تختزنُ محادثات الدوحة غير المباشرة بين المفاوضَين الأمريكي والإيراني إرادة متبادلة بعدم تفجير مسعى مفاوضات فيينا للعودة إلى الاتفاق النووي والتزام الذهاب إلى التنفيذ الكامل له. لا يريد أي مِن الطرفين أن يجدَ نفسه مضطراً لنعي المفاوضات وإعلان الوصول إلى نهاية فاشلة، لذا تبدو الرغبة مشتركة بإبقاء الروح فيها. يمكن القول إن هذا الهدف أمَّنَه فَتْحُ مسار الدوحة الذي استضاف الجولة الأولى وستليها جولات أخرى.
ما يتمُّ التأكيد عليه أن محادثات الدوحة المحصورة بين الأمريكيين والإيرانيين لوحدهما ليست بديلاً عن محادثات فيينا، وأنها وُجدت لتذلِّل العقبات من أمامها بمبادرة من الاتحاد الأوروبي حيث تولّى منسق شؤون المفاوضات الأوروبي إنريكي مورا دور الوسيط في الجولة الأولى، فيما جلس المبعوث الأمريكي الخاص بشأن إيران روبرت مالي وكبير المفاوضين الإيرانيين علي باقري في غرفتين منفصلتين وتبادلا الاقتراحات والرسائل المكتوبة.
ولكن بعض المراقبين يرون أن مسار الدوحة يُعطي الطرفين حرية أكبر في التفاوض بعيداً عن التأثير الحاد للقوى الأخرى المنخرطة في الاتفاق النووي من روسيا والصين والأوروبيين، خصوصاً في خضم الضغوط التي تفرضها الحرب الروسية على أوكرانيا وتداعياتها على مستقبل التحالفات الإقليمية والدولية. ويذهبون إلى أن مسار الدوحة قد لا يقلُّ أهمية عن مفاوضات مسقط السرية التي آلت إلى إبرام الاتفاق النووي عام 2015. ولا يغفلون في قراءتهم أن يكون المسار القطري بمنزلة تحضير الأرضية لالتقاط اللحظة المناسبة من الجانبين للإعلان عن اختراق كبير بالجلوس وجهاً لوجه إلى طاولة واحدة في محادثات مباشرة. وهو الأمر الذي لا يزال يُنظر إليه إيرانياً على أنه من المحرَّمات. كان لافتاً ما اعتبره نائب رئيس البرلمان السابق علي مطهري، وهو نجل منظّر الثورة الإسلامية الإيرانية رجل الدين الراحل مرتضى مطهري من أن تقليل الأطراف الوسيطة في مفاوضات الدوحة «مؤشر على ظهور العقلانية في نظام الجمهورية الإسلامية» وهو إذ حث بلاده على التفاوض مباشرة مع واشنطن لحلحلة القضايا الخلافية، رأى في «تغريدة» له على «تويتر» أنه «لم تبقَ سوى خطوة واحدة للمفاوضات المباشرة مع الولايات المتحدة لاستيفاء حقوقنا منها، من دون الحاجة إلى أخذ المصالح الروسية والصينية والأوروبية بعين الاعتبار. هذا ما كان ينبغي فعله قبل سنوات، لكن إطلاق الشعارات والتشدُّد في مقارعة أمريكا حالا دون ذلك».
وتلفت في هذا السياق الباحثة والأستاذة الجامعية الأردنية، المختصة في الشأن الإيراني فاطمة الصمادي، إلى وصف صحيفة «كيهان» الإيرانية ذات التوجُّه الأصولي نقل المفاوضات النووية إلى الدوحة، بأنه «فخ ومكافأة للولايات المتحدة الأمريكية» وترى أنَّ ذلك «مؤشر واضح على أن القرار لم يخرج من بوتقة صنع القرار السياسي الإيراني إلا بعد نقاش وتجاذب، وأن القرار الذي نضج داخل المجلس الأعلى للأمن القومي كان له معارضون قرأوا فيه مخاطر استراتيجية، لعل من أبرزها التفرُّد بإيران والفصل ما بينها من جهة، وبين روسيا والصين من جهة أخرى؛ وهو ما يعني إجهاض سياسة التوجُّه شرقًا والسعي لبناء تحالفات من شأنها أن تُبطل تأثير العقوبات أو تحييده. لكن المدافعين عن القرار وضعوه في إطار الحسابات الاستراتيجية الدقيقة التي تستجيب للمصالح الوطنية، وتتجّه، وفق استنتاجاتها، لما هو أبعد من الاتفاق النووي».
يربط منظّرو «محور إيران» بين ولادة مسار الدوحة وزيارة الرئيس الأمريكي جون بايدن إلى الخليج وإسرائيل ومحاولات إخراج «ناتو» شرق أوسطي إلى حيِّز النور. بالنسبة إلى هؤلاء المنظّرين، لا تكمن العقدة الحقيقية في الجوانب التقنية والقانونية للاتفاق، ولا في ما يُعلن عن وصول إيران إلى العتبة التقنية التي تخوّلها إنتاج قنبلة نووية، ولا في الخلاف حول آليات المراقبة وغيرها من العقبات، ولا حتى في المطالب الإيرانية التي قُدمت حول رفع الحرس الثوري الإيراني عن قائمة «المنظمات الإرهابية الأجنبية» التي تعتمدها واشنطن، ولا في طلب الضمانات بعدم انسحاب الولايات المتحدة مستقبلاً من الاتفاق. فكل تلك العناوين تجد طريقها إلى الحل بسلاسة عند توفُّر القرار السياسي لدى الجانبين الإيراني والأمريكي. ويعزو «منظّرو إيران» تأخّر القرار، على الضفّتين، إلى الحسابات الاستراتيجية لكل من الطرفين، ومصلحة كل منهما بالعودة أو عدم العودة إلى الاتفاق، وانعكاس ذلك على واقعهما الداخلي.
تُدرك إيران التعقيدات التي تقود إليها الحرب الروسية على أوكرانيا. وهي كانت في الباطن سبباً رئيسياً في عرقلة الاتفاق في اللحظات الأخيرة في آذار/مارس الماضي بعدما حققت مفاوضات فيينا تقدماً جعل الأطراف المعنية بالاتفاق النووي الإيراني قريبة جداً من الوصول إلى إعلان إنجازه. لكنها ترى أن تلك الحرب تُشكِّل فرصة ثمينة لها، ليس فقط للإفادة القصوى من المزايا الاقتصادية للاتفاق المبرم عام 2015، بل لتكريس مكتسبات على صعيد نفوذها ودورها الإقليميَّين.
فالقراءة الإيرانية تنطلق من أن بايدن الذي لا تزال لديه سنتان ونصف السنة في الحكم، وهو غير قادر وحزبه الديمقراطي على تصعيد المواجهة في وجه طهران بما يؤدي إلى دفعها بالكامل إلى الحضن الصيني والروسي وخسارتها من جديد، وأن أوروبا الغارقة في أزمة الطاقة، على أبواب شتاء قارس، باتت تتطلع إلى إيران من زاوية البحث عن بدائل للغاز الروسي، وليس فقط بوصفها سوقاً تجارية تريد العودة إلى الاستثمار فيه. تراهن إيران على ورقة الاصطفاف في الوسط ما بين أمريكا والغرب من جهة، والصين وروسيا من جهة أخرى. تظن بأن ذلك يعطيها القدرة على تعزيز أوراقها أكثر في الصراع الدولي الكبير لرسم معالم النظام العالمي على مدى العقود المقبلة.
في رأي «منظّري المحور» أن إيران مرتاحة اليوم على وضعها في الإقليم. فهي جلَست وضعها في العراق مع انسحاب التيار الصدري من العملية السياسية وتبوُّء «الإطار التنسيقي الشيعي» المتحالف معها للمشهد، وحال الحوثيين متماسكة في اليمن الذي تجددت فيه الهدنة، وتَعَزَزَ موقعها في سوريا مع إعادة التموضع العسكري لروسيا المنشغلة في حربها على أوكرانيا، وتُمسك بورقة ترسيم الحدود اللبنانية مع إسرائيل عبر «حزب الله». وإلى هذا، فإن قدراتها على التصدير زادت، وسعر برميل البترول ارتفع، وما عادت تعيش حجم الخناق الاقتصادي السابق. وتعتبر أنها في لعبة شد الأصابع أقدر من غيرها.
لكن تلك القراءة التفاؤلية لواقع إيران تغيب عنها عناصر عدّة تُشكِّل عوامل ضعف وتحدٍ لها، من حرب الظل المتفاقمة مع إسرائيل والوضع المعيشي والاقتصادي والحياتي الذي يواجه شعبها، ورخاوة الأرض في مناطق تمدد نفوذها غير القادرة على التحكم بها، والتي تُنذر بالانفجار في أي لحظة، والأهم تغيب عنها السردية العقائدية التي ترتكز عليها في حماية نظامها عبر حربها مع «الشيطان الأكبر» وفي التوجه شرقاً لتكوّن مع روسيا والصين لاعباً فاعلاً في تغيير نظام القطب الواحد.
ما هو أكيد أن طهران ستنتظر ما ستؤول إليه زيارة بايدن إلى المنطقة، وحجم التحديات التي ستكون ماثلة أمامها لتعود بعدها إلى جولة جديدة، وربما جولات، في المسار التفاوضي الذي فُتح في الدوحة بروح من «اللاسلبية» وإرادة جامعة من الطرفين بعدم الذهاب الى الحرب والحفاظ على خيط الوصل بطريقة أو أخرى. على الأقل، هكذا يرى «منظّرو المحور» مسار الدوحة الذي مِن المبكر الحكم عليه وعلى ما يمكن أن يحمل معه في قابل الأشهر الصعبة.