مفهوم يجب تفكيكه: الفتنة وعي الأمة الزائف أم قدرها؟

حجم الخط
0

عبدالعزيز محمد الخاطر

مفهوم الفتنه سياسياً نتاج العقلية العربية الإسلامية بامتياز. وهو مفهوم يدل علي قصور سياسي تاريخي عن بلوغ مرحلة الرشد والنضج التي مرت بها مجتمعات أخري في عالم اليوم. لماذا نحن فقط دائماً في خوف من اشتعال الفتنه؟ لماذا مجتمعاتنا العربية والإسلامية هي فقط مسرح لمثل هذا الاشتعال؟ وأولاً وقبل كل شيء ما هي الفتنه أصلاً؟ وما هي مكوناتها؟ لا أجد تفسيراً لها أنها منطقة محظورة عجزنا أو عجزت أطراف الأمة عن مقاربتها بشكل يدخلها ضمن أحد مستويات العقل الجمعي للأمة فجلست هذه الأطراف علي حدود هذه المنطقة خوفاً من السقوط فيها لأنها لا تزال في مرحلة اللامعقول واللامتفاهم حوله، وتظل الأمور هكذا حتي يحصل حدث مأساوي معين يدفع أحد الأطراف في السقوط في المنطقة لتشتعل الفتنه وتأتي علي الأخضر واليابس. أما مكونات الفتنه فهي تتراوح بين الأبعاد الدينية أو الطائفية أو القبلية.

وهذه في اعتقادي مكونات ما قبل المجتمع المدني، وهذا يفسر عدم وجود مثل هذا المفهوم في البلدان المتمدنة والمتطورة، هل يمكن الحديث عن فتنه بهذا المفهوم في دول أوروبا الغربية المتقدمة؟ أو في الولايات المتحدة الأمريكية مثلاُ.

عرف تاريخنا عبر عقوده الطويلة منذ فجر الإسلام العديد من الفتن لغياب السياسة كعامل يتوسط بين الخلاف وكذلك صلابة الفهم الديني وبروز العامل العرقي الإثني فلا تلبث الأمة إلا أن تجد نفسها في أتون حرب طائلة انجرت إليها جراً دونما استعداد أو تهيب. من هنا حتي تاريخنا الحديث جداً مر ولا يزال يمر بمثل هذه الفتن التي يجب اخراجها من إطارها الملتبس بالدين وإدخالها ضمن عملية القصور السياسي والمؤسساتي للمجتمع. فاجتياح صدام للكويت أقام فتنه والحرب اللبنانية الأهلية أيضاً فتنه لسقوط البعض في هذه الفجوة أو المنطقة المحظورة بمعني أن مثل هذه الأحداث فجرت مكونات الأمة وجعلتها في مواجهة مع نفسها وهي التي حاولت طويلاً نسيانها أو تناسيها وليس حلها. هذا هو القصور التاريخي. الآن للخروج من هذا المأزق الذي تكرر وسيتكرر عبر التاريخ لا بد من الإشارة الي بعض المنافذ المحتملة.

أولاً: الاعتراف بنسبية المعرفة لدي جميع الأطراف لأن ادعاء الحقيقة والمعرفة التامة يعني الصدام مع الآخر لا محالة مهما طالت المدة وامتد الدهر.

ثانياً: إقامة الدساتير المدنية القائمة علي المساواة والمواطنة لأخذ المجتمع من سباته التاريخي ومرجعياته بجميع أشكالها.

ثالثاً: إخراج مفهوم الفتنه من الوعي العربي ومن النسق الديني لأن استمرار هذا الوعي يعني توقع وجودها وقيامها لاشعورياً طال الزمن أو قصر ففتنه الرجل في دينه مثلاُ أو فتنه المسيح الدجال مختلفة تماماً عن ما يقع ضمن هذا المفهوم حالياً.

رابعاً: تفكيك مفهوم الفتنه وإعادته الي جزئياته وهي في الحقيقة خلافات طائفية كانت أم دينية أم قبلية يمكن التفاهم حولها ووضع الآليات الدستورية والقوانين المدنية للتعامل معها.

خامساً: دمقرطة السلطة العربية والإسلامية وتعقيد اتخاذ القرارات المصيرية لكي لا تتكرر فتن بمستوي غزو دولة لدولة أخري.

أعتقد أن مثل هذه الإجراءات سوف تخرج هذا المفهوم الفتنه من مكانته الرهيبة في زوايا الوعي العربي وتعيده الي مكانته الحقيقية والملموسة كأن يفتن الشاب الوسيم قلوب النساء أو أن تفـــــتن المرأة الجميلة الرجال وهما أمران لا يلامس خطرهما أطراف الأمة بل ويمكن التحصن منهما بالأخلاق والتدين أو حتي بالـــزواج. الوعي بأن الفتنة قدر للأمة حملها، اي الأمة، ما لا تحتمل وجعلها تنقل داءها في ردائها.

ہ كاتب من قطر8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية