تضغط القوى السياسية الشيعية وإيران، على الكاظمي من أجل التركيز خلال زيارة واشنطن، على ملف إخراج القوات الأجنبية والأمريكية، واستمرار إعفاء العراق من العقوبات لانفتاحه على إيران.
بغداد-“القدس العربي”: تتصاعد الضغوط على رئيس الحكومة العراقية مصطفى الكاظمي قبل أيام من زيارته لواشنطن، من قبل القوى الشيعية الموالية لإيران من جهة، ومن الولايات المتحدة الأمريكية من جهة أخرى، في وقت تأمل الحكومة العراقية أن تسفر الزيارة عن الحصول على دعم اقتصادي وعسكري وسياسي أمريكي هي في أمس الحاجة له في هذه الفترة.
مهمة الكاظمي خلال زيارته المقررة في 20 اب/اغسطس الجاري، إلى واشنطن للتفاوض حول مستقبل العلاقات بين البلدين والحصول على مساعدات ودعم أمريكي، لن تكون يسيرة على الإطلاق، فالأمريكان يعرفون جيدا وضع الكاظمي وعلاقاته المتوترة مع أحزاب السلطة، كما يدركون أزمات البلد وحجم النفوذ الإيراني فيه. ولأن الأمريكان يجيدون استغلال الظروف والأزمات، فالمتوقع أن يفرضوا على الوفد العراقي الكثير من الشروط والخيارات الصعبة مقابل تقديم الدعم له، وسيكون أبرزها تنظيم وجود القوات الأمريكية في العراق ومدى قدرة الكاظمي على توفير الحماية لها من ازعاجات الفصائل الولائية التي تعلن عدم الخضوع لسلطة الدولة وتواصل استهداف المصالح الأمريكية، اضافة إلى تركيز أمريكي لا يقبل التساهل في ضرورة إضعاف الدور الإيراني في شؤون البلد، وتقليل استغلال إيران للاقتصاد العراقي للالتفاف على العقوبات الأمريكية عليها.
ولأن امكانيات الكاظمي في الاستجابة إلى الشروط الأمريكية محدودة، كونه لا يستند إلى حزب سياسي مؤثر في البرلمان ويخشى نفوذ القوى الشيعية، فالمتوقع هو أن تقدم له واشنطن، نصائح وعروض في كيفية لجم الفصائل المسلحة مثل تقديم دعم عسكري وأمني أمريكي للقوات العراقية في مواجهة الفصائل المسلحة الموالية لإيران، أو المساهمة في حملة علاقات عامة لزيادة الدعم الشعبي والسياسي والدولي لإجراءات الكاظمي، من خلال كشف تبعية هذه الفصائل لإيران وصلتها بالإرهاب والأضرار المادية والسياسية التي يتحملها العراق الآن ومستقبلا جراء تنامي نفوذها واحتمال تكرار تجربة هيمنة حزب الله على لبنان، إضافة إلى قدرة واشنطن في تحشيد مواقف حلفاءها من القوى السنية والكردية في العراق لدعمه، وتشجيع الدول لتقديم المساعدات له، وغيرها من الخيارات التي تدعم حكومة الكاظمي، مع احتمال ان تكون بعض نتائج المفاوضات غير معلنة لتجنب الإحراج.
ولأهمية زيارة الكاظمي إلى الولايات المتحدة، فقد مهدت واشنطن لها، بتحركات منها تصريحات وزير الخارجية مايك بومبيو بأن بلاده “مستمرة بمواجهة التحديات في العراق وسوريا” كما أرسلت وفدا عسكريا أمريكيا رفيعا إلى بغداد، برئاسة نائب قائد قوات التحالف الدولي ضد تنظيم “داعش” الجنرال ستريكلاند، الذي أجرى لقاءات مع قادة سياسيين وأمنيين عراقيين، أكدوا على الحاجة لمواصلة الدعم الأمريكي للعراق، وخاصة بمواجهة تنامي عمليات تنظيم “داعش” مؤخرا. وحتى مستشار الأمن الوطني (القيادي في منظمة بدر) قاسم الأعرجي، شدد خلال لقائه الوفد الأمريكي، على أهمية “الدعم الدولي للعراق وأن يستمر في مجالات التدريب والتجهيز والتسليح” معتبراً أن “علاقة العراق مع المجتمع الدولي مهمة، وأن الحكومة العراقية حريصة على استمرارها” مع دعوته لوضع جدول زمني حول التواجد العسكري الأجنبي في العراق، وهي دعوة عامة حتى واشنطن أيدتها في مناسبات عديدة، بعد قرار البرلمان العراقي، الذي صدر بضغط من الكتلة الشيعية ومقاطعة الكتل السنية والكردية، والذي يقضي بإخراج القوات الأجنبية من الأراضي العراقية، وذلك في أعقاب اغتيال الجنرال قاسم سليماني والمهندس في بغداد في غارة أمريكية، دون ان يتعارض ذلك مع تأكيد الولايات المتحدة الأمريكية، على لسان العديد من مسؤوليها العسكريين والسياسيين،عدم انسحاب قواتها بشكل كامل من العراق، لمنع تفرد إيران في البلد، ومشددين على ان “تخفيض أعداد القوات الأمريكية سيكون حسب الاتفاقيات بين الحكومتين العراقية والأمريكية”.
وفي الجانب الآخر، تضغط القوى السياسية الشيعية وإيران، على الكاظمي من أجل التركيز خلال زيارة واشنطن، على ملف إخراج القوات الأجنبية والأمريكية تحديدا، إضافة إلى استمرار إعفاء العراق من العقوبات الأمريكية لانفتاحه اقتصاديا على إيران، وخاصة بعد لقاء السفير الإيراني في بغداد ايرج مسجدي ووزير التجارة العراقي احمد حسين عبيد، وإعلان الاتفاق على رفع حجم التبادل التجاري بين البلدين إلى 20 مليار دولار سنويا.
وإضافة إلى تصريحات وبيانات القادة الشيعة المشككة بالزيارة، تتعمد الميليشيات مواصلة ضغطها على حكومة الكاظمي والقوات الأمريكية، من خلال استمرار توجيه صواريخ الكاتيوشا نحو السفارة الأمريكية في بغداد والقواعد العسكرية التي تتواجد فيها قوات أمريكية، مع تصاعد عمليات استهداف القوافل التي تنقل معدات وتجهيزات القوات الأمريكية المتواجدة في العراق عبر زرع العبوات الناسفة في الطرق التي تسلكها.
ولأن الكاظمي يدرك أن محاولة إرضاء الطرفين الأمريكي والإيراني شبه مستحيلة، ولكون أوضاع العراق في ظل الأزمة الاقتصادية الساحقة وحاجات الشارع الغاضب لا تقبل التأجيل، ومع تزايد مخاطر عودة تنظيم “داعش” فليس أمام الكاظمي إلا الاستجابة لأغلب الشروط الأمريكية، في تنظيم وجود القوات الأمريكية والالتفاف على قرار البرلمان بإخرجها، والعمل على تقليل نفوذ طهران التي لا يمكن ان تتنازل عن العراق، الذي يعد بالنسبة لها ليس طوق النجاة من أزمتها الاقتصادية الخانقة وحاضنة أذرعها فحسب، بل لأنه حلمها التاريخي الذي لا ولن تتخلى عنه بسهولة، ولذا فإن المواجهة تبدو متوقعة بين الحكومة العراقية والفصائل المسلحة ومن يدعمها من الأحزاب الشيعية وإيران، وهو ما يعني أن فترة ما قبل زيارة الكاظمي إلى واشنطن لن تكون مثل ما بعدها، بكل ما يترتب عليها من زيادة في التوتر الأمني والسياسي في العراق.