بعد أن ارتفعت حرارة سد النهضة إلى درجة التهديد بالحرب، فإن المفاوضات بين مصر وإثيوبيا والسودان تسير الآن في مسار هادئ، استباقا لموسم الأمطار في صيف العام الحالي، الذي من المقرر أن تبدأ فيه مراحل ملء خزان السد. المرحلة الحالية في المفاوضات تقنية-قانونية وليست سياسية، كما إنها تتناول التفاصيل الخاصة بآليات ملء الخزان وتشغيله وليس المبادئ الحاكمة، ومن هنا تأتي صعوبتها. وتأمل الأطراف الثلاثة، ومعها الولايات المتحدة الدولة الراعية للمفاوضات، أن يتم التوصل إلى اتفاق يرضيها جميعا قبل نهاية شهر شباط/فبراير الحالي، يضع حدا لنزاع استمر لمدة 9 سنوات، تميز باشتداد لهجة الخلاف بين مصر وإثيوبيا، بينما انحاز السودان إلى إثيوبيا أو حاول أن يلعب دورا مهدئا بينهما.
وطبقا لتصريحات المسؤولين الأمريكيين المشاركين في المفاوضات التي تجري في واشنطن منذ تشرين الثاني/نوفمبر 2019 فإن الاتفاق النهائي أصبح قريبا جدا. ومن الطبيعي ان تواجه المفاوضات بخصوص سد النهضة صعوبات في مرحلتها النهائية، حيث ينصب التركيز على التفاصيل الفنية والقانونية والصياغة اللغوية، وكذلك على الضمانات التي تطلبها مصر بشأن الطرق الملائمة لملء السد، وتدابير تخفيف الأضرار، ونظام حل المنازعات. وعلى الرغم من أن المفاوضات السياسية والاقتصادية لم تكن سهلة على الإطلاق، فإن الرغبة في التوصل إلى حل سلمي للأزمة وتجنب التصعيد في ظروف صعبة تعيشها الأطراف الرئيسية الثلاثة، ساعدت على تحقيق اتفاق بشأن المبادئ العامة في جولة المفاوضات التي جرت يومي 14 و15 كانون الثاني/يناير، والتي اضطر الرئيس الأمريكي إلى التدخل فيها بنفسه، ليعقد اجتماعا في مكتبه مع رؤساء وفود البلدان الثلاثة شارك فيه وزير الخزانة الأمريكي ستيفن منوتشين، ورئيس البنك الدولي ديفيد مالباس. وعلى أثر ذلك اصدرت وزارة الخزانة بيانا رسميا حددت فيه بدقة ما تم التوصل إليه حتى ذلك الوقت.
مبادئ ملء وتشغيل السد
وتضمن البيان الأمريكي ان الأطراف الثلاثة تمثلها وفود برئاسة وزراء الخارجية والموارد المائية، بحضور الولايات المتحدة، أكدت التزامها بالتوصل إلى اتفاق شامل، تعاوني، مرن وقابل للتكيف، مستدام، وذي منافع متبادلة، بخصوص ملء وتشغيل سد النهضة الإثيوبي، وذلك على الأسس التالية:
أولا: يتم ملء خزان السد على مراحل، خلال موسم الأمطار في شهري تموز/يوليو واب/أغسطس من كل عام، يمكن أن يمتد إلى أيلول/سبتمبر طبقا للظروف المائية. وتجري عملية الملء بطريقة ملائمة وتعاونية، تأخذ في الاعتبار الظروف المائية للنيل الأزرق والآثار المحتملة لملء خزان سد النهضة على خزانات المياه في دول المصب.
ثانيا: المرحلة الأولية لملء خزان سد النهضة توفر الإنجاز السريع لوصول منسوب المياه خلف السد إلى ارتفاع يبلغ 595 مترا فوق سطح البحر. هذا المستوى سيتيح التوليد المبكر للكهرباء في إثيوبيا بتشغيل توربينين من توربينات توليد الكهرباء الـ 16 المصممة للسد، كما سيتضمن تدابير من أجل تخفيف حدة الأضرار المترتبة على تقليل تدفق المياه في كل من مصر والسودان في حال وجود جفاف شديد خلال هذه المرحلة.
ثالثا: في المراحل التالية، بعد أن يتم الملء الأولى (الحد الأقصى لمخزون المياه يبلغ 74 مليار متر مكعب) فإن الاستمرار في ملء الخزان سيتم طبقا لآلية يتم الاتفاق عليها (لم يتم الاتفاق على تفاصيلها بعد) يتقرر على أساسها طريقة السماح بتدفق المياه طبقا للظروف المائية للنيل الأزرق، المرتبطة بأهداف إثيوبيا في ملء السد وإتاحة المياه الكافية لتوليد الكهرباء، وتوفير تدابير ملائمة لكل من مصر والسودان، للحد من تأثير سنوات الجفاف أو نقص المياه.
رابعا: تشغيل السد على المدى الطويل، سيتم على أساس آلية تقرر طريقة تدفق المياه، بناء على الظروف المائية للنيل الأزرق، ومستوى المياه خلف السد الكافي لتوليد الكهرباء، مع وجود التدابير اللازمة لتخفيف اضرار فترات الجفاف الممتدة أو تأثير ندرة المياه.
خامسا: اتفاق على إقامة آلية فعالة للتنسيق وتدابير انتقالية لتسوية المنازعات التي قد تنشأ اثناء التشغيل.
سادسا: اتفاق على المسؤولية المشتركة للدول الثلاث في إدارة تدابير مواجهة مواسم الجفاف الممتدة أو القحط الشديد.
سابعا: اتفقت وفود الدول الثلاث على الأهمية الشديدة للفوائد الإقليمية التي قد تنتج عن التوصل إلى اتفاق نهائي بشأن ملء وتشغيل سد النهضة الإثيوبي، فيما يتعلق بتطوير التعاون عبر الحدود، والتنمية الإقليمية للنيل الأزرق، وتحسين ظروف الحياة لشعوب إثيوبيا والسودان ومصر.
ثامنا: اتفق الوزراء على الاجتماع مرة أخرى في 28 و29 كانون الثاني/يناير لوضع الصيغة النهائية للاتفاق، وذلك بعد استيفاء النقاط الفنية والقانونية.
وقد اجتمع الوزراء فعلا في واشنطن في التاريخ المحدد، لكن المفاوضات تعثرت، بسبب خلافات على التفاصيل بين كل من مصر وإثيوبيا، وذلك على الرغم من الاتفاق بينهما على المبادئ العامة، بدءا من الاتفاق الإطاري للتعاون المشترك الموقع في الخرطوم في اذار/مارس 2015 إلى اتفاق المبادئ العامة لملء وتشغيل سد النهضة في 15 كانون الثاني/يناير 2020. وقد حاولت الولايات المتحدة الضغط على الأطراف الثلاثة من أجل حسم تلك الخلافات خلال جولة المفاوضات الأخيرة، وسمحت بتمديد المفاوضات يومين إلى 31 كانون الثاني/يناير، لكن المفاوضين تعثروا في التوصل لاتفاق، وتقرر العودة إلى واشنطن مرة أخرى يومي 12 و13 شباط/فبراير الجاري.
الثقة المفقودة بين مصر وإثيوبيا
استطاعت المفاوضات التي ترعاها الولايات المتحدة أن تزيل عددا كبيرا من العقبات التي كانت تهدد بتصعيد النزاعات بين أطراف أزمة سد النهضة. وحتى الآن يمكن القول بأن مصر تراجعت عن استخدام مبدأ الحقوق التاريخية في تبرير نصيبها من مياه النيل، خصوصا وأن اتفاقيات المياه المتعددة الأطراف السابقة تستبعد إثيوبيا، وكانت تعتبر ان مياه النيل ملكية لكل من مصر والسودان تتقاسمانها بنصيب يبلغ 55.5 مليار متر مكعب سنويا لمصر، و18.5 مليار متر مكعب للسودان.
لكن مصر في المقابل تمسكت بضرورة اخذ احتياجات التنمية في الاعتبار. وتتضمن احتياجات التنمية، مياه الشرب لأكثر من 100 مليون من السكان، واحتياجات الري اللازمة لإنتاج الغذاء، حيث تستورد مصر أكثر من نصف احتياجاتها الغذائية، واحتياجات محطة كهرباء السد العالي من المياه اللازمة لتشغيل التوربينات، واحتياجات المياه اللازمة لتشغيل الملاحة النهرية، إضافة إلى احتياجات المياه لأغراض التنمية الأخرى الحضرية والصناعية. وطلبت مصر ان ترتبط معايير توليد الكهرباء من سد النهضة الإثيوبي بمعايير احتياجات تشغيل محطة كهرباء السد العالي في أسوان.
كذلك طلبت مضر ان يتضمن الاتفاق النهائي نصوصا واضحة لا لبس فيها تتعلق بالتزامات إثيوبيا في الحد من الضرر الذي قد تتعرض له في المرحلة الأولية لملء خزان سد النهضة، أو في قواعد التشغيل الدائم، في مواسم انخفاض الأمطار أو القحط الشديد، التي قد تتصل لأكثر من فصل واحد. وتضمنت المطالب المصرية كذلك التعامل مع موارد النيل الأزرق بوضوح على أنها موارد مشتركة مع دول المصب، حيث لاحظ المفاوض المصري ميل إثيوبيا لفرض السيطرة على موارد النيل الأزرق، والتوسع في استغلالها من طرف واحد، بصرف النظر عن مصالح دولتي المصب، مصر والسودان. ونظرا لأن إثيوبيا قد تستخدم مياه النيل الأزرق، وخزان سد النهضة في أغراض أخرى غير توليد الكهرباء، فقد طلبت مصر أيضا إدراج نصوص واضحة تقيد الغرض من إقامة سد النهضة في توليد الكهرباء فقط، وتضمن توزيعا عادلا لإيرادات النهر بين كل من إثيوبيا ودول المصب.
وتعتقد مصر أن من الممكن ملء خزان سد النهضة تدريجيا في غضون فترة تتراوح بين 6 إلى 7 سنوات بافتراض ان معدلات هطول الأمطار ستكون من متوسطة إلى فوق المتوسطة، ومن ثم فإن الفترة يمكن أن تقل منطقيا في حال هطول أمطار غزيرة. أما في حال هطول أمطار قليلة (أقل من المتوسط) أو في حالات القحط أو القحط الشديد، فإنها تقترح أن تتحمل الدول الثلاث مجتمعة، بما فيها إثيوبيا، الأعباء الناتجة عن ذلك، بتصريف جزء من مخزون المياه خلف السد، بينما تميل إثيوبيا إلى تحميل تلك الأعباء لدول المصب فقط.
ولا يخفي الجانب الإثيوبي عدم الثقة في الجانب المصري، خصوصا فيما يتعلق بأحقية مصر في المياه، وتوزيع التضحيات وأعباء التدابير الاحتياطية في حالات الجفاف أو القحط. وقد وصلت عدم الثقة إلى أقصاها في شهر تشرين الأول/أكتوبر الماضي، عندما هدد رئيس الوزراء الإثيوبي أبيي أحمد بحشد الملايين للدخول في حرب دفاعا عن السد. ومع ذلك فإن تصريحات أبيي الأخيرة تشير إلى قدر كبير من التفاؤل بشأن قرب التوصل إلى اتفاق يمثل أساسا لنزع فتيل الأزمة، وإقامة تعاون إقليمي مثمر بين دول حوض النيل.