مفارقة سيناء

حجم الخط
0

1. اطلقت 6 صواريخ هذا الشهر من سيناء إلى النقب. وهذا الاسبوع سقط اثنان منها في أرض مفتوحة في النقب الغربي، وقبل اسبوعين من ذلك اطلقت 4 صواريخ نحو ايلات: واحد سقط في ارض مفتوحة، واعترضت الثلاثة الاخرى القبة الحديدية المنتشرة قرب المدينة وتغطي مساحة واسعة. ويجدر بالذكر انه اطلقت في الماضي صواريخ من سيناء نحو العقبة.
6 صواريخ في شهر واحد هي في أغلب الظن رقم قياسي في اطلاق الصواريخ من شبه جزيرة سيناء نحو إسرائيل. ومطلقوها هم رجال فرع سيناء في «دولة إسلامية» ـ داعش. ويدل الأمر على أن التنظيم يعيش تحت ضغط كبير ويزيد اهتمامه بإسرائيل. ويعبر التصعيد ليس فقط عن إطلاق الصواريخ بل وعن الخطاب الحماسي من فرع سيناء على مواقعه في الانترنت، حيث تنشر تهديدات ضد إسرائيل.
كل هذا ينبع ضمن امور اخرى من الضربات الشديدة التي تلقاها رجال داعش في سيناء في الاشهر الاخيرة من الجيش وقوات الامن المصرية: فقد صفي قادة كبار إلى جانب نشطاء ميدانيين كثيرين، مخزونات سلاح ووضعت اليد على مخازن للسلاح واكتشفت شقق اختباء في شمال سيناء (في منطقة العريش ـ رفح، بوابة الحدود على غزة). انجازات يمكن أن تعزى أيضا لتحسين القدرات الاستخبارية وسرعة الرد العملياتية من الجيش المصري، ما يسمى اغلاق دائرة النار ـ نقل المعلومات إلى القوات البرية والجوية التي تهاجم الهدف.
وحسب منشورات اجنبية، تمنح الولايات المتحدة، بريطانيا وفرنسا مساعدة استخبارية لمصر في معركتها ضد الإرهاب في سيناء، وكذا إسرائيل تساعد منذ نحو سنتين نظام الرئيس السيسي. وحسب التقارير، فقد وجدت المساعدة تعبيرها في تعاون استخباري وثيق مع وحدة 8200 في شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية «أمان». وفي جهاز الامن العام «الشاباك» تعمل «دائرة سيناء» التي تتركز مهامها في احباط الإرهاب.
وحسب المنشورات، فإن سلاح الجو الإسرائيلي هو الاخر يساعد الجيش المصري ويستخدم الطائرات الصغيرة التي تهاجم داعش. وادعت «أعماق» وكالة أنباء الدولة الإسلامية يوم الاحد بأن طائرة إسرائيلية صغيرة اطلقت صاروخا قتل أربعة من رجالها. ورد التنظيم في الغداة باطلاق الصواريخ نحو غربي النقب.
لا ترد إسرائيل على المنشورات التي تقول انها تساعد الجيش المصري. فلا حاجة دوما لأن نقبل مثل التوراة من سيناء ادعاءات داعش بعمل الطائرات الإسرائيلية الصغيرة. فالجيش المصري هو الاخر تزود مؤخرا بطائرات صغيرة من انتاج الصين. ومهما يكن من أمر، يتبين من المنشورات الجارجية بأن إسرائيل ومصر تقيما تعاونا امنيا واستخباريا، مثلما يعلن أيضا وزراء وناطقون رسميون إسرائيليون في الفترة الاخيرة. وفي اساس التعاون تقبع مصالح واعداء مشتركين ـ حماس في غزة وفرع سيناء من داعش.
في الماضي غير البعيد جرى تعاون وثيق بين التنظيمين الإرهابيين. فقد ساعد فرع سيناء حماس في تهريب السلاح إلى غزة، وبين الحين والاخر نفذ مهامات إرهابية على سبيل المقاولة الفرعية، مثل النار نحو ايلات (ليست هذه هي النار التي اطلقت هذا الاسبوع). وبالمقابل درب رجال حماس إرهابيين داعش ومنحوهم علاجا طبيا في المستشفيات في غزة. ولكن مؤخرا تقلص التعاون وحماس ـ على الاقل قيادتها السياسية المنصرفة، برئاسة خالد مشعل واسماعيل هنية ـ تحاول الحوار مع حكم السيسي واعادة بناء العلاقات معه. وهذا خلافا للذراع العسكري الذي يسعى إلى تطوير العلاقات مع إيران، كي تزيد هذه المساعدات المالية، التدريبات وتوريد السلاح.
مع انتخاب يحيى السنوار من الذراع العسكري لرئاسة حماس في غزة وبعض رفاقه في المكتب السياسي، ليس واضحا كيف سيسوى الخلاف وكيف ستنجح حماس في المناورة في علاقاتها الحساسة مع فرع سيناء وحكم السيسي.
وها هي المفارقة: بالذات العلاقات الأمنية مع مصر هي التي تقيد حرية العمل الإسرائيلية. وذلك بخلاف بارز مع ما يجري في الحدود الشمالية في هضبة الجولان. هناك أيضا، من الجانب السوري، يعمل فرع لداعش، «كتائب خالد بن الوليد». في بداية الاسبوع فتح التنظيم هجوما مفاجئا واحتل في مثلث الحدود إسرائيل الاردن وسوريا خمس قرى وبلدات من ايدي الثوار المعتدلين المدعومين من الاردن، الولايات المتحدة، اتحاد الامارات العربية، وحسب منشورات أجنبية إسرائيل ايضا. ومثلما أثبتت في الماضي، ليست لإسرائيل آثار لعمل عسكري في سوريا، وبالتأكيد في المناطق القريبة من الحدود. وعلى اطلاق صاروخ أو قذائف هاون، سواء من جيش الأسد ام من الثوار، حتى لو كان بالخطأ، يرد الجيش الإسرائيل بنار المدفعية، الصواريخ او الغارات الجوية.
إسرائيل لا يمكنها ان تسمح لنفسها بالعمل على هذا النحو في سيناء. فكل عمل مستقل منها سيشكل مسا بالسيادة المصرية وسيمس بصورة السيسي، حليفها. وبخلاف الجولان، فإن أيدي إسرائيل مكبلة، وحرية عملها محدودة.
قادة فرع سيناء من داعش يفهمون ويعرفون العلاقات الحساسة بين إسرائيل ومصر. ويبدو ان هذا هو احد الاسباب التي جعلتهم يسمحون لانفسهم بالعمل هذا الاسبوع مثلما عملوا.
السؤال الكبير هو إذا كان اطلاق الصواريخ عملا لمرة واحدة أم يشهد على ما بانتظار إسرائيل في المستقبل القريب. ويتعلق الجواب ايضا بأسئلة اخرى: هل قرار اطلاق الصواريخ كان مبادرة محلية أم جاء من الخليفة ابو بكر البغدادي، على خلفية الضائقة المتعاظمة التي يعيشها التنظيم في سوريا وفي العراق، حيث يفقد الاراضي، المقاتلين، ويتكبد هزائم في ميدان المعركة، وتتضاءل مداخيله. إذا كانت هذه مبادرة محلية، فهذا حدث تكتيكي، إذ ليس لفرع سيناء مصلحة في فتح جبهة اخرى تضاف إلى تلك التي تدار حيال هدفه الاساس، نظام السيسي. ولكن إذا كان الامر جاء من البغدادي فيحتمل ان تكون هذه انعطافة استراتيجية في حدود سيناء ينبغي أن تقلق إسرائيل ومصر على حد سواء.
2. قبل نحو سبعة أشهر وقعت إسرائيل وتركيا اتفاقا لتطبيع العلاقات بينهما واغلاق فصل قضية مرمرة في ايار 2010. ومنذئذ تتوثق العلاقات، أغلب الظن أيضا في مجالات الامن والاستخبارات.
بدأ هذا ببطء، أما الان فالوتيرة تتعاظم، والحكومتان تطبقان الالتزامات التي اخذتاها على عاتقهما: فقد اعيد السفيران إلى أنقرة وتل أبيب، إسرائيل دفعت تعويضات بمبلغ 21 مليون دولار للحكومة التركية، التي ستنقلها بدورها إلى عائلات قتلى الحادثة؛ والبرلمان التركي الغى القانون الذي أتاح تقديم ضباط إسرائيليين مرتبطين بالقضية إلى المحاكمة، والبضائع والمساعدات الإنسانية من تركيا إلى غزة تنقل بشكل جار عبر ميناء أسدود.
أمرت الاستخبارات التركية رئيس قيادة الذراع العسكري لحماس، العاروري، بمغادرة اراضي الدولة. وقد انتقل إلى قطر، وعندما عاد إلى تركيا بعد زمن ما، طُلب منه بعد يومين أن يغادر إلى الابد والا يعود. وشدد مصدر إسرائيلي ضالع في العلاقات بين الدولتين على أن تركيا تفي بتعهداتها الا يكون نشطاء الذراع العسكري الذين يدخلون إلى اراضيها مشاركين في تخطيط اعمال ضد إسرائيل وهم لا يسمح له بتجنيد الاموال لهذه الغاية على الاراضي التركية. يمكن التقدير بأن الاستخبارات التركية تفتح عيونها على أعمال رجال حماس، رغم عطف الرئيس اردوغان وكثيرين آخرين في الحكم على المنظمة من غزة.
أما الحوار السياسي ـ زيارات الوزراء وكبار الموظفين ـ وكذا تسريع العلاقات الاقتصادية بين الدولتين، والتي لم تتضرر تقريبا بسبب قضية مرمرة، فيتقدمان على نحو جميل هما أيضا.
وكما أسلفنا، يوجد أيضا في اغلب الظن تحسن واضح في العلاقات الأمنية والاستخبارية. فشركات امنية كبيرة وصغيرة من إسرائيل، في مجال السايبر ايضا، تعمل بنشاط في محاولة لاستئناف علاقاتها او الدخول إلى السوق التركية. هذا يحصل ليس فقط في اتصالات القطاع الخاص أو الشركات الأمنية الحكومية، بل وأيضا في مستويات العمل في جهاز الامن. حتى قبل نحو عقد كانت تركيا سوقا هامة للتصدير الامني الإسرائيلي وتعاون الشركات الإسرائيلية والاجنبية، بينها شركات سنغافورية باعت اسلحة وعتادا عسكريا للجيش التركي وقواتها الامنية.
لقد كانت العلاقات في المجال الاستخباري الرسمي هي الاخرى وثيقة للغاية، وحسب «وول ستريت جورنال» تضمنت تبادلا للمعلومات عن الاعداء والخصوم المشتركين، مثل سوريا وإيران، وطلبات مساعدة من الاستخبارات التركية («ميت») للموساد ولامان بالمعلومات عن منظمات عصابات وإرهاب كردية. وحسب مصادر كردية، وكما سبق أن نشر في هذه الصحيفة قبل بضعة اشهر، فقد طلبت «ميت» في الماضي من الموساد مساعدتها في صراعها ضد نشطاء إرهاب أكراد، ولكن هذه الطلبات رفضت.
احدى ذرى التعاون الاستخباري كان في الزيارات شبه الدائمة لقادة الموساد وأمان لدى نظرائهم في تركيا، واستضافتهم في إسرائيل بين الحين والاخر. كل رؤساء الموساد، من ايسار هرئيل في الخمسينيات والستينيات وحتى مئير دغان وتمير باردو، الذي في عهده تضعضعت العلاقات (في اعقاب حادثة مرمرة ولكن ايضا لاسباب اخرى، وعلى رأسها محاولة اردوغان ان يصبح زعيم السنة في الشرق الاوسط) فعلوا هذا.
قبل نحو سنة حل يوسي كوهين محل باردو. ونشرت في الإعلام التركي انباء عن أن كوهين زار تركيا في 2016 والتقى بموظفين حكوميين كبار. يمكن التقدير بأن احدهم هو أكان فيدان، رجل ثقة أردوغان الذي يترأس «ميت». ومنذ أكثر من سنة تنشر انباء عن النية لاستبداله وتعيينه سفيرا في اليابان، ولكن صحيح حتى الان لا يزال فيدان يقف على رأس الاستخبارات التركية.
كوهين نفسه التقى مسؤولين أتراك كبار، ولكنه فعل ذلك بحكم منصبه السابق كرئيس مجلس الامن القومي، وكمن كان مشاركا إلى جانب المحامي يوسف تشخنوفر في المفاوضات التي أدت إلى انهاء الازمة.
تحتاج الاستخبارات التركية للاستخبارات الإسرائيلية لعدة اسباب. أولا، بسبب السمعة التي للموساد ولامان كجهازين لديهما معلومات عما يجري في الشرق الاوسط وقدرات ترتبط بذلك. سبب آخر هو المعلومات التي لدى الاستخبارات الإسرائيلية عن إيران، التي تواصل اقلاق تركيا، سواء بسبب تدخلها في سوريا أم بسبب الحدود المشتركة بين الدولتين، اللتين تكافحان على الاسواق والنفوذ في الجمهوريات الإسلامية في وسط آسيا. سبب آخر يغري الاستخبارات التركية هو أن إسرائيل تعتبر حليفا للولايات المتحدة وللموساد قدرة كبيرة على الوصول إلى السي.اي.ايه.
3. قريبا سيدخل سلاح الجو إلى نطاق العمل التنفيذي المنظومة الاولى لـ «مقلاع داود» (سابقا «العصا السحرية») التي توجد منذ الان لديه وتجتاز سلسلة تجارب ـ منظومة لاعتراض الصواريخ في مدى نحو 200 كيلومتر، ثمة تطوير مشترك بين «رفائيل» والشركة الأمريكية «رايتأون». «مقلاع داود»، التي في مرحلة لاحقة سيتم تعديلها ايضا لتعترض طائرات غير مأهولة، ستشكل شريحة الدفاع التي تكمل «القبة الحديدية» القادرة على اعتراض صواريخ بمدى حتى 70 ـ 80 كيلو متر ومنظومة «حيتس» (سهم) للصواريخ بعيدة المدى، بما فيها الباليستية.
قبل نحو شهر أعلنت وزارة الدفاع عن اجراء سلسلة تجارب «تتوجت بالنجاح». فقد طلبت رفائيل الدعوة للتجارب التي تمت في شدما قرب متسبيه رامون ملحقين عسكريين من دول كفيلة بأن تبدي اهتماما بشراء المنظومة، بينها بولندا، الهند وكوريا الجنوبية، والتي أبدت في الماضي اهتماما بالقبة الحديدية التي هي الاخرى تطورت في رفائيل. ولاسف رفائيل ووزارة الدفاع، ورغم جهود التسويق، لم تشتري أي دولة المنظومة حتى الان. فقد فكرة بولندا بذلك بجدية، ولكن الضغط الأمريكي دفعها لتغيير رأيها وبدلا من ذلك التزود بمنظومات دفاعية من طراز باتريوت من انتاج رايتون. اما سنغافورة فاشترت رادار القبة الحديدية من انتاج التا، شركة ابنة للصناعة الجوية.
ولمفاجئة رفائيل، عارضت رايتأون توجد الملحقين العسكريين في التجربة، وذلك اغلب الظن خوفا من منافسة رفائيل لها على الاسواق في العالم، وان يمس نجاح المنظومة بفرص بيع الباتريوت. باختصار، رايتأون، منتجة الباتريوت، ضد رايتأون الشريكة في انتاج «مقلاع داود».
وجاء من رفائيل التعقيب التالي: «هذا ليس واردا على الاطلاق. لم يكن توجه كهذا ولا يوجد اساس لهذا الادعاء. سنضيف أن علاقاتنا مع شركائنا الأمريكيين ممتازة».
اما وزارة الدفاع فرفضوا التعيب.

معاريف 24/2/2017

مفارقة سيناء
العلاقات الأمنية مع مصر تقيد حرية عمل إسرائيل ضد قوات داعش في المنطقة
يوسي ميلمان

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية