بومدين معاش إن الأحداث التي تعرفها الساحة العربية وكيف ما كان الرأي حولها، فتحت نقاشات على أكثر من صعيد وربما تحول الكثير منها إلى مشاحنات خطيرة لا تخدم النقاش السياسي الجاد، ولكنها بوجهيها المحمود والمذموم أبرزت للعيان انقساما واضحا للرأي العربي تجاه ما يجري، بين من يرى أن هذه الأحداث طبيعية وقد كانت مؤشراتها تلوح في الأفق منذ زمن بعيد، وربما هي من حيث الزمن قد تعطلت كثيرا، وآخرين يرون في هذه الأحداث مرحلة متقدمة لمخطط غربي مكشوف يستهدف الأمة العربية. والجديد فيه حسب رأيهم هو استعمال أدوات غربية لتحقيق هذا الغرض بعد أن توضح لديهم كلفة التدخل المباشر ومآلاته السيئة على الغربيين أنفسهم. كثيرة هي الأسئلة التي تطرح حول الموقف الغربي ليبدو للجميع أننا أمام مواقف مختلفة تجاه كل دولة على حدة، فمن المواقف ما هو متسرع ومنها ما هو بطيء ومنها ما هو مغالٍ ومنها ما هو مرتبك… وهل هذا كله نتيجة حسابات تكتيكية أم أن الغرب لا يتصرف بشكل استراتيجي حيال الأوضاع التي تعرفها المنطقة العربية، سواء كان الغرب هو الذي خطط أو لم يخطط فهو في كل الأحوال متربص بهذه المنطقة وهي ليست تهمة تضيره ولا هو مشتبه يسعى لدفع الشبهة عنه، فهو معني بحكم الجغرافيا وبحكم الديمغرافيا وبحكم الصراع الموجود في الشرق الأوسط وبحكم المصالح الكبرى التي توفرها المنطقة، وبالتالي فهو يتصرف ويرسم سياساته وفق هذا المنطق. لاشك في أن الغرب ليس بنفس القوة التي أعقبت سقوط جدار برلين، أي قبل أن تتورط الولايات المتحدة ومعها الحلف الأطلسي في حربي افغانستان والعراق وقبل أن تعصف به الأزمة العالمية، التي كان مركز الهزة فيها قلب الاقتصاد الرأسمالي، نيويورك، ولكن رغم كل هذا يظل التدخل الغربي قائما لأن كل المؤسسات الدولية هي نتاج هذا الغرب، وهي بالضبط نتاج مفاعيل الحرب العالمية الثانية التي دارت معظم تفاصيلها في أوروبا، ولا زال هذا النظام الدولي قائما لحد الساعة، كما أن فلسفة التدخل سواء بالطرق الدبلوماسية أو العسكرية تصدُر من سببين مختلفين، إما بسبب تراكم القوة أو نتيجة لحالات ضعف معينة، إذن علينا أن لا ننهمك كثيرا حول مصداقية التدخل او نتعامل معها بشكل معياري، كما يدور في حديث الكثيرين، فمنهم من يشيطن الغرب ومنهم من يحاول إظهاره في ثوب القديسين.
وهنا نورد توصيفا جيدا قدمه برجينسكي، مستشار الأمن القومي في عهد كارتر، ويأتي هذا التوصيف في معرض مشابهته الولايات المتحدة بالإمبراطورية الرومانية: ‘قادت ثلاثة أسباب رئيسية إلى انهيار الامبراطورية الرومانية، أولا أصبحت الإمبراطورية الرومانية أوسع من أن تحكم من مركز واحد، إذ أن شطرها إلى قسمين شرقي وغربي، قضى أتوماتيكيا على الطابع الاحتكاري للسلطة فيها، ثانيا وفي الوقت نفسه أشاعت فترة العنجهية الإمبراطورية الطويلة نوعا من ثقافة عبادة الذات امتصت بالتدريج إرادة السمو لدى الزعامة السياسية، ثالثا عمل التضخم المستدام هو الآخر على تقويض قدرة النظام على الاستمرار من دون تضحيات اجتماعية لم يعد المواطنون مستعدين لتقديمها، تآمر التفسخ الحضاري والانقسام السياسي والتضخم المالي على جعل روما قابلة للاختراق حتى من قبل الهمج المنتظرين على مقربة منها’. هذا التحليل قدمه برجينسكي في التسعينات أي قبل أحداث الحادي عشر من كانون الاول/ديسمبر، نجد أن العوامل الثلاثة التي عصفت بالامبراطورية الرومانية متكشفة في هذه اللحظة التاريخية والعامل الخارجي، أو ما سماه برجينسكي بالهمج المحيطين بالإمبراطورية الرومانية مازال موجودا في مخيال هؤلاء، وهو الذي اخترق الإمبرطورية وشكل عاملا حاسما في سقوطها، لأن هذا الاختراق سيعزز عوامل الانقسام السياسي الداخلي، فمسألة الديمقراطية تأخذ طابعها الحيوي ليس كمسألة أخلاقية، وإن كان جزء من الغربيين ينظر لها كذلك، وإنما كمسألة استراتجية لبقاء هذا الغرب. ولنا أن نضع في الاعتبار تزايد حركة اليمين المتطرف وتصاعدها هذه المرة تجاه العرب والمسلمين، رغم أن هذا اليمين المتطرف قام تقليديا على معاداة السامية ‘وقد نلاحظ على هامش هذا السياق أن يهود العالم نجحوا أخيرا وبعد قرون من سحب العداء للسامية من مشاعر الغرب الأوروبي، ثم تركوا الفراغ الناشئ بعد ذلك للحالة الإسلامية الراهنة وقد سحبها هذا الفراغ داخله وما زال يفعل، فإذا تحقق بصورة كاملة أن العداء لليهود قد أخلى مكانه لعداء مع الإسلام؛ إذن فقلب العالم الإسلامي وأطرافه في حالة صراع حضاري ثان مع الغرب بكل ما يعنيه ذلك من مضاعفات. وبمجمل ذلك كله فإن الأمة العربية، من الآن إلى سنوات قريبة، أمام أسئلة كبيرة، تكاد تكون أسئلة مصائر ومقادير’. نعم إنها نقطة بالغة الأهمية تتمثل في انتعاش اليمين المتطرف وذاكرة الأوروبيين ليست قصيرة لكي تنسى مآسي الحربين العالميتين الأولى والثانية وسيطرة اليمين المتطرف على أوروبا، حيث كانت الحركات النازية والفاشية تتغذى من معاداة السامية.
لم تستطع ايطاليا ولا فرنسا أن تخفيا غضبهما تجاه موضوع الهجرة غير الشرعية، مما دفع ايطاليا نتيجة عدم تحملها لهذا الموضوع إلى فتح حدود أوروبا أمام هؤلاء المهاجرين، ما زاد في احتقان الفرنسيين ودفعهم إلى طلب تجميد اتفاقية شنغن، لأنهم أدركوا أن هؤلاء هدية طازجة لليمين المتطرف الفرنسي، الذي سيأكل من أطراف اليمين التقليدي حيث سيصبح هؤلاء أهم ما يقدم على طاولة الحوار السياسي في فرنسا وغيرها من الدول الأوروبية، عشرات من القوارب القادمة من تونس كان من شأنها أن حركت هذه الزوبعة الأوروبية، فالأمور وصلت إلى الذروة وهنا يأتي السؤال ماذا لو لم تنجح ثورة تونس ومصر هل يمكن أن نتصور عدد المهاجرين الذين يزحفون نحو أوروبا.
لقد أصبحت الديمقراطية في العالم العربي مصدرا للأمن والاستقرار الغربي ومنفذا لتحقيق المصالح ووسيلة للضغط على المارقين مثل سورية وإيران والمترددين في التعامل مع الغرب كروسيا والطامحين للسيطرة العالمية كالصين ‘هذه التحولات وانهيار الاتحاد السوفييتي ولدت في الغرب، خاصة الولايات المتحدة، الاعتقاد بأن الثورة الديمقراطية الجارية الآن هي باختصار أن مفاهيم الغرب حول حقوق الإنسان وشكل الديمقراطية الغربية ستبرز في العالم، وتعزيز هذا الانتشار الديمقراطي أصبح هدف وأولوية الغربيين’. إن الأحداث وفق هذه الرؤية لا تجري على مسرح مكشوف، لكنها بالمقابل لا تدار من قمرة سرية، ففيها ما يجري بصورة طبيعية تتحكم فيه مختلف المتغيرات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وفيها ما يرتبط بعوامل ومتغيرات خارجية ويجري بينهما تفاعل وانجذاب مرة وانفعال واضطراب مرة أخرى، الواضح في كل ذلك هو أن النظم العربية صارت هي الحلقة الأضعف وكما يقول بورك وهو فيلسوف اجتماعي إن الدولة التي لا تملك الوسائل لمسايرة المجتمع لا تستطيع الحفاظ على بقائها.
من الصعب أن نفك هذا التشابك بين العوامل الداخلية والخارجية، لكن من المؤسف أن يقود البعض إلى مفاصلة غريبة لا تخضع لمنهج ولا تستجيب لمنطق وهي إما أن تكون مع الاستبداد أو مع التدخل الخارجي، ويصبح الرأي الوسطي مستبعدا لأنه يحتاج إلى كثير من التدبر والصبر، وقليل من يستطيع ذلك أمام هذا الإيقاع السريع الذي تعرفه الأحداث، لتصبح الحالة الليبية مبعثا لهذا النقاش الساخن بعد أن كانت ومازالت مسرحا لجرائم القذافي واستدعاء مفضوحا من هذا الأخير للتدخل الخارجي، وربما سيكون لسان كل الوسطيين الذين يرفضون الاستبداد والتدخل الأجنبي قول المتنبي:
إليك فإني لست ممن إذا اتقى عضاض الأفاعي نام فوق العقارب’ كاتب سياسي جزائري