عمان – “القدس العربي” :
لا يستطيع رجال أمن موظفون رسميون، مهما اجتهدوا في تبرير الخطأ ومحاولة تمريره، إزالة ما علق في ذهن العقل الجماعي الأردني عندما يتعلق الأمر بخطأ خارج كل الحسابات والتوقعات بعد فاجعة البحر الميت الأخيرة له علاقة هذه المرة باستبدال جثة بأخرى.
المواطن الأردني الطبيب عدنان أبو سيدو، ومنذ مساء الجمعة، أصبح رمزًا للجزء الأكثر عتمة في مأساة إنسانية جماعية جرحت روح الأردنيين، ليس بسبب فداحة الخسائر البشرية في حادثة انجراف السير بقدر ما هو بسبب عشرات الأسئلة البيروقراطية والسياسية والمفاجآت القانونية التي ارهقت الرأي العام مجددًا. باختصار، وتحت ضغط ضباط أمن ومسؤولين، اضطر أبو سيدو للقبول بفكرة أن عائلة أخرى تسلمت جثة ابنته سارة ودفنتها.
لافت جدًا في هذا الجزء من تداعيات فاجعة البحر الميت أن رئيس مركز الطب الشرعي أقر علنًا بحصول خطأ في تسليم الجثة التي كانت ضمن 21 جثة تمثل ضحايا العاصمة المطرية. لافت أكثر أن أيًا من مسؤولي وزارة الصحة لم يعبر عن الأسف ولم يتقدم بأي اعتذار. الأكثر قسوة سياسيًا قد يكون الأداء العام المنفرد لطاقم وزراء الخدمات في حكومة الرئيس الدكتور عمر الرزاز، حيث لا اعتراف إطلاقًا بأي خطأ ارتكب، وبالتالي لم يسمع الشارع كلمة اعتذار واحدة من أي وزير.
هذا إلى جانب إسقاط تام لمبدأ “المسؤولية الأدبية والأخلاقية” الذي ينسجم في الواقع مع روح مشروع الدولة المدنية التي يرعاها الرزاز في الخطاب واللغة والمنهج. إسقاط هذا المبدأ بحد ذاته أثار علامة سؤال كبيرة بعد الحادث الأليم المنتج لجرعة حزن غير مسبوقة قابلها تضامن شعبي عارم وغير مسبوق أيضًا مع أهالي وعائلات الضحايا.
في الأثناء، يعدّ تكتيك الطاقم الوزاري واضح الملامح. فالهجوم عنيف على المدرسة الخاصة التي قررت إرسال رحلة طلابية في توقيت عاصف مطريًا، والهجوم أعنف على وسائل التواصل الجماهيري ومنابر التواصل المهتمة. ثم بالتحريض والفبركة وإشاعة الفوضى، لدرجة أن التعبئة الرسمية المضادة لثقافة احتواء الأزمة اضطرت الادعاء العام الذي يحقق بالحادثة لإصدار قرار بحظر النشر، رأى مختصون قانونيون مبكرًا بأنه خارج الاختصاص ولا حاجة له.
إصدار قرار حظر النشر كان خطوة أظهرت الحكومة وكأنها تسعى لإخفاء الوقائع والحقائق رغم أن هدف الادعاء احترام مشاعر عائلات الضحايا ووقف انتهاك الخصوصيات والحرص على سلامة التحقيق، مع أن الجهات التي أخفقت في إدارة التفاعل الإعلامي الرسمي مع الفاجعة عادت لتخفف من مضمون قرار حظر النشر بتصريح فني وقانوني وأصولي لمدير هيئة الإعلام، المحامي محمد قطيشات، يتحدث فيه عن حظر جزئي له علاقة بضحايا الحادث وليس بنشر الأخبار. هنا أيضًا بدا أن الجميع يتخبط ويخشى تفاعلات الشارع.
وهنا قال مرجع قانوني هو المحامي، أيمن أبو شرخ، بأن المتطلبات القانونية النصية لحظر النشر ينبغي أن تتوفر عندما يصدر مثل هذا القرار، مقدرًا مسبقًا-و أضاف وهو يتحدث لـ “القدس العربي”- بأن هذه المتطلبات قد لا تكون متوفرة في درجة التحقيق المتعلقة بالحادثة المؤلمة. طبعًا، يؤشر أبو شرخ إلى عدم وجود متهمين وإلى عدم وجود تحوط من تسريب أي معلومات بسب الطابع الإنساني لما حصل. الأهم أن الشارع الإعلامي الإلكتروني وكل مقلدي مفهوم “المواطن المراسل” أعلنوا فورًا التمرد على قرار حظر النشر وبصورة تعكس مستويات الانفعال الشعبي جراء هذه الحادثة. تلك طبعًا مسألة قد لا تكون مهمة. لكن الأهم هو مظاهر التخبط والارتباك التي برزت من الطاقم الوزاري في محاولة بائسة لدفع التهمة عن السلطة وتبرير سلسلة من الأخطاء.
وزعامة هذا الاندفاع الوزاري أحاطت مبكرًا بوزير التربية والتعليم العالي الدكتور عزمي محافظة، الذي يطالب الشارع اليوم بإسقاطه. فتفاعل الوزير محافظة مع المسألة أثار الكثير من الحيرة، فالرجل سارع قبل كل شيء لتحميل المدرسة مسؤولية ما حدث رغم أن بعض الضحايا من المتنزهين، ثم أعلن حجة في منتهى الغرابة للإفلات من المسؤولية عندما قال إن وزارته لم يكن لديها علم مسبق بتفاصيل حالة الطقس. لاحقًا، أنتج الوزير، وهو بالمناسبة طبيب متخصص في علم الأحياء الدقيقة والتشريح، عاصفة إضافية من الاستفزاز الشعبي عندما قرر إلغاء كل الرحلات المدرسية، ثم عاقب المدرسة بإغلاقها لمدة أسبوع تاركًا آلاف الطلاب في الشارع منتصف موسم الامتحانات.
وأكمل الحلقة وزير البلديات، وليد المصري، عندما صرح بأن المنطقة التي حصلت فيها الحادثة غير خاضعة لوزارته أو لوزارة الأشغال، وحتى لوزارة الصحة، مبرئًا مسبقًا وزارات الحكومة حتى قبل التحقيق الذي أمر به رئيس الوزراء عبر لجنة يترأسها نائبه الدكتور رجائي المعشر، وهو يتعهد بكشف كل الحقائق. في المقابل، لم تصدر عن وزارة الصحة بيانات تشرح ما حصل، ومن الواضح أن الحكومة تخبطت في الرواية الإعلامية.
لماذا حصل ذلك؟ لا أحد يعرف اليوم إجابة حاسمة على مثل هذا التلاوم الوزاري. لكن ما لمسه الكاتب والخبير في شؤون الإدارة والحكم ماهر أبو طير ، قد يفترض إجابة لها علاقة بأن التضحية سياسيًا بحكومة الرزاز أو حتى بإضعافها غير وارد في هذه المرحلة؛ لقناعة مركز القرار بأنها حكومة “الفرصة الأخيرة”.
ويمكن توثيق إضافة بسيطة على مثل هذا الرأي، غير وارد أيضًا تفعيل بند المسؤولية الأدبية والسياسية بعد حادث مفجع من هذا النوع؛ لأن حكومة الرزاز ينبغي ألا تغير معطياتها قبل إنجاز المطلوب منها وهو قانون الضريبة الجديد، الذي يعتقد بأنه يحكم الآن مسار المتابعة والتقييم والمسؤولية لكل مظاهر تخبط نخب الرزاز الوزارية.