسمياً إلى اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة بين إسرائيل وحركة المقاومة الإسلامية (حماس).

وكان التوصل للاتفاق حلقة في سلسلة من الوساطات التي ساهمت فيها الدبلوماسية القطرية، ومراكمتها لخبرات وتجارب رائدة في حل العديد من النزاعات الإقليمية والدولية. واستعانت الدوحة في التوصل للاتفاق الأخير في  غزة، برصيدها الثري في التعامل مع المسارات المعقدة، لحلحلة النزاعات في المنطقة، وأبرزت قدرة على تحقيق نتائج إيجابية في ظروف صعبة.

تمكنت الدبلوماسية القطرية من تحقيق اختراق في مسار الوساطة عبر أدوار محورية أدتها لتقريب وجهات النظر بين الطرفين، بدعم مصري وأمريكي

وجاء الاتفاق الذي أعلن عنه رئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، مساء الأربعاء الماضي، في ظرف حساس تشهده الساحة الفلسطينية، وتحديداً غزة التي واجهت حرب إبادة شاملة من قبل جيش الاحتلال الإسرائيلي، وصنفت واحدة من أسوء الأزمات الإنسانية في العصر الحديث.

محاولات لإفشال المساعي الدبلوماسية 

واجهت الدبلوماسية القطرية منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول العام الماضي، تحديات عدة على مسارات مختلفة، في سبيل دعم سكان القطاع المحاصر، والسعي لإنهاء الحرب الإسرائيلية على غزة.

واعترضت الوساطة القطرية التي قادتها إلى جانب مصر والولايات المتحدة عقبات، تجاوزها الفريق المفاوض بصبر، حتى الوصول للنتيجة المرجوة. وكانت الدوحة تتعرض لهجوم شرس من أطراف مختلفة، وكان دورها محل تشكيك العديد من الأطراف، واستنزف جهدها المطبات، والطريق المحفوف بالألغام، لمحاولات أطراف عدة، إجهاض المساعي الدبلوماسية.

ولم تتراجع قطر بالرغم من محاولات التشويه التي واجهتها، والاتهامات بكونها مقربة من حركة حماس، التي وفرت لها الدوحة ملاذاً، في سبيل فتح قنوات التواصل.

وجاءت الاتهامات التي تعرضت لها قطر، من مستويات رفيعة في العديد من العواصم، كانت أحياناً ترد عليها، وتتجاهلها في مناسبات مختلفة، مع التأكيد أن منطلقها في هذا المسعى هو دعم الأشقاء الفلسطينيين.

لم تتراجع قطر بالرغم من محاولات التشويه التي واجهتها، والاتهامات بكونها مقربة من حركة حماس، التي وفرت لها الدوحة ملاذاً، في سبيل فتح قنوات التواصل

وخلال وساطتها، تعرضت قطر لانتقادات من المشرعين الأمريكيين والإسرائيليين ولحملة تشويه شملت تعليق لوحات إعلانية في “تايمز سكوير” في نيويورك تستهدف الدولة الخليجية التي قررت رفع التحدي حتى تحقيق الهدف المنشود وهو إنهاء الحرب الإسرائيلية على غزة.

واستمرت ماكينة الدبلوماسية القطرية العمل والنشاط، حتى لحظة ظهور تباشير اتفاق استبشر به العالم أجمع، في الوقت الذي دخلت فيه الحرب الإسرائيلية على غزة يومها الـ467 على التوالي. وهو اتفاق مر بلحظات عصيبة ومراحل كادت أن تودي بنسفه أكثر من مرة، حتى إنه في وقت من الأوقات أدى لأن تعلن الدوحة إعادة تقييم دورها كوسيط في المحادثات.

عراقيل إسرائيلية

ومن أبرز التحديات التي واجهت الوساطة القطرية المدعومة مصرياً وأمريكياً، العراقيل التي وضعتها سلطات الاحتلال الإسرائيلي، ومناورات ساسة تل أبيب. وفي أكثر مناسبة كادت تصل سفينة الوساطة لبر الأمان، تعترضها الأمواج العاتية الصادرة من حكومة أركان حرب إسرائيل التي تنصلت في مناسبات مختلفة من تعهدات سبق وأن التزمت بها. ويجمع مسؤولون متابعون لمسار المفاوضات أن بنيامين نتنياهو كان يتنصل في كل مرة يتم تحقيق اختراق في مسار الوساطة، وهو ما أدى لتعطيل الوصول لاتفاق.

وأدت المناورات الإسرائيلية لإضاعة أشهر متواصلة كان يمكن خلالها الوصول إلى اتفاق.

وأعلن المتطرفون في حكومة تل أبيب مراراً رفض تقديم أي تنازل لإنهاء الحرب في قطاع غزة، سعياً خلف مكاسب وحسابات سياسية عطلت الوساطة.

وكشفت تقارير عبرية أن حالة الجمود التي وصلت إليها الجهود الدبلوماسية في العديد من المناسبات، كان خلفها نتنياهو والوزراء المتطرفين من حكومته. وزعمت المصادر العبرية أن «الحرب لن تنتهي ما دامت حركة حماس تسيطر عسكريا ومدنيا في غزة»، وهذا العامل هو أحد عقبات التوصل لاتفاق بشأن الصفقة، مع وجود فجوات بين فهم إسرائيل وفهم حركة حماس، في ما يتعلق بالأسرى الذين يتم تصنيفهم بالقائمة «الإنسانية».

ولفترة طويلة ظلت آلة الدعاية الإسرائيلية والمتطرفين من حكومة نتنياهو يصرون على تحقيق أهدافهم من الحرب على غزة، ومزاعم اجتثاث المقاومة واستعادة المحتجزين، لكن مرور الوقت، أفشل تلك الادعاءات وأثبت أن الحرب التي تشن على القطاع عبثية، ولا تزيد سوى في إلحاق أذى بالمدنيين، وهدم أسس الحياة في القطاع المحاصر. وكل يوم يوم يتأكد للعالم فشل المزاعم الإسرائيلية مع كلفة الحرب التي هددت استقرار الأوضاع في تل أبيب، وتحديداً مع توسيع الجبهات، وهو ما قاد لزعزعة الثقة في سلطات تل أبيب، ووجود موجة هجرة عكسية من الأراضي المحتلة، وفشل مشروع الصهيونية الذي يقوده المتطرفين، والمستوطنين، وحلفاء نتنياهو.

محطات مفصلية في مسار الوساطة القطرية

تجاوزت الدبلوماسية القطرية بحنكة فريقها التفاوضي، المطبات الإسرائيلية، معتمدة على رصيدها السابق في حلحلة الصراعات، وكان الاتفاق الأخير محصلة لمراحل هامة مر عليها مسار الوساطة.

تجاوزت الدبلوماسية القطرية بحنكة فريقها التفاوضي، المطبات الإسرائيلية، معتمدة على رصيدها السابق في حلحلة الصراعات،

وكانت البداية باتفاق الهدنة الأولى الذي تم التوصل إليه في نوفمبر/ تشرين الثاني 2023، مع التوصل لهدنة إنسانية مؤقتة، بوساطة قطرية ومصرية. واتفقت يومها حركة حماس وإسرائيل على هدنة لمدة 4 أيام بدأت في 24 نوفمبر/ تشرين الثاني 2023، وتم تمديدها يومين إضافيين، وأفرج فيها عن نحو 200 أسير فلسطيني مقابل 50 أسيراً إسرائيلياً من المدنيين، وسمح لقوافل المساعدات الإنسانية بالدخول إلى القطاع.

لكن سلطات الاحتلال الإسرائيلي وبمزاعم فندها الواقع، نسفت الجهد، ولم تستكمل مراحل الوساطة، وعادت لشن حربها من جديد على القطاع المحاصر، وتوسيع دائرة الحرب، وتكثيف العمليات العسكرية.

واستمر الوضع حتى 16 يناير، حيث تمكنت قطر من التوصل لاتفاق، يهدف إدخال أدوية ومساعدات إنسانية إلى المدنيين في قطاع غزة مقابل إيصال الأدوية التي يحتاجها المحتجزون الإسرائيليون لدى المقاومة. وأعلنت قطر إجلاء الفلسطينيين الحاملين للإقامة القطرية، واستمرار استقبالها عددا من المصابين الفلسطينيين من القطاع إلى الدوحة لتلقي العلاج اللازم، على عدة دفعات.

إعادة تقييم لمسار الوساطة 

وطيلة أشهر كان مسار الوساطة يتعرض لمطبات، وتحديات، وحتى عراقيل، في وقت واجهت فيه الدوحة أعاصير بسبب مناورات أطراف عدة، لم تكن تؤيد تحقيق أي مسعى ينهي الحرب الإسرائيلية.

واضطرت الدوحة أمام ما واجهته إلى الإعلان في 23 أبريل/ نيسان 2024 إعادة تقييم جهود الوساطة بين حماس وإسرائيل، مؤكدة التزامها بجهود الوساطة وبالعمل لمنع مزيد من الانهيار الأمني بالمنطقة. وأكد القيادي في حركة حماس خليل الحية أن الحركة تريد أن تستمر قطر في دور الوسيط.

بعد نحو شهر من قرار الدوحة تجميد جهودها في ملف الوساطة، اضطرت أمام استفحال الوضع الإنساني، وما تعرض له سكان غزة من ظروف قاهرة، إلى إعلان استئناف جهودها

وبعد نحو شهر من قرار الدوحة تجميد جهودها في ملف الوساطة، اضطرت أمام استفحال الوضع الإنساني، وما تعرض له سكان غزة من ظروف قاهرة، إلى إعلان استئناف جهودها. وجاء الإعلان رسمياً في مايو/ أيار 2024، وتأكيد السلطات القطرية، استمرارها في جهودها من أجل التوصل لاتفاق يفضي لإيقاف الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، طالما كانت هناك فرصة لتحقيق هذا الهدف. ونوهت إلى أن هذا الموقف القطري تم التأكيد عليه مراراً. وجدد الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري، التأكيد على هذا المسعى خلال الجلسة الافتتاحية لمنتدى قطر الاقتصادي بالتعاون مع بلومبيرغ في نسخته الرابعة.

ولاحقاً أعلنت الدوحة على لسان الدكتور ماجد بن محمد الأنصاري، المتحدث الرسمي لوزارة الخارجية القطرية، أن التقارير المتداولة حول انسحاب الدوحة من الوساطة بشأن وقف إطلاق النار في غزة ليست دقيقة، مشيراً إلى أن قطر أخطرت الأطراف قبل عشرة أيام أثناء المحاولات الأخيرة للوصول إلى اتفاق، بأنها ستعلق جهودها في الوساطة بين حماس وإسرائيل في حال عدم التوصل لاتفاق في تلك الجولة، وأنها ستستأنف تلك الجهود مع الشركاء عند توافر الجدية اللازمة لإنهاء الحرب الوحشية ومعاناة المدنيين المستمرة جراء الأوضاع الإنسانية الكارثية بالقطاع، مؤكداً في هذا السياق أن دولة قطر ستكون وقتئذ في المقدمة لبذل كل جهد حميد لإنهاء الحرب وعودة الرهائن والأسرى.

وقدمت واشنطن في 16 أغسطس/ آب 2024 اقتراح هدنة من أجل وقف إطلاق النار، رفضته حركة حماس فورا. ثم بعد أسبوع استؤنفت المحادثات في القاهرة ثم في الدوحة. وتبادلت إسرائيل وحماس الاتهامات بعدم الرغبة في التوصل إلى اتفاق. وواصلت قطر جهودها لحلحلة الأوضاع وتجاوز العقبات التي تستجد كلما اقترب الأطراف من التوصل إلى اتفاق، لتتوج هذه الجهود بالإنجاز التاريخي يوم 15 يناير/ كانون الثاني 2025.

نقاط قوة

دعم الجهد القطري في ملف الوساطة عدد من الأوراق القوية التي تملكها، وأهمها رصيدها الثري في حلحلة الأزمات الدولية. كما استفادت قطر من استضافتها المكتب السياسي لحماس، ما منحها سرعة في التواصل مع الحركة الفلسطينية. واستعانت الدبلوماسية القطرية كثيراً بما تراكم لديها خلال العقدين الأخيرين من خبرات. وسبق أن أدت قطر دوراً محورياً بارزاً في العديد من الوساطات الإقليمية والدولية، من أبرزها الوساطة بين الفرقاء اللبنانيين عام 2008، والتوصل لاتفاق الدوحة الذي أنهى أزمة سياسية استمرت 18 شهراً. وقدمت قطر أيضا الدعم والوساطة خلال النزاع في دارفور بالسودان.

وكذلك الوساطة في النزاع بجمهورية أفريقيا الوسطى. إضافة إلى نجاح الدوحة في إبرام اتفاقية سلام بين حكومتي جيبوتي وإريتريا لتسوية النزاع الحدودي بينهما في مارس/آذار 2011، كما نجحت المساعي القطرية في الإفراج عن أسرى جيبوتيين لدى إريتريا. ونجحت الدوحة في الوساطة بين قبائل التبو والطوارق في ليبيا عام 2015. كما شهد العالم نجاح الوساطة القطرية في التوصل إلى اتفاق التسوية التاريخي بين الولايات المتحدة وحركة طالبان في أفغانستان بفبراير/شباط 2020. وتوسطت الدوحة في المفاوضات المباشرة بين الحكومة الأفغانية وطالبان، وعملت على تيسير التوصل إلى السلام في أفغانستان.

فضلا عن نجاحها في التوسط لإعادة العلاقات الدبلوماسية بين جمهوريتي الصومال وكينيا عام 2021 بهدف تحقيق السلم والاستقرار الدوليين.

ويراهن الجميع على خبرة الدوحة، لتأمين استكمال تنفيذ مراحل الاتفاق الأخير الذي يوقف القتال في غزة، وينهي لاحقاً الحرب الإسرائيلية على غزة، وصولاً لتأمين دخول المساعدات، وإعادة إعمار القطاع المحاصر.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية