ارتبط استئناف الجولة الحالية من المفاوضات النووية في فيينا بالذكرى الثانية لاغتيال قائد «فيلق القدس» الإيراني قاسم سليماني. ومن ثم فقد تداخل في الخطاب السياسي الصادر عن طهران وسلوكها العسكري في الأسبوع الأول من كانون الثاني/يناير صدى خطابين مختلفين: الأول هو الخطاب الثوري الذي يستعيد ذكرى سليماني، ويجدد العهد على الانتقام له. والثاني هو الرسالة الدبلوماسية المرتبطة باستئناف المفاوضات. في هذا السياق يجب قراءة الخطاب السياسي الإيراني، وعمليات استخدام طائرات الدرون ضد القوات الأمريكية في العراق، ومحاولة إطلاق قمر صناعي إلى الفضاء، وكذلك الأنشطة التي قام بها أنصار الله في اليمن، وحزب الله في لبنان خلال الفترة نفسها. وقد فشلت الولايات المتحدة وإسرائيل في قراءة الخطاب الإيراني؛ بسبب عدم التمييز بين ما يرتبط بذكرى اغتيال سليماني، وما يرتبط بالمفاوضات النووية التي تجري في فيينا. وبسبب عدم التمييز بين هذا وذاك فقد سادت حالة من الارتباك بشأن تفسير الموقف الإيراني، وما إذا كانت إيران في طريقها إلى المزيد من التشدد في جولة المفاوضات الجديدة، أم أنها تمهد لتقديم تنازلات تجعل العودة إلى الاتفاق النووي نتيجة مقبولة.
مبررات للتفاؤل ولكن؟
في توصيف الوضع الراهن يبدو لأول مرة منذ استؤنفت المفاوضات، وجود اتفاق بين جميع الأطراف على أنه قد تم تحقيق تقدم معقول، على عكس ما كان عليه الحال منذ بداية الجولة السابعة. كما يبدو كذلك وجود مسحة من التفاؤل، مع رغبة أمريكية تتعجل الوصول إلى اتفاق «خلال أسابيع» يضمن «الالتزام الكامل بالاتفاق» حتى لا يؤدي استمرار إيران في تجاوز نصوص اتفاق 2015 إلى تعقيد الموقف أكثر. هذا يعني أن الولايات المتحدة تعلم علم اليقين أن إيران تتفاوض في فيينا بينما معامل تخصيب اليورانيوم في منشآتها النووية تعمل أيضا بأقصى طاقتها. لكن سرعة التوصل إلى اتفاق لا تتوقف على رغبة واشنطن، وإنما على إمكان التوصل إلى اتفاق واضح لرفع العقوبات يرتبط بآليات ومعايير وضمانات، تطالب بها إيران كشروط مسبقة لسلامة تنفيذ رفع العقوبات، وتجنب تكرار انسحاب الإدارة الأمريكية من الاتفاق، وذلك حسب تصريحات المفاوض الإيراني علي باقري في الأسبوع الماضي. وإذا كانت واشنطن تريد من إيران «التزاما كاملا» فإن طهران تشترط أن يكون «رفع العقوبات كاملا» إضافة إلى قواعد ومعايير وآليات للتدقيق مع ضمانات قانونية.
ولذلك فإنه على الرغم من التفاؤل الراهن، فمن الصعب استبعاد حدوث انقلاب في مسار المفاوضات، وذلك نظرا للتشابك بين المواقف المؤيدة لعودة الولايات المتحدة للاتفاق النووي والمعارضة له في كل من تل أبيب وواشنطن، وتأثير ذلك على محورين رئيسيين: الأول هو العلاقات الأمريكية-الإسرائيلية، يمتد تأثيره إلى استقرار مؤسسات الحكم في الولايات المتحدة نظرا لضيق القاعدة التصويتية لبايدن في الكونغرس، وقرب إجراء انتخابات التجديد النصفي في شهر تشرين الثاني/نوفمبر المقبل. المحور الثاني يرتبط بمدى استقرار مؤسسات الحكم في إسرائيل، حيث انفجر الخلاف علنا على السطح، ليس فقط بين نتنياهو الذي يتهم الحكومة بالتخاذل، والحكومة التي تعيد التأكيد على موقفها المتشدد تجاه إيران، ولكن أيضا بين الأجهزة الأمنية في الدولة، التي تتوزع بين التيارين. ويرتبط تصاعد حدة الاستقطاب بين التيارين بوجود قناعة بأن العودة للاتفاق باتت «مسألة وقت».
حملة الضغوط
الإسرائيلية في أمريكا
تصاعدت حملة الضغوط الإسرائيلية على الإدارة الأمريكية، ووصلت إلى حد استخدام منظمات وجماعات ضغط موالية لحكومة تل أبيب، بهدف إفشال عودة الولايات المتحدة إلى الاتفاق. كذلك لجأت الحكومة الإسرائيلية إلى الضغط على الولايات المتحدة من الخارج من خلال الضغط بأقصى قوة على المفاوضين الأوروبيين من أجل تبني جدول أعمال تدعمه إسرائيل. وقد لعب نفتالي بينيت دورا رئيسيا في هذا السياق من خلال اتصالات مباشرة مع المستشار الألماني الجديد أولاف شولتز ورئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون.
وعلى الرغم من ذلك، يمكن القول حتى الآن أن الموقف الإسرائيلي من مفاوضات فيينا فقد قيمته العملية، خصوصا بعد الزيارة الأخيرة التي قام بها جيك سوليفان مستشار الأمن القومي الأمريكي لإسرائيل، والتي كان الغرض منها إرسال رسالة قاطعة إلى الحكومة الإسرائيلية بأن تكف عن محاولة التدخل في وضع جدول أعمال مفاوضات فيينا، وتحذيرها من محاولة إفساد المفاوضات بطريقة أو بأخرى. وفي مقابل ذلك جرى التسليم لإسرائيل بالحصول على طائرات إعادة التموين بالوقود في الجو وطائرات هليكوبتر كانت الولايات المتحدة تعتزم تأجيلها.
وقد أعلنت وزارة الدفاع الإسرائيلية يوم 31 كانون الأول/ديسمبر أنها وقعت اتفاقا مع الولايات المتحدة بشأن الحصول على طائرتين من طراز «بوينغ كي سي-46» لتموين الطائرات بالوقود في الجو، إضافة إلى 12 طائرة هليكوبتر من طراز «سي اتش- 53 ك». وقال بيني غانتس وزير الدفاع أن الحصول على هذه الطائرات يمثل «نقلة استراتيجية مهمة في بناء قدرات سلاح الجوي الإسرائيلي» ومواجهة التحديات الاستراتيجية «البعيدة والقريبة المدى». وتتكلف صفقة الطائرات المذكورة حوالي 2 مليار دولار، منها 1.1 مليار دولار لطائرتي إعادة تموين الطائرات بالوقود في الجو، سيتم تدبيرها من أموال المعونة العسكرية الأمريكية لإسرائيل. ومن شأن حصول إسرائيل على طائرات إعادة التموين، التي طلبت الحصول على 6 منها، مضاعفة مدى طيران الطائرات اف- 35 وزيادة عدد ساعات الطيران في الطلعة الواحدة إلى 12 ساعة حسبما قال البروفيسور إيتان جلبوع الأستاذ في جامعة «بار ايلان» وزميل معهد جيروساليم للاستراتيجية والأمن. وقال جلبوع أن حصول إسرائيل على هذه الصفقة يمكن اعتباره تعويضا لها في حال توصل الولايات المتحدة إلى اتفاق مع إيران.
خيار الحرب
وبيان معهد واشنطن
جماعات الضغط الأمريكية الموالية للحكومة الإسرائيلية واصلت حملتها بإصدار بيان يطالب الإدارة الأمريكية بإعادة «خيار الحرب» إلى مائدة المفاوضات في فيينا. أهمية البيان الذي نُشِر في 27 كانون الأول/ديسمبر تعود إلى وزن الشخصيات الموقعة عليه، ودور كل منها وخبرته في صنع السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط. الموقعون على البيان هم ليون بانيتا الذي شغل سابقا منصبي وزير الدفاع الأمريكي ومدير المخابرات المركزية، والجنرال (متقاعد) ديفيد بيتريوس القائد الأسبق للقيادة العسكرية المركزية الذي شغل أيضا منصب مدير المخابرات المركزية الأمريكية، وميشيل فلورنوي الوكيلة السابقة لوزارة الدفاع للشؤون السياسية، وهاوارد بيرمان الرئيس السابق للجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب، ودينيس روس مساعد وزير الخارجية سابقا لشؤون الشرق الأوسط، وروبرت ساتلوف المدير التنفيذي لمعهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، وجين هارمان عضو لجنة المخابرات في مجلس النواب الأمريكي سابقا ورئيسة معهد وودرو ويلسون للدراسات السياسية. وعلى الرغم من أن البيان حاول تجنب الصدام مع المسار التفاوضي الحالي في فيينا، فإنه حذر الإدارة الأمريكية من «عدم كفاية الطريق الدبلوماسي والعقوبات الاقتصادية».
وجاء في البيان: «ولكي تنجح الجهود الدبلوماسية التي نبذلها لحل هذه الأزمة، نعتقد أنه من الضروري إحياء مخاوف إيران مجدداً من أن مسارها النووي الحالي سيدفع بالولايات المتحدة إلى استعمال القوة ضدها». و«تهديد بنيتها التحتية النووية بأكملها». ومن أجل توضيح النصيحة أكثر دعا البيان إلى اتخاذ «خطوات محددة يمكن أن تحقق الهدف المطلوب» موضحا أن تلك الخطوات قد تشمل قيام «القيادة المركزية الأمريكية» بمناورات عسكرية كبيرة، ربما بالاشتراك مع الحلفاء والشركاء، تحاكي ما يمكن أن تشمله عملية عسكرية فعلية، بما في ذلك التدريب على هجمات جو-أرض ضد أهداف محصنة وتعطيل بطاريات الصواريخ الإيرانية».
كما تناول البيان دور حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة قائلا أنه «سيكون من المهم أيضاً تزويد الحلفاء والشركاء المحليين وكذلك المنشآت والأصول الأمريكية في المنطقة بقدرات دفاعية معززة لمواجهة أي إجراءات انتقامية قد تتخذها إيران، مما يُظهر بالتالي قدرة الولايات المتحدة على التحرك عند الضرورة. ولعل الأهم من ذلك، أن وفاء الولايات المتحدة بالوعود التي سبق أن قطعتها لاستخدام القوة ضد الهجمات الإيرانية الأخرى، مثل الهجوم بطائرة بدون طيار الذي نفذته الميليشيات المدعومة من إيران ضد قاعدة التنف الأمريكية في سوريا، واحتجاز إيران غير القانوني لسفن تجارية، وقتل بحارة غير مسلحين، قد يكون له أثر مفيد يتمثل بتسليط الضوء على جدية التزامات الولايات المتحدة».
ونظرا لمكانة ودور الموقعين على بيان الدعوة للخيار العسكري ضد إيران، فإننا نفترض أنهم يعلمون تماما أن أسهل طريق لنسف المفاوضات وتعطيل الحل الدبلوماسي هو التهديد بالحرب، أو بالعودة بشكل أو بآخر إلى سياسة ترامب «الضغوط القصوى». ومن ثم فلا مجال للشك في أن الهدف من هذا البيان يصب في اتجاه تخريب المفاوضات وإسقاط الحل الدبلوماسي لصالح الحل العسكري، وهو ما يلتقي مع رغبة السياسيين الاسرائيليين المتشددين.
خلافات الأجهزة الأمنية الإسرائيلية
أشرنا في مقالات سابقة في هذه الصحيفة إلى وجود انقسام حاد في إسرائيل بشأن طبيعة التهديد النووي الإيراني، ففي مواجهة فرقة نتنياهو التي تعتبره «تهديدا وجوديا» أي مسألة حياة أو موت بالنسبة للدولة، يوجد فريق آخر من صناع السياسة والعسكريين الحاليين والسابقين منهم رئيس الوزراء الأسبق إيهود باراك، لا يعتبر التهديد النووي مسألة حياة أو موت، وإنما هو «تهديد استراتيجي خطير» تستطيع إسرائيل التعامل معه، ليس بكثرة التصريحات، ولكن بالاستعدادات الفعلية. وقد انفجر هذا الخلاف علنا في الأيام الأخيرة بين رئيس المخابرات العسكرية الجنرال أهارون هاليفا، ومدير الموساد ديفيد بارنيه. وتظهر المعلومات المتاحة أن هاليفا مدير المخابرات العسكرية أقرب إلى المعسكر الذي يؤيد التوصل إلى اتفاق من خلال المفاوضات يساعد على ابطاء البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح للجيش الإسرائيلي المزيد من الوقت لإعداد ضربات جوية ضد إيران. في حين أن بارنيه يتمسك بموقف راديكالي يرفض أي اتفاق ما لم يتضمن شروطا مشددة تضع إيران تحت رقابة قاسية حتى لا تتمكن من الحصول على سلاح نووي.
موقف الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن
حتى الآن وبعد ما يقرب من 6 أسابيع على استئناف المفاوضات لم يقدم الأوروبيون ولا الولايات المتحدة مقترحات منفصلة، ولا قدموا ردا على الورقتين اللتين قدمتهما إيران. أما خيار انسحاب الولايات المتحدة والقوى الأوروبية من المفاوضات، وهو الخيار الذي تتوهم إسرائيل إمكان حدوثه، فإنه في حقيقة الأمر أسوأ الخيارات التي يمكن أن يلجأ إليها المفاوضون الأمريكان والأوروبيون، كما أنه أبعد الخيارات عن الواقع، فإدارة بايدن لم تعد للمفاوضات لكي تنسحب منها.
ويعتبر البيان الصادر عن الدول الخمس ذات العضوية الدائمة في مجلس الأمن قبل يوم واحد من استئناف الجولة الثامنة من المفاوضات رسالة لا تخطئها العين بشأن تقييم الدول الخمس للتهديدات النووية على المستوى العالمي، تحذر من وهم اعتقاد أي طرف بأن في إمكانه «الانتصار في حرب نووية». ودعا البيان إلى منع الانتشار النووي وتخفيض ترسانات الأسلحة النووية في العالم. وإذا قرأنا هذا البيان التاريخي في سياق مفاوضات فيينا، فلا شك أنه يوجه رسالة لا لبس فيها لكل من إسرائيل وإيران.
القضايا العالقة
على الرغم من استئناف المفاوضات رسميا منذ أواخر تشرين الثاني/نوفمبر، فإنها لم تتحرك كثيرا إلى الأمام، منذ وضعت إيران موقفها مكتوبا في وثيقتين منفصلتين أمام القوى العالمية الرئيسية. ويمكن القول بأن المفاوضات الفعلية ستشمل ثلاث حزم من القضايا، الأولى تتمثل في «حزمة قضايا تقنية» تتعلق حصرا بالبرنامج النووي الإيراني، ومعايير وخطوات العودة إلى ما كان عليه الوضع قبل انسحاب الولايات المتحدة، من حيث كمية اليورانيوم المخصب، ونسبة التخصيب، وعدد أجهزة الطرد المركزي من الجيل الأول التي كان مسموحا، وكيفية التخلص من الكميات والأعداد الزائدة، وأجهزة الطرد المركزي المتطورة، ثم دور الوكالة الدولية للطاقة الذرية في ضمان التزام إيران بما يتم التوصل إليه من اتفاقات.
بعد ذلك تأتي «حزمة القضايا القانونية» التي ستكون أصعب قضايا المفاوضات على الإطلاق، وتتعلق بمعايير وقواعد وآليات شقين من المفاوضات، أولهما يغطي «نظام التحقق من رفع العقوبات وتحقيق الالتزمات» والثاني يشمل «الضمانات القانونية» ومدى تناسب رفع العقوبات مع الالتزامات التي تتحمل مسؤوليتها إيران. بالنسبة للشق المتعلق برفع العقوبات، وكيفية التحقق من ذلك، لا توجد حتى الآن آلية تم الاتفاق عليها للتحقق من ضمان رفع العقوبات، وما يرتبط بها من آليات في مجالات التجارة والتمويل ونقل التكنولوجيا. كذلك ما إذا كانت إيران ستصر على الحصول على تعويضات من الولايات المتحدة بسبب الأضرار التي تعرضت لها نتيجة «العقوبات غير القانونية» التي فرضتها الولايات المتحدة، وألحقتها بفرض عقوبات على أي طرف ثالث يخالفها ولا يلتزم بها. وربما تقترح إيران وضع آلية محددة للتحقق من رفع العقوبات والالتزام بذلك عند تعديل نصوص الاتفاق. وربما تقترح الولايات المتحدة أن تكون وزارة الخزانة الأمريكية المعنية بمراقبة تنفيذ العقوبات هي الجهاز المسؤول عن التحقق من الالتزام برفع العقوبات وضمان عدم الوقوع في أخطاء تنفيذية، وذلك كما جاء في تقرير لموقع «بوليتيكو» الأمريكي. «الضمانات» هي الشق الثاني والأهم في «حزمة القضايا القانونية» وتمثل واحدة من القضايا الشائكة حيث تتمسك إيران بوضع إطار قانوني ملزم لها، يمنع تكرار ما فعله دونالد ترامب في ايار/مايو 2018 من إعلان انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق من طرف واحد. وزير الخارجية الإيراني أمير عبد اللهيان قال بوضوح في حوار هاتفي مع جوزيب بوريل مسؤول السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي قبيل استئناف المفاوضات أن الولايات المتحدة «ليست دولة محل ثقة» ولذلك من الضروري وجود ضمانات قانونية قوية تمنع أي إدارة مقبلة من ارتكاب الفعل الذي ارتكبته إدارة ترامب. ويتطلب تحقيق طلب إيران بالحصول على «ضمانات قانونية» تحويل «الاتفاق النووي» إلى «معاهدة ملزمة» يصادق عليها الكونغرس الأمريكي، ولا يمكن تعديلها أو الانسحاب منها بقرار رئاسي. ولكن نظرا لضعف القاعدة التصويتية للديمقراطيين في الكونغرس، فإنه من الصعب تصور أن الرئيس بايدن يستطيع تقديم الضمانات التي تطلبها إيران. وقد يكون المخرج من ذلك هو صياغة اتفاق مرحلي قصير الأجل، يتم التصويت عليه في مجلس الأمن وتضمنه القوى العالمية الرئيسية، كما تتعهد إدارة بايدن سياسيا بعدم مخالفته.
أما الحزمة الثالثة فتتمثل في «حزمة القضايا الإجرائية» التي تشمل المدى الزمني للاتفاق، ودور الأطراف المختلفة في تيسير تنفيذ القضايا المشمولة بالاتفاق في الحزمتين الأولى والثانية. كذلك فإنه من الطبيعي أن يكون هناك إطار سياسي عام يتسم بالثقة واليقين لضمان نجاح المفاوضات في كافة جوانبها التقنية والقانونية والاجرائية. وهناك بلا شك موضوعات شديدة الصعوبة ستحتاج إلى الكثير من الوقت والمشاورات من أجل إيجاد حلول مقبولة ودائمة لها.
الموقف الإيراني
نهاية المفاوضات واضحة جدا في أعين القيادة الإيرانية. ونستطيع القول بأنها لن توافق على أي ترتيبات قد تلزمها بتقييد إرادتها في المستقبل، لأن هذا يتعارض مع «شرعية وجود النظام». وفي المقابل يمكن القول بأن إيران قد تكون مستعدة لقبول قيود ذات طابع «كمي» أو داخل «مدى زمني مؤقت» لكنها لن تقبل بقيود ذات طابع «كيفي» مثل التخلي عن البرنامج الصاروخي، أو ذات طابع زمني مطلق مثل التوقف عن تطوير التكنولوجيا النووية. وربما يكون لدى بعض الأطراف في إيران رهانات على تسوية بعض هذه القضايا في إطار إقليمي، على أساس التزامات «متزامنة» و«متبادلة» إقليميا، و«مضمونه دوليا» وليس من طرف واحد فقط.
ومن المهم ملاحظة أن إيران منذ استئناف المفاوضات هي الطرف الذي يمسك بكل خيوط اللعبة. فهي أصرت على استبعاد الولايات المتحدة من المشاركة في مائدة المفاوضات المباشرة، وحصلت على ما أرادت. وهي التي قدمت ورقة سياسية/اقتصادية تمثل حتى الآن الإطار الاستراتيجي للمفاوضات، كما أنها هي التي قدمت ورقة فنية- تقنية تقدم صورة لتطور البرنامج النووي الإيراني رغم سياسة «الضغوط القصوى» الأمريكية، وتبين مدى ارتباط التراجع عن التقدم الذي أحرزته برفع العقوبات. ولهذا فإن كل ما تردده الولايات المتحدة والقوى الأوروبية الرئيسية بشأن «التحذير من أن الوقت ينفد، وأن نافذة المفاوضات ليست مفتوحة إلى ما لا نهاية» هو مجرد تحذير عقيم لأنها تعلم أن استئناف المفاوضات لم يرتبط حتى الآن بجدول زمني محدد. المدى الزمني الذي يمكن أن نتطلع إليه هو الفترة من ايلول/سبتمبر إلى تشرين الثاني/نوفمبر، على أحسن تقدير، هذا اذا أرادت طهران أن تقدم للرئيس بايدن هدية قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس.