مقابلة أمير ‘جبهة النصرة’ على الجزيرة: معلومات ومغالطات سياسية كبيرة

حجم الخط
0

لثلاث مرات تابعتُ اللقاء الذي أجرته قناة الجزيرة مع أبي محمد الجولاني أمير جبهة النصرة في سوريا، وفي كل مرة أشاهد اللقاء كنت أنتظر برجاء شديد أن يتطرق المذيع إلى عدد من الموضوعات الشائكة جدا والتي تشغل بالي وبال الكثيرين كعلاقة جبهة النصرة بالجيش الحر مثلا، لكنه وا أسفاه لم يفعل وأغفل عدة محاور مهمة كهذه، لعلها سقطت سهوا أو عمدا من سيناريو أسئلة القناة للجولاني.
مما لفت انتباهي أيضا هو سر اختيار الجزيرة الدائم لمراسلها تيسير علوني لمقابلة أخطر وأهم المطلوبين على الساحة الدولية في العالم، ولعلنا نتذكر لقاء علوني الشهير مع أسامة بن لادن في أحد كهوف تورابورا، والذي رُمي علوني بسببه سجينا في زنزانة انفرادية مدة سبع سنوات بعد لقائه ذاك …
الحوار كان دسما مليئا بالتصريحات اللافتة المهمة والتي خالط معظمها بروباغندا كاذبة لا تعكس نظريات تنظيم القاعدة الحقيقية التي نراها واقعا ملموسا كل يوم، والتي قرأناها في كتبهم العديدة والتي سطرها معظم قادتهم من خلف قضبان السجون، خصوصا حين تطرق الإعلامي تيسير علوني لحادثة الاقتتال التي دارت بين جبهة النصرة وتنظيم دولة الإسلام في العراق، حيث بدا من كلام الجولاني وردة فعله الباردة بأنه لا يرغب في الحديث عن الأمر بل ويريد تخطي الموضوع والتغطية عليه كله برمته.
ولدي بعض الملاحظات عما ورد في المقابلة:
جبهة النصرة التي اعترف الجولاني صراحة بأنها فرع من تنظيم القاعدة، والتي تقع تحت إمرة أيمن الظاهري مباشرة، تنكر تكفير المجتمعات والشعوب والهيئات إنكارا قطعيا، لا بل وتحاسب وتعاقب القائلين بذلك بغير دليل شرعي … وهذه واحدة من النقاط التي خالف فيها الجولاني أيديولوجية تنظيم القاعدة الذي يكفر الحكومات الإسلامية غير القادرة أو المنكرة لتطبيق شرع الله في بلادها، ويكفر الشعوب إن هي رضيت واستسلمت لتلك الحكومات، وهذا أمر اطلعتُ عليه بنفسي في عدد من الكتب الصادرة عن رموز تنظيم القاعدة في أفغانستان. تحليل الجولاني لعلاقة إيران وحزب الله بالكيان الصهيوني كان موفقا لحد ما (في نظري) وذلك حين أقر بالعداوة بينهما مع اتحادهما وتوافقهما مرحليا على قتل أهل السنة في الوقت الراهن، خصوصا إن علمنا بأن بشار ونظامه ما هو إلا حارس أول لحدود إسرائيل منذ أربعين عاما.
جبهة النصرة وتنظيم القاعدة حسب ما قاله الجولاني لا ينويان التفرد بالسلطة في سوريا بعد زوال نظام بشار الأسد، وإنما ما يعنيهم هو فقط تطبيق الشريعة في البلاد، وهذا مطلب الشعب السوري برمته على حد وصفه … هذه النقطة تدعونا للتوقف والتساؤل العميق عن ماهية وتعريف الشريعة التي يريد الجولاني تطبيقها في سوريا؟ أهي شريعة القاعدة أم الإخوان أم السلف أم حزب التحرير؟ فكل حزب من هؤلاء يرى الشريعة من منظار فهمه ضيق الأفق، ويشن حربا لا هوادة فيها على أفهام الآخرين الذين يدعون مثله سعيهم نحو تطبيق الشريعة، فمثلا تنظيم القاعدة في أفغانستان أمر الرجال بإطلاق لحاهم، وجلد من تجرأ على حلق لحيته باعتبارها فريضة دينية وجبت عقوبة تاركها، ثم حارب تعليم المرأة والفتيات جملة وتفصيلا، وأغلقت جميع مدارس البنات في كل مدن أفغانستان بأسرها إبان حكم طالبان الجزئي لتلك المدن، فعن أي شريعة يتحدث الجولاني في معرض كلامه؟
عرض اللقاء صورا ومقاطع فيديو للمناطق التي تسيطر عليها جبهة النصرة في سوريا، وقال الجولاني بأن جبهة النصرة تقيم دولة كاملة الهيئات شاملة المؤسسات ذات تنظيم جيد نوعيا على المناطق الخاضعة لها داخل سوريا، بما في ذلك إنشاء هيئات للكهرباء والماء والصحة والنفط وغيرها.
أضاف الجولاني أيضا بأن أهالي القرى السورية يدافعون ويحمون المجاهدين من جبهة النصرة، ويفدونهم بأرواحهم وأموالهم … هذه النقطة بالذات نقلتني مباشرة لموقف العشائر العراقية حين دعموا تنظيم القاعدة في بلاد العراق بعد سقوط صدام، ثم ما لبثوا أن انقلبوا عليهم ذبحا وتقتيلا حين طالب تنظيم القاعدة جميع العشائر الموالية له إعلان انضوائها تحت لوائه قهرا وقسرا، ثم طفق بقتل ومعاقبة المخالفين منهم، وقد التقيتُ قبل سنوات بشيخ قبيلةٍ عراقي من عشيرة السامراء، فحدثني بالتفاصيل المهولة للمذبحة التي قاموا بها ضد تنظيم القاعدة حين أعلن تمرده على عشائر المنطقة .
لم يظهر وجه الجولاني في اللقاء، لكن قناة الجزيرة تعمدت إظهار يده اليسرى وساعته السوداء مرتين، وأظنها فعلت ذلك حتى تثبت لبعض معارفه بأنه الجولاني نفسه وليس أحدا غيره، أو لا أدري، لعلها ارتأت ذلك من قبيل تنويع المشاهد. (عندما رأيت ساعة الجولاني تلمع في يده، شردت بخيالي برهة فكأني أشاهد جميع عناصر وكالة المخابرات الأمريكية يتابعون بصمت ودقة هذا اللقاء، ويتفحصون كل شيء ظهر على الشريط، ثوب الجولاني ونبرة صوته وحركة يديه، وسرحت بخيالي أكثر، فتخيلتهم يبحثون عن شكل الساعة التي كان يلبسها، ثم يتتبعون اسم ماركتها، وأين صنعت وفي أي دولة أنتجت ومتى شحنت آخر كمية من هذا النوع من الساعات إلى الشرق الأوسط، ومن هم التجار الذين قاموا بتوزيع هذا النوع من الساعات في العراق وسوريا، ومن هو الشخص الذي اشترى هذه الساعة للجولاني، ومن هو السائق الذي أوصلها إليه … ومن ، ومن ، ومن … ثم وبعد أشهر يطالعنا خبر عاجل على الفضائيات مفاده: مقتل الجولاني بطائرة أمريكية بغير طيار، بعد التعرف على مكان إقامته … لعلها مبالغة، لكن الحياة علمتني بأن كل شيء معقول وممكن.
آخر نقطة أود التطرق إليها وهي تكرار خاطئٍ طالما انزلقت القاعدة في سلوكه بغير تدبر، وذلك بعدم احتياطها في ظهور قادتها على وسائل الإعلام المرئية والمسموعة، فالإعلام كان سببا كما نعلم في القبض على رمزي بن شيبه أحد قادة القاعدة، والعقل المدبر لهجمات الحادي عشر من سبتمبر، وذلك بعد اللقاء الذي جمعه بمراسل الجزيرة وقتئذ يسري فودة، وكذلك تمت تصفية أبي مصعب الزرقاوي خلال أسبوع بعد ظهوره في شريط مصور وهو يتدرب مع مجموعة على إطلاق النار في منطقة مكشوفة، ولا أظن بأن وكالة الاستخبارات الأمريكية ستفوت فرصة اقتناء شريط مصور كهذا، وتحليله تحليلا دقيقا متقنا كديدنها في كل مرة .
اللقاء حوى العديد من النقاط الجانبية الكثيرة والتي فضلت الابتعاد عن ذكرها، فمعظمها منصب تحت النقاط المهمة التي ذكرتها آنفا … ويبقى السؤال الذي يحير عقلي وعقول الكثيرين عن أفق المستقبل السياسي في سوريا تحت ظل سيطرة عدد من هذه الحركات الجهادية الكثيرة وهل من المقدر مستقبلا أن يعيد التاريخ الأسود نفسه كما حدث في العراق، لتصبح القاعدة لعنة أبدية على البلاد والعباد … وحدها الأيام ستجيب.

م . معاذ فراج ـ كاتب من الأردن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية