للسينما الفلسطينية موضوعات رئيسية، من بين أكثرها حضوراً موضوع «الأسرى»، في أفلام روائية طويلة وقصيرة ووثائقية. والموضوعات تختلف باختلاف مجتمعات الفلسطينيين في البلد والشتات، التي يتناولها الفيلم. فيلمنا هذا كالعديد من تلك التي تتناول مجتمع الضفة الغربية، قاربَ موضوع «الأسرى» إنّما في مرحلته التراوميّة.
فيلم بسام جرباوي الذي عُرض في قسم «أيام فينيسيا» في مهرجان «فينيسيا السينمائي» عام 2018 ومؤخراً في مهرجان السينما الفلسطينية في مدينة تولوز الفرنسية «سينيبالستين»، أتى بموضوع متداوَل في السينما الفلسطينية – وهذا بحد ذاته تحدٍّ – إنّما بمقاربة فنّية وسيكولوجيّة لافتة.
لا يمكن القول إن في الفيلم حكاية تتطوّر، بل حالة ذهنية نعيشها مع زياد (زياد بكري)، الأسير المحرر، وكانت هذه الحالة خطاً سردياً لا يتطوّر، هو عالق مكانه، تماماً كما هي حالة زياد النفسية والاجتماعية، منذ خرج من الأسر، إذ يدور السرد حوله كما يدور هو، كشخصية، حول نفسه بدون أن يجد مخرجاً، وبدون أن تأخذ الشخصية الدرامية مسارها إلى الخارج، خارج المأزق/المتاهة التي دخل إليها بخروجه من المعتقل.
وكي يُدخلنا كاتبُ الفيلم ومخرجه في هذه الحالة، كان لا بد من مبرّر حكائي سريع تصنعه أحداث تتتابع وتبرّر ما يليها، وكان ذلك في الربع ساعة الأول من الفيلم، إذ شاهدنا أحداثاً تتحرّك وتتقدّم، كأنّ الفيلم بدأ من ذروة وانتهى عند أخرى (هي نهاية صداميّة ذكيّة للفيلم)، والفيلم هو الخيط الرّفيع الرّتيب بالقدر الذي تحتاجه الحالة السيكولوجية لزياد كي تصل لمُشاهد الفيلم، هو الخيط المشدود والواصل بين الذروتين، إحداهما تشدّ والأخرى تُرخي، تماماً كما يفعل المفكّ.

يبدأ الفيلم بشباب فلسطينيين في سيارة إسرائيلية مسروقة. أحدهم يتلقى رصاصة من مجهول فيُقتل. يقرر زياد الانتقام له فيطلق لاحقاً رصاصة على مجهول أمام سيارة بلوحة صفراء، نعرف أنّه فلسطيني وقد ظنّه زياد وأصدقاؤه مستوطناً إسرائيلياً، بعدها، بعد 15 عاماً يخرج زياد من المعتقل فيقدّم الفيلمُ ما حضّرت له الأحداث. يبدأ الفيلم حين تنتهي هذه الأحداث وندخل في حالة التراوما عند زياد، ندخل في رأسه، هي حالة يسبّبها الاعتقال ويكملها المجتمع الفلسطيني الذي يدخل زياد إليه خارجاً من سجنه.
يأتي ذلك بأداء لافت من زياد بكري، وإخراج أدخل المُشاهد في «الفيرتيغو» والصداع الذي رافق زياد على طول الفيلم، بلقطات مقطعيّة متكرّرة ومشاهد قصيرة وسريعة، باستخدام ذكي للصوت، للضجة وكذلك للموسيقى، كأنّها خارجة من رأس الأسير المحرّر الذي استبدل السجنَ بغرفته على السطح، والغرفة برأسه، كأنّ الأصوات في الفيلم صادرة عن صداعه، وبالتالي هي انعكاس لحالته السيكولوجية من اللحظة التي خرج فيها من سيارة جيب عسكرية في أحد الشوارع الفرعية المؤدية إلى مدينة رام الله ومخيم الأمعري.
في الفيلم لا نشاهد أزمة الأسير المحرر مع الآخرين، بل أزمتهم هم مع فكرة الاعتقال أولاً، ومع تجسيد ذلك بالأسرى المحررين كأفراد ثانياً وانعكاس ذلك على الأسير الفرد.
خرج زياد كمُنتَج للمُعتقَل الإسرائيلي ليكون سلعة للمجتمع الفلسطيني في رام الله، المجتمع الذي تكوّن خلال السنوات الخمس عشرة الأخيرة، حيث الاستهلاك والقشور و»الإن جي أوز» والبنوك والقهوة المثلّجة، حيث الأرقام التي أربكت زياد حين اضطرّ لفتح حساب في البنك (رقم التذكرة، رقم التليفون، رقم الهوية)، لكن أكثر ما تغيّر عليه وقد أمضى كل تلك السنوات ليجنّب رفاقَه الاعتقال، هو تطوّر حياة كل منهم خارج السياق المفترض، أو الذي توقّعه هو، لمجموعة شباب عايشوا الانتفاضة الثانية، إذ تكيّف كلٌّ منهم مع استهلاكية المجتمع، بل صاروا بأشغالهم واهتماماتهم نتاجاً لذلك المجتمع ومصنّعين له في الوقت ذاته، وصاروا مستهلكي الأسير المحرّر، صديقهم.
زياد البطل سُلّع في بطولته، غرباء يحيّونه، يأخذون سيلفي معه، ينادونه بالبطل، إحداهن تريد أن تصنع فيلماً وثائقياً عنه، أخرى موفدة من مؤسسة «عناية» الخاصة بالأسرى المحررين، تزيد من صداعه.
إشارات عدّة تمر في الفيلم تتعدى بانتقادها المجتمع الفلسطيني (في رام الله والضفة الغربية) إلى السلطة الفلسطينية التي أسست ورعت كل ما وصل إليه المجتمع هناك، نذكر مشهداً لرجال شرطة يسجلون مخالفة لأسير سابقٍ يبيع أحذية على عربة، صارخاً فيهم بأنه لم يجد ما يفعله غير ذلك ولم ترعَه السلطة إثر «تحرّره».
عاش زياد منذ خروجه انفصاماً اضطرّ للتعامل معه حتى اللحظات الأخيرة من الفيلم، حيث سيجد مَخرجاً مفترضاً (المفك الذي يرخي)، هو انفصام بين حقيقة أنه إنسان عانى من الاعتقال لسنوات طويلة، وكونه بطلاً «صمدَ» في الاعتقال كل تلك السنوات، هي بين الكيفية التي يرى نفسه بها وتلك التي يراه بها الآخرون. أمام الكاميرا يتّخذ الخطاب التضامني مع الأسرى، شعارات وطنية تجعل من الأسرى كتلة واحدة هي وسيلة كفاح وطني، يحكي ما يريده ويتوقّعه الآخرون/المشاهدون. يشرب كأس ويسكي ويرفض أن يُصوَّر به لأن ذلك لا يليق بأسير (بالنسبة للمجتمع)، لكنّه يكرع كأسين من الكوكاكولا مع أصدقائه، علناً، إثر خروجه، ممهّداً للحالة الاستهلاكية التي يَدخُل/يُدخَل إليها.
في الفيلم لا نشاهد أزمة الأسير المحرر مع الآخرين، بل أزمتهم هم مع فكرة الاعتقال أولاً، ومع تجسيد ذلك بالأسرى المحررين كأفراد ثانياً وانعكاس ذلك على الأسير الفرد، فهم لا يرون فيه سوى ما يريدون استثماره، سوى ما يريح ضمائرهم: بطلاً للاستهلاك المحلي.
٭ كاتب من فلسطين ـ سوريا