مقاربات في الفن الجديد: صفير يحنو علي الحطام ويقويه ببلاغة استفهامية

حجم الخط
0

مقاربات في الفن الجديد: صفير يحنو علي الحطام ويقويه ببلاغة استفهامية

فاروق يوسفمقاربات في الفن الجديد: صفير يحنو علي الحطام ويقويه ببلاغة استفهامية(1) كان الناقد البريطاني هربرت ريد منزعجا من نفسه لانه لم يعد قادرا علي تذوق الجمال الذي تنطوي عليه الاعمال الفنية المنتجة اواسط ستينات القرن الماضي، تري ماذا يمكن أن يقول لو أنه رأي الاعمال الفنية التي انتجها فنانون ولدوا في تلك السنوات اللعينة، حواليها أو بعدها، والذين هم سادة الفن الان؟ كان ريد مؤرخا أكثر من كونه ناقدا، لذلك وجد في الانحراف الستيني خروجا علي مفهوم الفن، كله. حماسته للمؤكد والمجرب جعلته يقف في موقع المرتاب من كل حساسية جمالية تدفع بالفن خارج حدود الاحتمال التاريخي. اليوم لا أثر للرسامين الكبار الذين توله بهم ريد، وليس هناك من يسعي الي أن ينافسهم في الذهاب الي المتحف. ربما تكون تسمية (الفن الجديد) مضللة وغامضة ولا تشير الي واقعة فنية بعينها ولا الي شيء بعينه، غير أنها التسمية الوحيدة الممكنة التي تعبر عن سلوك فناني زماننا. ذلك السلوك الذي لا يري للانواع الفنية حدودا صارمة، يمثل تخطيها نوعا من الضلالة. فالفنان الجديد هو في صورة من صوره مزيج لا يهدأ من المواهب القلقة والمضطربة: رساما ونحاتا ومركبا ومنتقيا ومصورا وصانع أفلام بل وحتي مؤديا ومنظم استعراضات. هو كل هذا في الوقت نفسه، وله حرية أن يكون الآخر الذي يقف في المكان النقيض ليعرف بسواه، الذي هو صورة عن كل ما لم يكنه من قبل. فنان اليوم أكثر حيرة من المتلقي، ذلك لان خياراته المتاحة في الارتجال الجمالي تجعله في منأي عن الاستجارة بالاسلوب المكرس أو التقنية السائدة أو المادة المصنعة لغايات فنية، فهو في حقيقته صنيع غربة راسخة لا تكف عن استخراج عناصر تميزها وعزلتها وفتنتها وفرادة تأثيرها الثقافي علي مجتمع، لم يعد مفهوم الحداثة قادرا علي استيعاب حراكه المضاد لأسباب تدجينه الضاغطة. فنان اليوم سياسي لا يمتهن السياسة، يقبل بالانقلاب كما لو أنه صنعة، ولا يفكر إلا بما يجعله قادرا علي التملص من ذائقة المتلقي. ولذلك فقد صارت صلة الصنيع الفني بالمتلقي لا تنبثق من متعة يشترك في استخراجها الفنان والمتلقي معا، بل هي صلة نقدية تضع المتلقي في موقع المتهم ولا تعفي الفنان من ارتكاب الخطأ في الوقت نفسه. حيرة فن اليوم تكمن في أنه يعيش اشتباكا مصيريا مع حساسية التحول التي يعيشها المجتمع في الغرب، حيث امتلأت حقول التسلية بمضامين حرجة.(2)ليست القطيعة التي يعيشها فن اليوم مع الماضي القريب مطلقة. هناك دائما ما يذكرنا بفن عرفناه، جمال أسرتنا فتنته، وبقايا أفكار عن اللوحة أو المنحوتة أو العمل المركب (التأسيسي مثلما كان في بدايات الغزو المفاهيمي كما ظهرت في اعمال جوزيف كوست) ولكن كل هذه الذكريات لا تمس إلا السطح ولا تكفي لملء المسافة التي تفصلنا عن الأثر الفني. فن اليوم، واقعيته ليست الواقعية التي غشيت أبصارنا وفي المقابل فان تجريديته لا تذهب بنا بعيدا في استغراق تأملي حالم. دائما هناك لحظة قطع، تحضر سريعا لتجلب معها توترا يعيدنا إلي التحول التاريخي العظيم الذي يعيشه الفن الان، والذي هو في حقيقته فراق لكل فن عرفناه. بالمعني الذي يجعلني علي يقين من أن البشرية تعيش اليوم لحظة (طي لصفحة من كتاب سيرة حساسيتها الجمالية). لحظة شبيهة بتلك التي عاشتها يوم تأكدت من أن طريقها لابد أن تمر من خلال (فتيات أفنيون) لبيكاسو في العقد الأول من القرن العشرين. أن فنانين من مثل الهندي أنش كابور والامريكي جون هافا والياباني كازيو شيراكا والاثيوبية جوليا ميهريتو والبريطانية كيكي سمث والبولندي بالكا والبرازيلي ليكس فليمنك والفلسطينية مني حاطوم والكوري دو هوسا والاسبانية انجيلا ديلا كروز وسواهم من فناني اليوم إنما تشكل أعمالهم خارطة لحساسية جمال مختلف، جمال بشر به ايف كلين ومانزوني وايفا هيسه ويوزف بويز بدءا من ستينات القرن الماضي، غير أنه اليوم صار جوهر المعني الذي تحاول الاعمال الفنية التحرر منه أو الذهاب به ابعد مما هو متحقق منه في صورته الثقافية. إن طريقنا الي الجمال اليوم لا تجسدها نزعات تذوق حداثوي متأصل فينا، بل أنها تقتلعنا من يقين رخاء صار بمثابة لعبة اسلوب واستعراض تقنيات لتواجهنا بالشك الذي يغزو كل مواقع احتقاننا المعرفي. لا يقدم هؤلاء الفنانون دروسا في تذوق الجمال، بل أنهم يصرون علي أن يظهروا جهلنا به، فدرسهم الحقيقي يكمن في أنهم يعيدون تعريف الفن أو يحاولون ذلك.(3)من الطبيعي في حياة متغيرة أن يتحول خيال التمرد الستيني بعد أربعين سنة إلي شرط ارادة بل وإلي فعل حياة هو أقرب الي الندم. صار يوزف بويز بكل عصيانه ممكنا، غير أنه لا يزال ابا من نوع مختلف عن كل الاباء المحتملين. ابوة بويز لجزء كبير من الاتجاهات الفنية المعاصرة تجد ما يبررها في ازدرائه للأسلوب الذي تشير اليه الأشكال والتقنيات. كان بويز أشبه بالساحر الذي لا يكرر أفعاله المدهشة، فلديه في كيسه من المفاجآت ما يملأ ليلا طويلا بالمفرقعات النارية. لقد صنع حياته من مادة عدم. أشبه باليتيم الذي لا يجد نفعا في ذكر أبيه مد بويز ظله علي الفن. فكان أن ولدت معه حساسية جمال جديد تقدم الحياة علي معناها، تيسرها بصفتها خلاصة لفعل روحي. حتي يخيل لي أحيانا أن بويز كان مخترع ألعاب لا تؤدي إلا مرة واحدة. كان يؤمن بيده الملهمة، تلك اليد التي تري وتلتقط وترتب وتلصق ومن ثم تهذب مشهدا لتطلق من خلاله خيالها الذاهب الي نزهته الغامضة. لذلك فان كل عمل من بويز لا يزال حتي اللحظة بمثابة لغز. لقد انضم بويز الي رهط الاستفهاميين الملهمين الذين يمثلون تحديا للبشرية في مسيرتها، هو نوع من نيتشه، غالبا ما تخونه فكرتنا عنه.(4)بعد بويز لم تعد الاعمال الفنية تقول ما نتوقع منها. حتي المفاجأة (بصيغتها الدادائية أو السريالية) صارت بمثابة فعل ماض. بويز لا يصنع مفاجآت بل يجترح معجزات صغيرة، بحجم أعماله التي تتشكل من مواد يومية ميسرة تبدو كما لو أنها تحضر بالصدفة. تسمية (الفن الجديد) هي في حقيقتها مصطلح وليست صفة. مفهوم واسع الدلالة يشير إلي كل صنيع فني يسعي بمتلقيه في اتجاه حساسية جمالية جديدة، لا تستند الي المعايير الحسية والذهنية التي كرستها اتجاهات الحداثة الفنية التي وهبت القرن العشرين خصوصية تحوله الي مختبر للتمرد. الفن الجديد بهذا المعني هو تمرد يعصف بثوابت تمرد سبقه، مستفيدا من لحظات القطيعة الهامشية التي فلتت من ذلك التمرد ولا تزال تنطوي علي حراك مصيري مغاير. فنانو اليوم يذهبون الي الهامش الثقافي الذي لم تمسه هالة التكريس ليصنعوا منه الادوات التي تمكنهم من اعادة مفهوم الجمال الي موقع غموضه المحير. قوة التمرد لديهم تدفع بهم الي تصنيع مضامين جديدة، تصدر عنها تقنيات واشكال جديدة، هي مزيج من كل شيء ولا شيء أيضا. كل شيء من حيث أنها لا تفتقر إلي الاتقان والمهارة وشروط الحرفة ولا شيء من جهة أنها لا تسعي الي أيقنة نتائجها اسلوبيا. بالمعني الذي يؤكد أن فناني اليوم لا يسعون الي أن يكونوا يوما ما نزلاء متحف مغلق. لقد انتهي زمن الروائع، الجمال اليوم هو نوع من الهروب بالاشياء والرؤي والأفكار والوقائع والاحلام واللقاءات العابرة والحقائب الغاصة باليأس والصفير الغامض وتذاكر السفر الي المجهول وخطوات الغريب ومواد العيش في لحظة استفهام. جمال لا يرغب في أن يكون مثاليا أو موقع شهوة، بقدر ما يحقق مكانته حين يكون ناقصا، مثلوما وحائرا. يعرض فنانو اليوم اشياء مستلة من فكرة العيش كما لو أنها لقي نادرة، لكن هناك دائما ما يرافقها مثل فكاهة سوداء: الوجع الذي تصدر عنه واللوعة التي لا تخفي ولعها بلغة تتماهي مع عالم هو في حقيقته خال من اي معني. لغة شذراتها مستلة من حطام ذلك العالم، غير أنها لا تستنسخ بلاغته، بل تستخرج بلاغتها من انفصالها العصي عنه.(5)الفن الجديد لا هوية له، جغرافيته تتسع باستمرار ولا جذور صلبة تمتد به الي تاريخ بعينه. حتي الحداثة وما بعدها انتسبتا الي الذكري بفعل حضوره المدوي الذي هو أشبه بالخرافة. لا أظن أن تسمية ما بإمكانها أن تخترع له هوية. وهل هناك من يجرؤ علي تسمية هذا النثار المتشظي من المعاني والاساليب والتقنيات والأفكار والمواد، وقبله الموقف الراهن من الفن، وهو موقف يؤجل المتعة ولا يعلي من شأن الغرابة بصفتها هدفا، بل يرتقيها كونها بداهة، ويستعمل حساسيتها بهدف الافلات منها (أعمال البرازيلي ارنستو نتو والامريكي رون مويك علي سبيل المثال). لا تنطوي المحاكاة لدي الثاني علي ثناء علي ما هو واقعي بقدر ما تزيح الفعل عن واقعيته في حين يلهم الأول كائناته الخرافية لغة ساخرة تطئ أرض الواقع بهوائها المفارق. فن هذين الفنانين يعتمد التأليف بين ما هو واقعي وبين ما هو خيالي، ليصنع فضاء تلتقي فيه محاولات القبض علي الجمال، وهو في حالة التباس مفهومي. الفن الجديد يقيم في منطقة الالتباس هذه. وهي منطقة عصية علي التجسيد إلا من خلال الفعل الفني الذي لا يصفها بقدر ما يوحي بها. وبهذا يكون الفن الجديد قد نجا من الانتساب إلي زمن أو مكان محددين بقوة عصفه الذاهبة إلي مسافة تطابق محتمل بين نقيضين: الواقع والخيال. شاعر وناقد من العراق يقيم في السويد0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية