مفارقات أدبيات الجهاديين واستطلاعات البنتاغون
منتصر حمادةمفارقات أدبيات الجهاديين واستطلاعات البنتاغون قد يكون القرآن الكريم مُحَفّزا للإرهابيين المسلمين للقيام بعمليات انتحارية .جاء هذا الحكم/ التقييم ضمن نتائج دراسة أشرف عليها بعض محللي الاستخبارات التابعة لوزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون)، وذلك بهدف كشف دوافع اقتناع أعداد متزايدة من المسلمين بآراء تدعوهم إلي تنفيذ عمليات ضد غير المسلمين حتي لو أدت إلي أن يقتل أحدهم نفسه.وحسب نتائج الدراسة، فقد اتضح بأن كِتاب المسلمين المقدس وهو القرآن هو الحافز وراء ذلك ، حيث تم اقتباس بعض آيات القرآن حول الجهاد والشهادة والجنة، وتشير إلي اعتماد الانتحاريين في تحضيرهم قبل العمليات علي بعض سور القرآن ذكروا منها خصوصا سور البقرة وآل عمران والتوبة.صدر الخبر في موقع العربية. نت (بتاريخ 1/10/2006)، مُرفَقا بتعقيب عزام التميمي الباحث الإسلامي ومدير معهد الفكر الإسلامي السياسي في لندن، واصفا الوثيقة بأنها محاولة لتبرير ما تقوم به الولايات المتحدة من أعمال في العالم الإسلامي من منطلق أن الإسلام خطر عليهم ، ومشددا علي أن القرآن يدعو للقتال دفاعا عن المظلومين ويُحرّم القتل بلا سبب ، ولهذا السبب إذن، تم وصف معظم الانتحاريين المسلمين بأنهم تلامذة القرآن، وقالت الوثيقة إنه في الإسلام ليست المسألة أن يعيش الإنسان حتي يصل إلي الخلاص الروحي بل المسألة هي كيف يموت، وهم يعتقدون بوجود منافع كبيرة وعظيمة لمن يصبح شهيدا، والموت أثناء قتال الكفار في سبيل الله يستحق الحصول علي الجنة .استحضرنا العديد من الأدبيات الإسلامية الجهادية ونحن نتابع أصداء هذا الخبر، والمفارقة، أو المُتَوَقع في واقع الأمر، أن ماهية هذا الأدبيات تتقاطع في رسائلها مع الأهداف الخبيثة لهذه النتائج (نقرأ في التعليقات التي أعقبت نشر الخبر تعليقا قد يوجز بعض أهداف تمرير هذه الاستطلاعات: هذا هو ما يرمي إليه التقرير أن يتهموا القرآن بالتحريض علي العنف وبالتالي الطلب من الحكومات العربية التابعة لأمريكا سحب جميع نسخ القرآن من المكتبات ومنع تدريسه في المدارس وبالتالي منع قراءته وسوف ينفد الحكام العرب هذا الأمر طائعين كالعادة كما حصل في موضوع المناهج وخطب المساجد ).بين أيدينا مقالة حررها الشيخ صلاح الدين أبو عرفة، وتحمل عنوان القرآن العظيم ينبّئ بدمار الولايات المتحدة وغرق الجيش الأمريكي: دراسة قرآنية أعدت في الأيام الأولي لأحداث واشنطن ونيويورك في الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001.تتضمن الوثيقة عشرات الأسئلة اللصيقة بالمقارنة بين التعاطي القرآني مع الحالة الفرعونية والتعاطي الإسلامي/التأصلي والافتراضي مع حالة فرعون اليوم ، أو الولايات المتحدة الأمريكية. وافتُتِحت الوثيقة باستفسار يجمع بين أهم دروس نتائج الاستطلاع إياه، وبين ما تجمع عليه الأدبيات الفقهية التي تسطر حياة المسلم، وجاء الاستفسار كالتالي: كيف نقرأ واقعنا من كتاب الله؟ ، وجاء الرد بَدَهيا، ومعروفا عند المسلمين، ومفاده أن كتاب الله فيه المحكم والمتشابه والأمثال التي يصرّفها الله في الكتاب تصريفا يناسب أحوالهم وأمورهم ومستجداتهم، كما يصرّف الرياح لينزل الماء مصرّفا حيث يحتاج إليه الناس . ولقد صّرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل (سورة الكهف. الآية 54)، و كذلك يضرب الله للناس أمثالهم (سورة محمد. الآية 3). فلا شك ضرب الله لنا مثلنا ومثل ما نحن فيه من الهوان والاستضعاف، ومثل ما فيه عدونا من الاستكبار والظلم والفساد.وما دام الأمر يتعلق تحديدا بالإسقاط الجمعي بين فرعون أمس وفرعون اليوم، فإن الوثيقة تورد مجموعة من المقارنات في هذا الصدد، في صيغة استفسارات، من قبيل الاستفسارات التالية:ـ هل بالضرورة أن تجري الأحداث كما جرت في المرة الأولي؟ـ أرسل الله موسي إلي فرعون وهامان، فمن هامان اليوم؟ (بريطانيا).ـ فرعون وأمريكا يستعينان بالحرب الإعلامية لمواجهة موسي، فما هي وسائل السحر الإعلامي لفرعون الأول؟ـ شبكة الأخبار الأمريكية سي إن إن ساحر كبير! (إذا كان البيت الأبيض الأمريكي هو فرعون، فإن إعلامه الموجّه هو مَثل السحرة الأولين، والشبكة الأمريكية سي إن إن واحد من أكابرهم، والأحرف الثلاثة للكلمة هي اختصار لـ”كيبل نيوز نت وورك . ليصبح معناها العربي الحرفي الدقيق هكذا شبكة الأخبار بالحبال”!، فها هي الحبال تعود مرة أخري)؟ـ أمريكا تحشد الحلفاء كما فعل فرعون الأول.ـ القرآن يصف حال أمريكا عندما تخرج لحربها الأخيرة!ـ البيت الأبيض يأخذه الله من الأرض وهو في أعلي درجات استنفاره وزخرفه!ـ ماذا عن طالبان ، ومن مثَلهم في القرآن؟ـ تحالف الشمال الأفغاني والي الكفار والمشركين، فما مثلهم في كتاب الله؟ (نزل أهل الكتاب الأولون من شمال المدينة ونزلوا من معاقلهم وحصونهم، وتحالف الأفغان الموالي للمشركين اليوم نزل كذلك من الشمال ونزلوا من معاقلهم وحصونهم لتتم عليهم كلمة الله.. وأرضا لم تطئوها ، وهي حصة أهل الكتاب في شمال المدينة وحصة تحالف الأفغان في شمال أفغانستان، كالـ10% التي لم يطأها الطالبان!.. ومثّل أهل الكتاب يومها من اليهود بنو قريظة، ويقال في اللغة لمن ينسب لبني قريظة قرظي ، ويمثلهم اليوم الرئيس الأفغاني المدعو قرظاي . فالأفغان أصلا أعاجم ليس عندهم ضاد ، فهو قرظاي وليس قرضاي أو غيرها).ـ فرعون وهامان وموسي وهارون، فمن يقوم بدور هارون؟ (أيمن الظواهري الذي تولي حملات التعبئة الفكرية والمعنوية للحركة، وكان بمثابة الناطق الإعلامي لتنظيم الجهاد في سجون مصر وهذا تماما وصف موسي لهارون وأخي هارون هو أفصح مني لسانا ).ـ من يقوم لفرعون الأمريكي كما قام موسي لفرعون مصر؟ (موسي عليه السلام كما تصفه الأحاديث، رجل فارع الطول، أقرب إلي السواد، أفطس الأنف، كأنه من قبيلة شنوءة ـ قبيلة في جنوب جزيرة العرب ـ ويمشي متوكئا علي عصا! وأمامنا اليوم رجل يقاتل أمريكا فارع الطول ـ 196سم ـ يمشي متوكئا علي عصا، أقرب إلي السواد، أفطس الأنف، وهو لهول المفاجأة من قبيلة شنوءة، ثلاثة أحرف من اسمه من اسم موسي، وكلاهما برسم القرآن أحد عشر حرفا: أسامة بن لادن دون سواه).لم تصدر هذه الاستفسارات والمقارنات من فراغ، وإنما تأسيسا علي ما جاء في مجموعة من الآيات القرآنية، كما توردها الوثيقة، وخاصة منها الآيات الست الأولي الواردة في سورة القصص.بالعودة إلي الاستطلاع سالف الذكر، يجدر بنا أولا تزكية ما أشار إليه عزام التميمي (وهو باحث رصين للتذكير)، لولا أن مثل هذه الدراسات، والخلاصات التي توصلت إليها، تتطلب منا أولا ـ قبل التفكير في الرد علي المسؤولين الغربيين ـ فتح أبواب نقاش إسلامي/إسلامي يتعرض بالتقييم (الفقهي طبعا) لما نطلع في أدبيات الجهاديين الإسلاميين.لنترك جانبا حسابات الإدارة الأمريكية في تمرير هكذا نتائج، ونترك أيضا علي الهامش الأدبيات الإسلامية الجهادية التي تؤصل بعمليات تفجيرية في الدول الغربية، ونذكر منها علي سبيل المثال لا الحصر، كتاب التأصيل في مشروعية ما حصل لأمريكا من تدمير ، ويرتحل هذا الكتاب مع قلاقل التأصيل الشرعي لأحداث 11 ايلول (سبتمبر) 2001، وقد ألفه عبد العزيز بن صالح الجربوع، (حرره في 23/8/1422هـ) وقدم له الشيخان حمود العقلاء (تقديم مؤرخ في 1/9/1422هـ)، والشيخ علي الخضير، وهناك أيضا كتاب التأصيل الشرعي لأحداث أمريكا: غزوتي نيويورك وواشنطن ، من تأليف حسين عمر بن محفوظ (حرره في 5 رمضان 1422 هـ 20/11/2001)، و الحرب الصليبية المعاصرة و الإعداد للجهاد وجوب الإعداد للأعداء و خربت أمريكا و إنكار غزوتي نيويورك وواشنطن و الرد علي الشبهات في حكم قتال المدنيين في برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك .. وغيرها كثير بطبيعة الحال.لنترك جميع هذه الأدبيات جانبا، (فهناك تيارات فكرية عربية تعتقد أنها أدبيات مفبركة من قبل المخابرات الأمريكية، علي غرار اتهام ذات المخابرات بالتورط في تفجيرات نيويورك وواشنطن، وربما تفجيرات مدريد ولندن..)، حتي نتوقف فقط مع الأدبيات الجهادية التي ترتحل مع التأصيل للقيام بتفجيرات تمس عقر الدول العربية والإسلامية، وهذا ما تم بالفعل في السعودية وتونس والمغرب والأردن وتركيا وإندونيسيا والبقية في الطريق، لأسباب عديدة، ما زلنا نصرف النظر عنها، وليست نتائج الدراسة سالفة الذكر ـ بصرف النظر عن حساباتها الضيقة وأهدافها المفضوحة ـ إلا تنبيه جديد علي ضرورة الخوض في اشتباكات فقهية تأصيلية لما يصدر عن أدبيات الجهاديين، عوض الارتهان لخطاب التكفير السياسي وتمرير تلك الشعارات الاستهلاكية التي لا تقدم، إن لم تكن تؤخر نهاية هذا المسلسل الدموي، من قبيل اختزال الجهاديين في أنهم رجعيون و ظلاميون و إرهابيون و خوارج العصر . لا تنقصنا الأمثلة الدالة علي هذا المأزق الفقهي الذي أسقطتنا فيه الأدبيات الفقهية المحسوبة علي الحركات الإسلامية الجهادية.كيف نتعامل مع عناوين الأدبيات التالية التي صدرت عن مُنَظِّر واحد فقط من المُنَظِّرين الجهاديين، أبو بصير الطرطوسي: أسباب فشل بعض الحركات الجهادية في عملية التغيير و أنتمُ البادئُ يا آلَ سعود وأنتمُ الأظلَم و دعاة أم طغاة و ما هكذا يا إخوان تُكتب الرسائل للطواغيت و فصل الكلام في مسألة الخروج علي الحكام و صفة مساجد ضرار التي يجب اعتزالها و قاعدة من قواعد التكفير و هذه عقيدتُنا وهذا الذي نَدعُو إليه و فصل الكلام في مسألة الخروج علي الحكام ؟ما هو قول فقهاء المؤسسات الدينية العربية والإسلامية في الأدبيات التالية: إرشاد الحياري في إباحة دماء النصاري في جزيرة العرب و الإعداد للجهاد وجوب الإعداد للأعداء و هكذا نري الجهاد ونريده و انتقاض الاعتراض علي تفجيرات الرياض و الحق واليقين في عداوة الطغاة و غزوة بدر الرياض ؟ـ لنلاحظ أولا أن الأمر لا يتعلق بمقالات صحافية عابرة ولا بدروس فقهية موجهة للاستهلاك الإعلامي/التجاري الصرف، أو الاتجار الديني الفج المُمارس من قِبَل العديد من فقهاء الساحة العربية والإسلامية، وحتي من قِبَل بعض الفقهاء الإسلاميين المنخرطين في اللعبة السياسية. نحن أمام اجتهادات فقهية أصبحت مرجعية لدي الإسلاميين الجهاديين، وواضح أن المواجهة الحركية/الميدانية لهؤلاء لن تعرف نهايتها إذا اقتصرت علي الجوانب الأمنية والاستخباراتية والسياسية (عبر إدماج الإسلاميين في اللعبة السياسية، أو الترويج وتشجيع للتيارات الصوفية..إلخ).ـ ونلاحظ ثانيا أن هذه الأدبيات التي تؤسس اجتهاداتها انطلاقا من آيات قرآنية وأحاديث نبوية، تتوقف علي الخصوص عند سؤال الشرعية لدي الأنظمة العربية والإسلامية، قبل أن تتطرق لتبعات سياسات الإدارات الغربية.تقييم سياسات جورج بوش أو آرييل شارون ـ وإن كانت ذات السياسات تغذي مشاعر السخط عند جميع المسلمين، وبدرجة أكبر عند الإسلاميين، معتدلين كانوا أم جهاديين ليس بالهاجس الأكبر في هذه الأدبيات، وإنما تمرير ما يسمي بالتأصيل الشرعي للسياسات الصادرة عن السلط الزمنية الحاكمة، سواء كانت ملكية أو جمهورية أو مؤسسات عسكرية تتحكم في المشهد السياسي لقطر عربي/إسلامي مُعَيَّن.ـ ونلاحظ ثالثا أننا لا نطلع علي قراءات فقهية نقدية لأدبيات الجهاديين، صادرة عن فقهاء الإسلام الرسمي ، وكل ما يصدر عن هؤلاء لا يتجاوز سقف التنديد الرسمي والمتواضع حتي لا نقول المُخجِل. (علي الأقل في الحالة السعودية المتهمة بـ”تصدير الأدبيات الوهابية الجهادية ، بدأنا نطلع خلال السنين الأخيرة علي اجتهادات الشيخ عبد المحسن العبيكان)، وكل ما هو موجود عمليا، في معرض الاشتباك الفقهي مع أدبيات الجهاديين، يصدر تحديدا عن تيار المراجعات السائد في الساحة العربية من طرف الحركات الإسلامية التي تخلت عن الخيار الجهادي، وفي مقدمتها الجماعة الإسلاميـــــة المصرية، أو ما صدر عن بعض الأقلام المحسوبة علي التيار الجهادي (أبو مصعب السوري مثلا، وجه انتقادات صريحة ومباشرة إلي مُجمَل أعمال أبو قتادة، كما جاء ذلك في كتابه مُختصَــــر شهادتي علي الجهاد في الجزائر )، والمفارقة أن وسائل الإعلام العربية الرسمية تصرف النظر عن أهمية هذه الاجتهادات، وإن تم التطرق إليها، فإن الترويج الإعلامي يتم بالدرجة الأولي خدمة لأجندة سياسية.لنعترف بأن الخيط الناظم لنتائج الدراسة يبقي تحصيل حاصل بالنسبة إلينا مع اختلاف التسميات و.. خاصة المرجعيات ، لولا أن الفارق يكمن أساسا في وصف هذا الجهادي بالانتحاري عند البعض أو الشهيد عند البعض الآخر، هذا بالنسبة للتفجيرات التي تمت في عقر الديار الغربية، ولكننا حتي الآن، لا زالت الصورة ضبابية بخصوص الموقف الشرعي من التفجيرات التي تمت في الدول العربية والإسلامية، بالرغم من صدور بيانات التنديد والإدانة.الكرة في مرمي العقل الإسلامي المعاصر، قبل أن تكون بين أيدي المؤسسات الغربية.ہكاتب من المغرب8