مفارقات الربيع العربي

حجم الخط
0

أظهرت التطورات التي يعرفها الحراك الاجتماعي والسياسي الذي أصبح يعرف بالربيع العربي أن هناك حلقات تتسم باللبس والغموض في مسار ذلك الحراك ومآله. فبعد ما يقرب من عام على انطلاق شرارة هذا الحراك الذي يبدو أنه لن يبقي ولن يذر، يمكن أن نطمئن على الأقل إلى نتيجة واحدة وهي أن البلدان التي أدت حركة التغيير بها إلى الإطاحة بالأنظمة الاستبدادية مثل تونس ومصر وليبيا، تجد بصورة متفاوتة، صعوبة كبيرة في رسم ملامح واضحة للأفق السياسي الذي يمكن أن تتجه صوبه. ذلك أن تونس التي كانت سباقة إلى التخلص من نظامها البوليسي ما زالت تبحث عن صيغة ممكنة للتعايش بين سلفية تقول عن نفسها إنها معتدلة وعلمانية تزعم أنها متنورة وهو ما يفسر استمرار الاحتجاجات والمظاهرات على الرغم من مرور أكثر من شهر على انتخابات المجلس التأسيسي الذي هيمنت عليه حركة النهضة. وفي مصر يبدو المشهد أكثر قتامة بعد التطورات الأخيرة التي عرفها ميدان التحرير وبعد الانتخابات التي ستؤدي بدون شك إلى اصطدام بين السلطة العسكرية وبين الإخوان المسلمين لا يعرف مداه. أما في ليبيا فيبدو الموقف أشد غموضا نظرا لتعقيد التركيبة السياسية والاجتماعية في بلاد عمر المختار واعتبارا للتكالب الأجنبي على خيراته الطبيعية التي تتمثل أساسا في الثروات البيترولية. هذا يعني أن الثورة على الأنظمة الاستبدادية لا تتحقق بغياب رموز الأنظمة بالمحاكمة أو بالفرار أو حتى بالقتل، بل بالتغيير الحقيقي الذي ينبغي أن ينعكس إيجابا على الحياة اليومية للمواطن. ومن هذه الناحية تبدو البلدان العربية التي حققت إنجاز التخلص من أنظمتها السياسية في مفترق طرق يصعب الخروج من الحيرة والتردد إزاءه. إن هذه النتيجة التي تؤكدها الأحداث والوقائع يوما بعد يوم تكشف عن ارتباك كبير في الجواب الذي من المفروض أن يصاحب أي تغيير ثوري، وهو ماذا نريد وكيف نحقق ما نريد؟ ويبدو من خلال التسارع القياسي للأحداث أن هذا السؤال العريض لم يتم التفكير إلا في الشق الأول من الجواب عنه الذي اختزله الشعار ذائع الصيت: الشعب يريد إسقاط النـــــظام، أما شقه الثاني الذي يقتــــضي بلورة إجـــابة نسقــــية تميط اللــــثام عن التصـــــور أو التصورات التي تستطيع أن تستشرف بوضوح آفاق المستقبل فظل مغيبا. صحيح أن هناك إجماعا حول الديمقراطية والمساواة والعدالة الاجتماعية وغيرها من المفاهيم العامة التي تتسع لتأويلات متضاربة، ولكن ما يحكم تجسيد هذه المفاهيم على أرض الواقع هو امتلاك آلية ناجعة لأجرأتها بما يفضي إلى تغيير حقيقي يمس جوهر الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية في العالم العربي. من هنا تبدو الثورات العربية وكأنها فاجأت العرب أنفسهم قبل أن تفاجئ الآخرين. هذا لا يعني أن المجتمعات لم تكن مهيأة للتغيير، فكل أسباب السخط والنقمة على الأنظمة العربية قد توفرت منذ زمن بعيد. وكان من المفروض إذا عدنا إلى الأدبيات السياسية العربية الأكثر مصداقية ورصانة أن ما يقع اليوم كان من المفروض أن يحدث سنة 1967 التي أعلنت الإفلاس السياسي للأنظمة العربية قبل أن تعلن إفلاسها العسكري. ولكن في الحراك السياسي العربي الحالي ما يحير المحللين السياسيين والاجتماعيين.

لقد انطلقت حركة التغيير من البلدان العربية التي كانت أنظمتها تبشر بالحداثة شعارا على الأقل، فكانت تونس ومصر تعرفان تعددية سياسية مهما كانت شكلية وتضمر كل أنواع القمع والتسلط فإنها كانت تسمح بنوع من الفرز السياسي، وكانتا أكثر من ذلك تتمتعان بهامش في حرية التعبير مهما كان ضيقا فإنه كان يسمح بالكشف عن صراع يطفو تارة ويخبو تارة أخرى حسب الظروف. وكان من المفروض إذا أخذنا غياب النهج الديمقراطي مصدرا للربيع العربي أن تنتفض شعوب دول الخليج أولا لأن أغلب أنظمتها يجرم الحديث عن الديمقراطية. ولكن العجب العجاب في المسألة كلها أن أمراء النفط هم من يدعمون الديمقراطيات العربية الناشئة في وقت يمنعون فيه شعوبهم من مجرد الحلم بإقامة نظام حكم ديمقراطي. ومن سخرية القدر أن نشاهد على شاشات الفضائيات وزراء خارجية دول الخليج يستميتون في الدفاع عن حق الشعوب في اختيار حكامها.. هذا الإمعان في الانتصار للربيع العربي من طرف دول الخليج بالذات يضعنا أمام سؤال كبير من قبيل: ما مصلحة هذه الدول في الثورة التي يمكن أن تطالها هي نفسها في يوم من الأيام؟ وهل دول الخليج التي أصبحت بقدرة قادر تتحكم في دواليب الجامعة العربية تقوم بدور بالوكالة لتدمير النظام السياسي العربي لتغرق ‘الشرق الأوسط الكبير’ في مستنقع ‘الفوضى الخلاقة’؟ حسن مخافي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية