محمد البوزيدي
شكلت الفنون منذ القديم وسيلة مهمة للتعبير عن مكنونات الانسان الداخلية سواء تجلت في خفقان قلب أو حزن أو غزل أو وصف… بل وصلت درجة خاصة لتكون فضاء للتعبير عن مواقف معينة خاصة في الجانب السياسي لدرجة أن بعض الفنانين تعرضوا لعقوبات شتي جزاء علي ابداعاتهم الفنية كتابة أو رسما أو لحنا بل منهم من تعرض للاغتيال ـ ناجي العلي الفلسطيني ـ ناهيك عن المحاصرة في الوطن ـ الشيخ امام بمصر ـ والنفي القسري منه ـ سعيد المغربي ـ… والقائمة طويلة في هذا الاطار، أما المنع من تنظيم الحفلات والأنشطة فحدث ولا حرج وآخرها منع مارسيل خليفة في بحر هذه السنة من تنظيم حفلة بتونس.
ومنذ بداية القرن الماضي بدأت الموسيقي كأبرز أنواع الفنون تأخذ وظيفة لم تكن معهودة من قبل علي مر التاريخ حيث ظهرت أنواع جديدة من الأغاني والألحان غير المألوفة من قبل، فجذبت آلاف المستمعين الذين تعاطفوا معها لانفرادها بمواضيع جديدة لعل أبرزها الحديث عن الوطن من غير المنظور الرسمي، وضرورة مقاومة المحتل.. ومخاطبة الطبقات الكادحة.. وغيرها من المواضيع الغائبة في الاعلام الرسمي العربي.
ويمكن تحديد بوادر ظهور هذه الأغنية الجديدة مع الفنان المصري سيد درويش وانتشرت بعد ذلك في أقطار أخري كما نجد عند الفنان المغربي الحسين السلاوي أغنيات صورت ونقلت بدقة جيدا معاناة المواطن وصراعه مع الحياة في ظل الاستعمار الذي رزحت في ظله أغلب الدول العربية بتواطؤ مع الأنظمة القائمة.
اشكالية التسمية هذه الأغنية الجديدة أثارت نقاشا كثيرا حول الاسم، فالتسمية المشهورة هي الأغنية الملتزمة رغم تحفظ أغلب الفنانين علي هذا الاسم لكونها قد تبدوـ من منظورهم ـ خارج السياق المجتمعي العام، بل يصرون أنها أغنية مثل باقي الأغاني حيث تبقي الصلاحية للمتلقي للتفاعل معها واختيارها.
ويطلق عليها بعض النقاد الأغنية السياسية لطغيان الهاجس السياسي عليها مباشرة أو غير مباشرة في مواضيعها أو مختلف مقارباتها.
لكن أغلب الفنانين يفضل تسميتها بالأغنية الجديدة لاعتبارات عديدة يلخصها الفنان سعيد المغربي بقوله: هذه الأغنية عمل فني وغنائي جديد، أي أن التطور الطبيعي الذي عرفته الأغنية العربية، والمآل الذي وصلت اليه كان سبيلا وقاعدة لنهوض جديد، هذا النهوض لا يستطيع موسيقيو الأنظمة أن يتبنوه أولا: لغياب هذا الهم لديهم، فالأغنية العربية في نظر هؤلاء لا ينقصها شيء فهي أغنية لن تلمسها يد خارج ماهو متعارف ومتعاقد عليه طيلة الحقب التاريخية الماضية. ثانيا: العجز عن التجديد والتطور الذي تفسره ضحالة المستوي العلمي والمعرفي ثم تعويض هذا الفراغ بالتحجر ومناهضة أي عمل تنويري جديد. ثالثا: الارتباط بجهاز الدولة الذي يجبرهم علي التكاسل وتلبية رغباتها داخل مسلسل التعويم والضبابية وقتل روح الابتكار وهذا ماحال دون مواصلة الاجتهاد والتقدم الموسيقي الذي كان من المفروض أن تكون الأغنية العربية سباقة اليه. فاذا كان اذن جوهر وجود هذه الأغنية التقدمية أساسه في بداية الأمر المأساة الاجتماعية والسياسية التي نحياها في مجتمعاتنا العربية، فان تلك الأغنية أصبحت بدافع الاجتهاد والبحث والدراسة والتملك العلمي قادرة علي اخراج الأغنية العربية من سباتها. ومنذ بداية الستينات انتعش هذا النوع الراقي من الغناء ليبلغ أوجه في السبعينات والثمانينات. حيث اشتهر فيها فنانون ومجموعات غنائية نذكر من بينهم الفنانون الشيخ امام مارسيل خليفة وفيروز وجوليا بطرس والشيخ أبو عرب واحمد قعبور ومصطفي الكرد وعبد الله حداد والسوداني مصطفي سيد أحمد والمغربي سعيد المغربي وصلاح الطويل وسعيد هبال والتونسيان لطفي بوشنق وقبله محمد بحر…. أما بالنسبة للفرق الموسيقية فنذكر فرقة الميادين المرافقة لمارسيل خليفة وفرقة العاشقين الفلسطينية وفرقة الطريق الراقية ومن المغرب ناس الغيوان والمشاهب والسهام وألوان ومن تونس الفرقة العمالية التونسية.
فما هي أبرز الظروف الموضوعية والذاتية التي شجعت هذا علي الانتشار؟1ـ لقد فرضت هستيريا القمع والاعتقالات التي انتهجتها مختلف الأنظمة العربية ضد مواطنيها ومنع الكتابات المعارضة وحظر الصحف والمجلات وفرض الرقابة الأمنية ـ التي تحولت ذات فترة لرقابة ذاتية من الكاتب ـ لأن ينتقل الابداع لطريقة جديدة مرنة لتصريف خطابه بشكل يضمن له الانتشار بيسر وسهولة.
ولقد كانت الموسيقي أهم هذه الوسائل حيث أصبحت وسيلة حديثة وذات فعالية للتعبير عن المواقف المناهضة للسياسات القائمة، فما أن تظهر الأغنية حتي تصبح شعارات يومية للجماهير الغاضبة في الشارع وهذا ما تجلي مثلا في أغاني الشيخ امام بمصر وناس الغيوان بالمغرب.2 ـ لقد أدت الهزائم العسكرية المتوالية التي تعرضت لها الجيوش النظامية العربية الي سيادة انهيار خطير وسط الشعوب المقهورة أصلا لعجز الأنظمة عن المواجهة بل وتواطؤها مع العدو الصهيوني في الذود عن البلاد العربية خاصة فلسطين ولبنان، لذلك ولتجاوز وتحطيم ثقافة الهزيمة كان لابد من استنهاض الهمم العربية والتحسيس بالمسؤوليات التاريخية الملقاة علي كاهل كل فرد، فكانت الأغاني الحماسية التي تخاطب الوجدان والنخوة العربية وسيلة مهمة في هذا الاطار لاسيما أغاني فلسطين التي كانت ولاتزال وطنا آخر لكل مواطن عربي لا يقل أهمية عن وطنه.3 ـ لقد كان لتماهي الأنظمة العربية مع النظام الرأسمالي دوره الكبير في انتعاش الأغنية السياسية حيث لعبت الحرب الباردة دورا هاما في هذا الاطار انطلاقا من أن الثقافة المعارضة للأنظمة العربية كانت اشتراكية ويسارية بامتياز. ترفع شعار المصلحة الاجتماعية والملكية الجماعية.
وقد تزامن ذلك مع بدء الأنظمة في توزيع كعكات الاستقلال الشكلية بحرمان أغلبية الكادحين الذين ضحوا من أجل طرد المستعمر من الأراضي والامتيازات المختلفة. لكن الفنان سعيد المغربي في أحد حواراته الأخيرة ينفي الأمر فهو وان كان يؤكد أن الحركة اليسارية لعبت دورا أساسيا في نشر هذا النوع من الغناء والتفاعل معه والعمل علي نشره فان وجودها لم يكن حاسما في ظهورها أو بقائها، لكون الأغنية الملتزمة ظاهرة اجتماعية وفنية خارجة عن التقدير الذي يمكن لليسار أو لليمين أن يكنه لها.
ونفس الوقف كان قد تبناه نفس الفنان سنة 1991 في أحد حواراته مع مجلة الرائد بباريس حيث يقول: اذا ربط التعبير السياسي فقط بالأغنية التقدمية الجديدة فهو محاولة لتقليص جماهيريتها وزرع الخوف عند المتلقين لها علما أن جماهيرنا العربية مازالت تخاف السياسي وتنظر اليه نظرة بلبلة وعدم استقرار ذاتي واجتماعي.
وما قد يعضد موقف سعيد المغربي هو الأغاني والأناشيد الجديدة التي تتخذ من الدين الاسلامي مرجعية لها وما تتضمنه من دعوة للحياة الكريمة والتصدي للعداء وقد تبني هذا النوع بعض الفنانين أبرزهم سامي يوسف الذي ترجم جل أغانيه الي لغات عدة لايصال رسالته الي جل أنحاء المعمور خاصة الأغاني التي أعقبت الرسومات المسيئة للرسول صلي الله عليه وسلم، اضافة للأغاني الثورية الخاصة بحزب الله والتي انتشرت كثيرا في العدوان الأخير للصهاينة علي لبنان.4 ـ لقد جاءت الأغنية كبديل عن أغاني الحب والغرام التي اكتسحت الشارع العربي لدرجة انساق معها الجميع وبدأ التفكير في الذات مع ما يرافق ذلك من شهوات ومصالح فردية دون اكتراث بالوطن والمصلحة الجماعية. وما يحمله ذلك من مخاطر قوية علي الأمن القومي.
فلم يستفق الجميع الا بعد هزيمة 67 المروعة بل ذهب البعض بعيدا في تحميل الفن الكلاسيكي الناشئ آنذاك ـ أغاني أم كلثوم /عبد الحليم/اسمهان…../ مسؤولية الهزيمة بشكل مباشر أو غير مباشر لما لعبه من أدوار خطيرة في تحنيط الوعي العربي وتخديره.
ما هي الميزات التي تجعل الأغنية الملتزمة مختلفة عن السائد؟
يمكن جرد مجموعة من الصفات التي تتميز بها هذا النوع من الأغاني الذي عاني طويلا من المنع والرقابة…1 ـ تري الفنانة مكادي أن الأغنية الملتزمة هي التي تتوافر فيها عناصر اللحن والكلمة الجيدين بحيث ترتقي هذه الأغنية بذوق المستمع فكريا ونفسيا لتستفيد منها الروح قبل الأذن اضافة الي عدم استخفافها بالمستمع.2 ـ النهل من التاريخ والتذكير به في كلمات الأغاني سعيا لبناء الحاضر وتحدي المستقبل.3 ـ اعتماد التجسيد الحركي عوض الرقص المائع لبعث حيوية متميزة في الأغنية فتتحد الكلمة مع التجسيد لتقدم لنا منتوجا متكاملا يخاطب العقل والروح والجسد في آن واحد. 4 ـ الايقاع الهادئ أو الحماسي الذي يخاطب الروح أولا قبل الجسد فخلافا لأغاني الحب والغرام التي ترخي الجسد وتخدر الوجدان وتجعله بعيدا عن الواقع وخلافا لأغاني الكليب الخفيفة والتي لعبت دورا غير مسبوق من الميوعة الجسدية والفكرية لفظا ولحنا تأتي الأغنية الملتزمة لتلهب وجدان الشارع العربي موظفة آلات خاصة أهمها العود ليكون الضمير دوما متيقظا بعيدا عن الموسيقي الصاخبة التي تفقد الكلمات جوهر معانيها.5 ـ طرح القضايا القومية والوطنية العادلة للتداول، كالحرية بمختلف أنواعها، وكرامة المواطن.. و…6 ـ تجاوز الذات الفردية والاهتمام بالقضايا الجمعية:
ان الذات لا موقع لها بعيدا عن الجماعة لذلك ففي الأغنية تغيب الفردانية لتندمج وتتوحد في الصفة الجماعية فتكون الأغنية معبرة عن ما يشغل الجماعة من هموم ميدانية وانسانية خاصة القضايا الوطنية كالدفاع عن الوطن والمواطن فالفنان بهذا المعني يجب أن يتخذ موقعه في الحركية الاجتماعية بعيدا عن الحياد والوهمية التي يتقمصها البعض بدعوي الابتعاد عن السياسة فما دور الفنان ان لم يكن يتألم لألم المتلقي ويفرح لفرحه. 7 ـ ان الأغنية تندرج في اطار مشروع فني متكامل للسمو بالروح، وتفتيح المدارك بعيدا عن السائد الفاقد لكل عناصر الابداع الهادف كلمة أو لحنا أو أداء والذي تلعب الفضائيات حاليا دورا كبيرا في انتشاره لدرجة فقدت الدور التربوي المفترض أن تقوم به وسيلة اعلام جماهيرية… راهن الأغنية اليومرغم الهجمة الاعلامية التي تقوم بها القنوات الفضائية من تمييع للفن وجعله في مستوي منحط ورديء بشكل يخترق الأجواء فمازالت الأغنية الملتزمة رغم ذلك تواصل حضورها رغم أن الظروف المشجعة لبداياتها بدأت تنمحي لكن الحروب الخيرة للولايات المتحدة استطاعت أن تعيدها من جديد لواجهة الأحداث. لكن السؤال هل ما زالت الأغنية الملتزمة قادرة علي الصمود ولعب أدوارها التاريخية المعروفة؟
يجيب سعيد المغربي في أحد حواراته الأخيرة مع عزيز الهلالي بتطوان أن الأغنية الملتزمة رغم ذلك ما زالت قادرة علي أن تلعب دورها الثقافي والفني بامتياز. لو لم تكن كذلك لما تبني بعض الدمي الموسيقية العربية بعضا من مضامينها وتغنوا بقضاياها للوصول الي الناس رغم تقزيم حمولاتها في أعمالهم وبشكل سخيف ومبسط ومصطنع.
انها قضية فعلا تطرح تقمص بعض رموز موسيقي الحب والغرام والسائد المائع لمحاور ومواضيع لم يكونوا يفكرون بها أصلا، طبعا نشجع التحول وتطوير التجربة واغناء الأغنية الملتزمة لكن كيف نفكر بالأمر حين يحضر (الشطيح والرديح) في قضايا مواطنين ووطن يحتاج للوقوف صامدا وفي كامل يقظته عوضا عن تكريس فن (لي البطون). فهل الأمر ركوب علي موجة للبحث عن موقع مفقود ستقذف الغرباء عنها عاجلا أو آجلا أم أن الأمر املاء من الذين يدركون أن تلك الأغاني قد تشكل مصدر تهديد لكراسيهم المهترئة أصلا وبالتالي لا سبيل لمحاربتها الا بتمييعها بطريقة أو أخري؟
وسواء كان الاحتمال الأول أو الثاني فان صدق الموقف وجودة المنتوج الجديد في الأغنية الجديدة هو الذي يضمن التواصل مع الجمهور ويحدد سقف المصداقية الضرورية لكل فنان موقفا ولحنا وكلمات وأداء.
كاتب من المغرب2