لا تخلو المرحلة الانتقالية من تحديات عظيمة ومهام صعبة ومعقدة لأن نظام الإنقاذ سيطر 30 عاما على مفاصل الدولة، ولكن تطلعات الحكومة الجديدة عقب الاتفاق بين مكونات الحكم في السودان قوى الحرية والتغير والمجلس العسكري والذي أفضى لتكوين حكومة مدنية تؤكد أن تفكيك نظام الرئيس السابق عمر البشير، سيكون واقعا ملموسا بإجراءات سريعة وحازمة وعادلة للقضاء على وجود كثير من المؤسسات التي خلفها نظام حكم الإنقاذ .
ويرى مراقبون سياسيون أن حكومة الفترة الانتقالية برئاسة الدكتور عبدالله حمدوك تنتظرها ملفات عديدة للتخلص من تركة نظام المخلوع عمر البشير وأن أولى أولوياتها العاجلة والسريعة هي قضية الحرب والسلام والعمل على إنهائها وتحسين الاقتصاد بجانب تصحيح مسار السياسة الخارجية وتعديل القوانين والتي أبرزها قوانين النظام العام الأمن والمخابرات الوطني بجانب تغيير قوانين الصحافة والإعلام حتى يقوم بدوره الحر وتفكيك النقابات التي تتبع للنظام البائد وملاحقة ومحاسبة المسئولين عن الفساد .
ويؤكد عضو قوى الحرية والتغير بابكر فيصل لـ “القدس العربي” أن الحكومة الانتقالية حريصة في البدء على تفكيك دولة التمكين البائدة ، وأن هنالك نصحا واضحا جاء في الوثيقة الدستورية الموقعة بين طرفي الحكومة قوى الحرية والتغير والمجلس العسكري يشير إلى أهم أهداف المرحة الانتقالية والتي في أولوياتها تفكيك بنية التمكين لنظام حزيران/يونيو 1989م مضيفا أن ذلك سيكون عبر عدد من المفوضيات التي سيتم تشكيلها سريعا بعد تشكيل الحكومة، مبينا أن إجراءات الحكومة الانتقالية الجديدة ستكون محكمة عبر مفوضيات ستنشأ من بينها مفوضية مكافحة الفساد ومفوضية الإصلاح الإداري والإصلاح القانوني وخلال البلاغات التي تفتح في المحاكم وملفات الفساد عبر النائب العام، إضافة إلى دور المجتمع المدني والمواطنين في الكشف عن حالات الفساد عبر التبليغ .
وأشار إلى أن ملفات الفساد كثيرة خلال فترة حكم البشير وأكثرها استشراء في الأراضي، مبينا أن مصلحة الأراضي ستراجع بصورة دقيقة وعاجلة لما حدث فيها من فساد كبير. إضافة دور المجتمع المدني والمواطنين الذي عول عليه كثيرا في المساعدة والكشف عن حالات فساد ووجود مفسدين في عمل الدولة العام.
ويضيف في هذا الجانب عضو تجمع المهنيين والصحافي والمحلل السياسي محمد الأسباط إن التحدي الأول الذي يواجه الحكومة الجديدة هو قضية الحرب والسلام تليها قضية الاقتصاد، لافتا إلى أن الحرب خلقت أعدادا مهولة من الضحايا والنازحين واللاجئين مما أثر على البنية التحتية والتعليم والخدمات.
وعن تحدي الاقتصاد يقول إن نظام البشير خلف اقتصادا منهارا بسبب السياسات الاقتصادية الخاطئة والفساد الذي رعته الدولة خلال 30 عاما بسبب إهدار الموارد والتضخم الوظيفي الحكومي بجانب إهدار المال العام بالصرف على المال السياسي، إضافة لسوء إدارة الاقتصاد وارتفاع الضرائب والرسوم على المنتج المحلي مما أدى إلى تعطيل الإنتاج بتوقف عدد كبير من المصانع وهروب رأس المال السوداني إلى الخارج. ويضيف الأسباط إنه بسبب ذلك فقد رأس المال السوداني ميزات اقتصادية كثيرة.
ويضيف أيضا أنه من بين المهام الأساسية التي تنتظر الحكومة للتخلص من تركة نظام البشير العمل رأب الصداع خارجيا حيث أن النظام البائد قد أدخل السودان في المحاور الإقليمية والدولية بإعادة بناء العلاقات الخارجية التي تقوم على المصالح المشتركة وعلى ما يعود بالفائدة على الشعب السوداني وعلى اقتصاده وهيبته الوطنية. وأكد أن فريق الحكومة الجديدة الذي اختاره رئيس الوزراء حمدوك قادر على إدارة هذه الملفات وغيرها رغم أهميتها وخطورتها فضلا عن دور المحيط الإقليمي والدولي الذي هو قادر أيضا على دعم التحول الديمقراطي في السودان، مبينا أنه على يقين بأنه سيلعب دورا كبيرا في تعزيز السلام والدفع للوصول إلى اتفاق سلام شامل ودائم في البلاد، فضلا عن إرادة السودانيين التي يعول عليها الأسباط وحدبهم على مصلحة الوطن الذي برز طوال أشهر ثورة كانون الأول/ ديسمبر المجيدة مما يؤكد أن السودانيين والسودانيات حريصون على بناء دولة ديمقراطية مدنية حديثة وأنهم الرافعة الحقيقية للتخلص من نظام البشير والتطلع إلى مستقبل زاهر يستحقه السودانيون.
وكان المجلس الانتقالي قد تعهد في بداية تكوينه عقب سقوط البشير وعند تولي الفريق عبد الفتاح البرهان رئاسته باجتثاث مكونات النظام البشير وإحلال الشرفاء وعودتهم للخدمة المدنية بدءا بعودة عدد من مفصولي القوات المسلحة.
وأفاد مصدر في الجيش إن المجلس العسكري قام بالفعل وفي إطار اجتثاث بقايا النظام بإنزال عدد محدود جدا لا يتجاوز الـ 10 من الضباط المحسوبين على النظام وتنظيم الإخوان المسلمين والحركة الإسلامية.
وأضاف أن الإخوان المسلمين ما زالوا مسيطرين على قيادة قوات الدعم السريع.
ويؤكد المصدر أن ما يشكك أيضا في جدية تفكيك نظام البشير في الجيش اعتقال ضباط إصلاحيين وغير إسلاميين بحجة أنهم يحاولون الانقلاب، واستهدف الضباط المهندسين الداعم الحقيقي للثورة والذين وقفوا مع الناس وضحوا بأنفسهم، وشرعوا في تقديم عدد منهم لمحاكمات وقال إن البعض منهم ما يزال معتقلا باتهامات ساذجة. وأضاف أن بعض الشرفاء الذين وقفوا مع الثورة من خريجي التقانة عوقبوا بإبعادهم إلى نقاط بعيدة خارج العاصمة الخرطوم كما لم يتم القبول بكلية التقانة التابعة للجيش هذا العام.
ويرى المصدر أن الكثير يشكك في جدية المجلس العسكري في اجتثاث نظام البشير من تنظيم الإخوان الذي يرعاه في الجيش مالم يتم عدم استهداف الكفاءات الوطنية فيه التي ليست لها علاقة بتنظيم الإخوان ومنع سيطرة الضباط الإخوان في قيادة المجلس العسكري وعدم استمرارهم في الخدمة.
وحسب مصادر مطلعة فإنه من المتوقع أيضا صدور قرارات عاجلة من الحكومة بحل جميع النقابات والمؤسسات والاتحادات التي كانت تتبع بصورة مباشرة لنظام البشير وحزبه لم تحل أو أعيد نشاطها عقب حلها من قبل المجلس العسكري إبان توليه السلطة عقب سقوط حكم البشير، خاصة وأن بعضها ما يزال يعمل وبوجوه النظام البائد ذاتها كاتحاد عام المرأة السودانية.
كما أجمع آخرون فضلوا حجب أسمائهم للموقع على أن الخطوات التي بدأها رئيس الوزراء الانتقالي الدكتور عبد الله حمدوك أمس الأول بإيقاف التعيين والإعارة والانتداب والنقل في كل المؤسسات الحكومية إلى حين إشعار آخر منه هي خطوة في طريق ضبط ووقف تحركات منتسبي النظام البائد الذين يتوغلون في المؤسسات الحكومية وستسهم في محاسبة من يثبت عليهم الفساد فيها.