مفاوضات مصر وصندوق النقد الدولي: عامر لن يكون الضحية الأخيرة

الملف الرئيسي الذي يؤرق الحكومة المصرية في الوقت الحاضر هو ملف المفاوضات مع صندوق النقد الدولي؛ فلا بديل عنها للحصول على شهادة صلاحية من الصندوق، تؤهلها للاقتراض مصحوبة بقرض جديد، يقدره بنك غولدمان ساكس بحوالي 15 مليار دولار، بينما تقول الحكومة أنه يقل عن ذلك بكثير، لكن وزير المالية رفض الكشف عن المبلغ الذي طلبته الحكومة من الصندوق. ولذلك فإنه بمجرد تسمية القائم بأعمال محافظ البنك المركزي، بعد استقالة المحافظ السابق طارق عامر، فإن رئيس الوزراء سارع إلى عقد اجتماع ثلاثي ضمه مع كل من الدكتور محمود محيي الدين محافظ مصر والمجموعة العربية في صندوق النقد الدولي، وحسن عبدالله القائم بأعمال محافظ البنك المركزي لمناقشة سير المفاوضات مع الصندوق، وتقييم فرص حصول مصر على القرض في أسرع وقت ممكن، اليوم قبل غدا، أو قبل نهاية العام الحالي. ملف المفاوضات مع الصندوق ليس الوحيد الذي يؤرق الحكومة، لأن السياسة الاقتصادية كلها أصبحت في حاجة إلى مراجعة جادة، خصوصا مع فرض سياسة «الإظلام الجزئي» رغم الفائض في إنتاج الكهرباء، وعودة السوق السوداء للدولار، واتساع الفجوة في أسعار الفائدة بين سعر الأساس لدى البنك المركزي والعائد على أذون وسندات الخزانة، والتخبط في السياسة التجارية وأدوات تمويل الواردات، ونزوح الأموال الساخنة عن محافظ الاستثمار في الأوراق المالية المصرية، والركود العميق في القطاع غير النفطي، والارتفاع الحاد في معدل التضخم، خصوصا في سلع الفقراء، الذي تجاوز 20 في المئة. تشابك هذه الملفات والفشل في حلها أدى إلى التعديل الوزاري الأخير، الذي أطاح بعدد من الرؤوس، ثم جاء الدور على محافظ البنك المركزي، الذي لم يكن أول الضحايا ولن يكون آخرهم.

ثلاثة توجيهات رئاسية

بعد قرار التكليف التقى الرئيس عبد الفتاح السيسي، القائم بأعمال محافظ البنك المركزي الجديد حسن عبد الله، وأصدر إليه ثلاثة توجيهات رئيسية للالتزام بها في مهمته الجديدة. التوجيه الأول هو تطوير السياسة النقدية لتتواكب مع المتغيرات الاقتصادية العالمية، وهو ما يمكن تفسيره بالحاجة إلى رفع أسعار الفائدة، بما يتماشى مع الاتجاه العالمي. التوجيه الثاني هو العمل على توفير مصادر متنوعة للموارد من العملات الأجنبية. وفي هذا السياق فإن دور البنك المركزي يتوقف عند حدود استخدام سعر الفائدة، بما يجذب المزيد من الأموال الساخنة إلى السوق مرة أخرى، حيث أن معظم موارد النقد الأجنبي تقع خارج نطاق سيطرة البنك المركزي. أما التوجيه الثالث فهو أن يعمل على توفير المناخ الملائم للاستثمار. والحقيقة أن دور البنك المركزي في ذلك يرتكز على ثلاثة عناصر، الأول هو توفير القدر الملائم من الاستقرار في السياسة النقدية حيث أن عدم الاستقرار يمثل أهم العوامل الطاردة للاستثمار الأجنبي، والثاني هو المحافظة على معدل منخفض للتضخم في مصر بما يحفظ العائد على الاستثمار من التآكل، فالتضخم هو أيضا من العوامل الرئيسية الطاردة للاستثمار الأجنبي. العامل الثالث هو أن يقدم البنك المركزي للمستثمرين الأجانب العائد الكافي لجذبهم وإبقاء أموالهم في السوق المصرية. لكن زيادة أسعار الفائدة بهدف جذب الأموال الساخنة يعني زيادة انكماش القطاع غير النفطي، وزيادة تكلفة الدين الحكومي بنسبة تصل حاليا إلى 25 في المئة تقريبا، حسب تكلفة الاقتراض بأذون وسندات الخزانة.
وعلى الرغم من أن البنك المركزي قرر في اجتماع يوم الخميس 18 اب/أغسطس إبقاء سعر الفائدة على ما هو عليه بمعدل 11.25 في المئة، ربما لتجنب الربط المباشر مؤقتا بين استقالة المحافظ وبين اتجاه أسعار الفائدة، فإن هذا القرار لا قيمة له من الناحية الفعلية، حيث تجاهلته قوى السوق المختلفة بما فيها البنك المركزي ووزارة المالية والبنوك المؤهلة للاكتتاب في أذون الخزانة. وطبقا للتسويات الأولية للاكتتاب في أذون الخزانة المقبولة من وزارة المالية في اليوم نفسه، فإن الوزارة اقترضت من البنوك ما قيمته 16.2 مليار جنيه لأجل 364 يوما بسعر فائدة بلغ في المتوسط 16.6 في المئة بزيادة مقدارها 5.3 نقطة مئوية عن سعر الأساس لدى البنك المركزي، وهو ما يرفع تكلفة الدين الحكومي بنسبة 47 في المئة مقارنة بسعر الأساس. واقترضت أيضا حسب تسويات اليوم نفسه 7.7 مليار جنيه لأجل 6 أشهر، وهي نصف القيمة التي كانت قد طلبتها، بسعر فائدة يبلغ 16.36 في المئة. وفي السياق نفسه فإن العائد على سندات الخزانة المصرية لأجل 10 سنوات، المتداولة في أسواق المال العالمية سجل في اليوم نفسه 18.497 في المئة، أي ما يزيد عن العائد المحدد بواسطة البنك المركزي بمقدار 7.247 نقطة مئوية بنسبة زيادة تبلغ 64.41 في المئة. هذا يؤكد أن العائد على الاستثمار بالجنيه المصري المحدد بواسطة البنك المركزي لا قيمة له في السوق، وهو ما يجعل السياسة النقدية كلها بلا مصداقية.

ماذا يجري في كواليس الصندوق؟

منذ عام 2016 تعاني الحكومة المصرية من داء إدمان القروض الأجنبية والشراهة في الاقبال على التمويل بالاستدانة محليا وخارجيا. وبمجرد انتهاء برنامج الاستعداد الائتماني الأخير بقيمة 5.2 مليار دولار في حزيران/يونيو من العام الماضي، تقدمت الحكومة إلى الصندوق بطلب للتفاوض من أجل برنامج للمساندة المالية، وان كانت قد حاولت نفي ذلك قائلة بأن كل ما تريده هو الحصول على «مساندة فنية». غير أنه تبين بمرور الوقت انها تسعى للحصول على قرض كبير من صندوق النقد الدولي. وقد جرت لقاءات أولية بين خبراء الصندوق ومسؤولي الحكومة المصرية، تضمنت تقييم فعالية القروض السابقة ومدى نجاحها في تحقيق أهدافها، وتقييم التحديات التي تواجه الاقتصاد المصري حاليا، وتحديد طبيعة الإصلاحات الضرورية للتقدم على طريق الإصلاح.
وقد تضمن التقييم بحث ما إذا كانت أهداف اتفاقية التمويل خلال 12 شهرا حتى حزيران/يونيو 2021 قد تحققت، وما إذا كانت استراتيجية توازن الاقتصاد الكلي، وتفاصيل البرنامج والتمويل ملائمة للتعامل مع التحديات التي كانت تواجه مصر في ذلك الوقت، وما إذا كان برنامج التمويل متوافقا مع سياسات الصندوق، بهدف إخلاء مسؤولية الصندوق عن القصور في تحقيق الأهداف المرجوة.
وقد انتهى التقييم إلى أن اتفاقية «الاستعداد الائتماني» الأخيرة حققت أهدافها في المحافظة على استقرار التوازن الاقتصادي الكلي. وأن السياسة التنفيذية كانت متوافقة إلى حد كبير مع احتياجات البرنامج، لكن مرونة سياسة سعر الصرف ظلت محدودة. كما ساعدت اتفاقية الاستعداد الائتماني على تعزيز الثقة في الاقتصاد محليا وخارجيا، وتحققت الأهداف الكمية للاتفاق بيسر، وتم تنفيذ الأهداف الهيكلية لاتفاقية الاستعداد الائتماني طبقا للبرنامج.
ومع ذلك فإن نظرة صندوق النقد الدولي إلى مستقبل الحالة المصرية تتضمن مجموعة متطلبات أساسية أهمها الحاجة للسير على طريق إجراء إصلاحات عميقة لتعزيز دور القطاع الخاص في التنمية، وتحسين نظام حوكمة القرار والإدارة، وتقليل دور الدولة في الاقتصاد. ويعتبر الصندوق أن هذه المتطلبات الضرورية تمثل شروطا لازمة لأي اتفاق تمويلي جديد. هذه الشروط تمثل «معايير نوعية» جديدة تختلف عن «الأهداف الكمية» التي كانت الحكومة تنجح في طبخها بألاعيب محاسبية، ومن ثم فإنها تعتبر تحديا ثقيلا يواجه السياسة الاقتصادية للحكومة.
ولاحظ مجلس مديري الصندوق أنه على الرغم من نجاح تحقيق أهداف برنامجي التمويل السريع (2.8 مليار دولار) والاستعداد الائتماني (5.2 مليار دولار) خلال العامين الأخيرين، فإن توفير قدر أكبر من المرونة في نظام أسعار الصرف كان يمكن أن يبني قوة أكبر لمواجهة عوامل عدم التوازن الخارجي، وتسهيل إجراءات التكيف أو التلاؤم مع الصدمات. وفي هذا السياق رحب الصندوق بالإجراءات التي اتخذتها الحكومة في 21 اذار/مارس 2022 من أجل إضفاء مرونة أكبر على نظام سعر الصرف.
وأكدت إدارة الصندوق في ختام تقييمها للوضع الاقتصادي بأن مصر ما تزال معرضة للمخاطر والتهديدات. وحددت مصادر تدهور الاقتصاد وضعف قدرته على التحمل في مجالين أساسيين هما المستوى المرتفع للدين الحكومي، وضخامة متطلبات التمويل.
وأكد مديرو الصندوق في تقييمهم الذي يمثل حاليا خط الأساس لأي قرار بتقديم قرض جديد لمصر، أن تحقيق تقدم جوهري في حالة الاقتصاد يتطلب إدخال إصلاحات مالية وهيكلية عميقة، بما يؤدي إلى تعزيز القدرات التنافسية، وتحسين الشفافية والمساءلة وحوكمة الإدارة، وزيادة قدرة الاقتصاد على تحمل الصدمات، وأن هذه التوصيات يجب أن تتصدر المناقشات الجارية بشأن طلب الحكومة المصرية الحصول على قرض جديد من الصندوق.

الاقتراض والتضخم والثروة

ومع ذلك فإن إدمان الحكومة للاقتراض، يمكن أن يقوض احتمالات أي نجاح في إدخال إصلاحات اقتصادية فعالة، فلا رفع سعر الفائدة سيكون مجديا، نظرا لأن الحكومة أصبحت المصدر الأول للانفاق وزيادة كمية النقد المتداول في السوق، ولا تخفيض الجنيه سيعجل بعلاج العجز والاختناقات التجارية والمالية، نظرا لأن الانفاق الحكومي لا يتجه إلى بناء وتوسيع الطاقات الإنتاجية وزيادة عرض السلع في السوق. ويعتبر الاقتراض واحدا من العوامل المغذية للتضخم، نتيجة إتاحة أموال كثيرة في السوق بدون مقابل عيني مكافئ لها. كما يعتبر أحد محركات إعادة توزيع الثروة لأن تخصيص الموارد المالية الإضافية ينطوي على تمييز لصالح الذين يحصلون على دخلهم من عائد الأصول العينية، على حساب الذين يحصلون على دخلهم من العمل أي من الأجور. ومع زيادة معدل التضخم، وسرعة تداول النقود، يصبح التضخم ظاهرة هيكلية في الاقتصاد، وليس مجرد ظاهرة مؤقتة أو طارئة بسبب ارتفاع مؤقت في تكاليف الإنتاج أو اختناقات في العرض. ولهذا فإن الدول المقترضة من صندوق النقد الدولي تخرج من أزمة إلى أزمة. ويوصي الصندوق بحل هذه الأزمات عن طريق مزيد من التقشف من خلال زيادة أسعار الوقود، وإلغاء الدعم، وتقليل عدد الوظائف في الجهاز الإداري للدولة، بحجة تقليل الإنفاق لتقليل معدل التضخم. ومع تكرار دورة الاستدانة بسبب الفشل المتكرر تزداد حدة الفقر، ويتم اعتصار دخول الفقراء والطبقة الوسطى وأصحاب المعاشات وذوي الدخل الثابت عاما بعد آخر، وعندما لا يكفي كل ذلك لسداد الدين، فإن الحكومة تلجأ إلى الصندوق للاستدانة من جديد، وتبيع الأصول العينية المدرة للدخل، التي تغذي الميزانية.
وعندما يرتبط الحصول على القروض بتخفيض قيمة العملة المحلية، فإن ذلك يؤدي إلى تخفيض مستوى الدخل بشكل عام للمجتمع ككل. على سبيل المثال فإن الناتج المحلي الإجمالي للسنة المالية 22/23 (حوالي 9 تريليون جنيه) مقوما بسعر للدولار يساوي 16 جنيها، يصبح 562.5 مليار دولار. ولكن مع زيادة سعر الدولار إلى 21 جنيها فإن قيمة الناتج المحلي تصبح 428.6 مليار دولار تقريبا، بما يعني انخفاض قيمة الناتج عن تقديرات الموازنة بحوالي 133.9 مليار دولار أي بنسبة 23.8 في المئة مقارنة بالتقدير الوارد في الموازنة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية