مقاربة تفاعلية نقدية في أفق تأسيس جديد للسؤال الجمالي العربي الإسلامي
كتاب علم الجمال في الفكر العربي القديم :عبدالحق ميفرانيمقاربة تفاعلية نقدية في أفق تأسيس جديد للسؤال الجمالي العربي الإسلامييقدم الدكتور الباحث محمد المعزوز في كتابه: علم الجمال في الفكر العربي القديم ** الصادر عن منشورات اتحاد كتاب المغرب، أهم النتائج الذي تتبعها بالتحليل مؤكدا اختلال مبدأ شمولية تقويم التراث بإهمال العناية بعلم الجمال في الفكر العربي القديم ..إذ بتتبع الباحث لبعض النماذج المقوية للتراث تبث في مجملها أنها غفلت من تقويم ونقد المعرفة الجمالية، بالتالي غياب إدماج الفكر الجمالي ضمن السياق العام للفكر العربي يعتبر إخلالا بمبدأ شمولية تقويم التراث أو نقده، وهذا الغياب ناتج عن غياب مرحلة اختيار النصوص وترتيبها وتصنيفها .النقطة الثانية القائمة بالنقد في الكتاب قائمة علي مبدأ الموسوعية المفهومية للعلم في الفكر العربي القديم، عبر تفحص لمفهوم العلم كما هو مؤثل في المجال التداولي القديم ولتفحص هذا المفهوم، خصص الباحث محمد المعزوز ثلاثة مقتضيات وهي التداول اللغوي، مقتضي التداول العقدي، مقتضي التداول المعرفي.ففي مقتضي التداول اللغوي كشف الباحث مقتنصا مفهوم العلم كما هو متداول في اللسان العربي، فهو محل تواصل وتفاعل عميق حول معني عام جامع لعريضة من المتخاطبين وأولي هذه التعريفات المستقاة من كلام ابن منظور في لسان العرب تعريف في معنيين: التقبل والفعل، التقبل دلالة العلم علي الشعور والظن والمعرفة ومن معاني الفعل الإتقان والإخبار وهما معا يندرجان في معني واحد هو: التفاعل الذي يؤطره الباحث كما يلي: دلالة العلم علي التفاعل كما تستوجبه بداهة التخاطب التداولي لذلك ظل مفهوم العلم في التداول اللساني العربي القديم مفهوما مطلقا لا مقيدا.في مقتضي التداول العقدي تأسست مفاهيم خاصة بالعلم بفعل العلوم العقدية التي وجدت أسباب إثمارها المفهومي في تقوية مقتضيات التداولية وتعميق التخاطب والتفاعل في مختلف الأصناف والشرائح المنتجة للخطاب المتلقية له وهكذا نجد مفاهيم خاصة ممثلة في مفاهيم كلامية، مفاهيم فقهية، ومفاهيم منطقية، ويتحدد المفهوم الكلامي للعلم في صنفين حسب الباحث، علم ضروري وعلم كسبي، العلم الضروري هو العلم الذي أقدر الله عليه الإنسان من مدركات حسية مشتركة..ومدركات نفسية..ومدركات عقلية لذلك اعتبر الله عليه العلم الضروري علما عقليا، وصفة خلقية، أما العلم الكسبي فهو العلم النظري ـ النظر كمعادل للتمثيل ـ وإذا كان مفهوم الكسب في المنظور الكلامي يختلف باختلاف المنطلق النظري لكل من الأشاعرة والمعتزلة، فإن العلم النظري يبقي بمنأي عن مقتضيات القياس البرهاني النازع الي المعرفة اليقينية، أما المفاهيم الفقهية، فقد اعتبر الفقه علما بالأفكار الشرعية أو علما بالعمل بها بناء علي الإدارك القطعي ولقد تقرر المعني التداولي للعلم في المباحث الفقهية فوضعت له حدود ورسوم وخصصت له مفاهيم مختلفة باختلاف السياق المرتبط به والموضوع المنوط به والغايات الموضوعة له. ونظرا لتقسيم العلم الي علم ضروري وعلم كسبي، علم قديم وعلم حديث علم أصيل وعلم تابع فقد ساير المناطقة في مفاهيمهم المنطقية هذه الثنائية بتقسيم علم المنطق الي التصور والتصديق، فمنحي التصور هو الحد والمسلك الذي يتوصل به الي التصديق فهو القياس، ويشير الباحث الي أن مباحث التصور البحث في الألفاظ من حيث صلتها بالمعني، ثم البحث في المعني ذاته، أما مباحث التصديق فهي مبحث القضايا ومبحث الاستدلال.يؤكد الباحث في مقتضي التداول المعرفي، أن الأساس المفهومي للعلم قد تحدد بالاستعمال الحر الغير المقيد فتحدد مفهومه العام استنادا الي ما تداول معرفيا بجعل الشعر ديوان العرب، واعتباره الأدب مفهوما معرفيا، ودالا علي العموم . إلا أنه شهد مع ابن النديم مرحلة التصنيف المرسخة مع الفارابي، إن ما يستخلص من هذه المحددات الثلاثة لمقتضيات التداول: اللغة والعقيدة والمعرفة، أن مفهوم العلم في الثقافة العربية الإسلامية القديمة له معني خاص ومستنبت من الأصل اللغوي والنظر العقدي والفعل المعرفي .ثمة منشأ خطأ في نظر الباحث لدي الكثيرين ممن زعموا أن العرب القدماء لم يعرفوا علما في الجمال فذلك راجع الي غفلهم عن فهم معني العلم في سياق تداوله التراثي ولاستدلاله علي هذا التوجيه اتجه الباحث الي تحقيق أهم النظريات الاستطيقية الغربية، من الأساس المفهومي لعلم الجمال في الفكر الغربي الفرنسي بفرسانه بومغارتن، كانط، هيغل، برغسون، كروتشه…يخلص الباحث محمد المعزوز لأهم ما جاءت به نظريات علم الجمال الغربي في اعتبار الجمال شيئا موجودا بذاته، متعاليا عن كل الأسباب الموجودة له، من ثمة فوجوده متعين بصفة الكمال المطلق…وقد بلور هذا الاتجاه هيغل ليؤسس قاعدة التحليل الميتافيزيقي لموضوع الاستطيقا اعتبارا الجمال شيئا ذاتيا..محققا للذة..لأنه لهو حر مجاوز للقيود وهذا ما سعي كانط الي ترسيخه .. إن المتحصل من هذا الجرد أن المنظر الغربي استحدث موضوع علم الجمال وأحكم استشكاله وضبط مفاهيمه دون السقوط في جعل موضوع الجمالي موضوعا علميا معمم النتائج قائما علي شرطي التكميم Quantification والتجريب Experimentation، وهذا لا يختلف في جوهره يؤكد الباحث عن انجازات الفكر العربي القديم وهو ينظر في الفن والجمال.لكن مهمة الكشف عن حقيقة وجود علم جمالي عربي إسلامي قائم بموضوعه ومفاهيمه تدفع الباحث لانتهاج غائية إنصافية تعتمد قراءة النص القديم وحسن الإنصات إليه . وقد أثبت الباحث أن الغفل عن الفهم الصحيح لمعني العلم في سياق تداوله التراثي الأساس المفهومي للعلم في التداول القديم كان مقترنا بالموسوعية ودالا علي التعدد وتنوع الاختصاصات وبعلاقة بالمفهوم الحداثي للعلم نبه الباحث أنه لم يكن بوسع الاستيطيقا أن تجعل من الموضوع الجمالي موضوعا علميا معمم النتائج ومضبوط المفاهيم.في محددات علم الجمال في الفكر العربي القديم قام الباحث محمد المعزوز بتصنيف النصوص القديمة الخاصة بمجال البحث وبعد تصنيفها وترتيبها انطلق من نوعين من المحددات: تحتانية وفوقانية، ولم تكن المحددات التحتانية إلا قواعد أو أسسا تحتية انبني عليها الموضوع الجمالي ان بناء مفهوميا ونظريا في نفس الان.أما نوعية هذه القواعد فقد حصرها الباحث في ثلاث:* إلهية القائمة علي أن الإبداع الإلهي يشمل عموم الوجود بمختلف موجوداته.* محددات طبيعية.* محددات منطقية لعل أهم ملمح داخلها يقوم في البحث عن علاقة موضوع علم المنطق بعلم الجمال في الفكر العربي القديم.ينطلق الباحث من المحددات التحتانية للنظرية الجمالية لدي الفلاسفة المسلمين الفارابي نموذجا:باعتبار أن هذه المحددات هي الركائز أو العمادات البانية التي يقوم عليها الفكر العربي القديم وسبط هذه المحددات في ثلاثة أقسام رئيسية إلهية، طبيعية ومنطقية كبنيات للمعرفة المتراكمة، ولعل هذه العمادات هو ما أطلق عليه الاستطيقا أو علم الجمال ، بالتالي إن اقتناص هذه المحددات كما وضعها الفارابي باعتبارها أسسا مأصولة في الفكر الجمالي لدي العرب والمسلمين، وكما يتجلي عند ابن سينا وبالإسناد الي المحددات التحتانية تحقق أن النظام المعرفي القديم نظام متشابك الفروع ومتعدد الروافد.في الفصل الرابع من الكتاب يقارب الباحث المبادئ المقوية للمحددات التحتانية والتي تم حصرها في مبدأ الصناعة التي فرعت عنه جماليات الصناعة الموسيقية، وجمالية صناعة المنظوم والمنثور، وجمالية صناعة الخط والحروف، وفي مبدأ النسب وفي مبدأ اللذة، وجميع هذه المبادئ متقاطعة ومتداخلة الوظائف، وقد تم جرد هذه المبادئ من خلال كتابات إخوان الصفا، مسكويه، ابن خلدون، الغزالي…لكن ما يثير الانتباه أنها تفتح باب البحث عن كثير من إشكاليات النسق الجمالي في الفكر العربي القديم. بعد المحددات التحتانية يتحدث الباحث عن المحددات الفوقانية للنظرية الجمالية في الفكر العربي القديم، تلك المحددات الكاشفة عن الاختلاف بين المفاهيم النظرية والمفاهيم المنطقية المحددة للنسق النظري العام وذلك من خلال بحث في سياقين نظريين الشعر والموسيقي، ما دامت رؤي أنظار الفلاسفة للجمال لم تكن تأملية وإنما معيارية قائمة علي المحاجة المنطقية لأنها مولوعة باستقصاء القوانين وضبط المفاهيم فلم يكن نظرهم في الموضوع الجمالي مقصورا علي مكوناته، إنما قائما علي مرجعية فلسفية قوية تتقاطع فيها كثير من العلوم. فمن خلال مقتضيات الاصطناع في مجال النقدية الجمالية، يكشف لنا وعي ابن طباطبا بالجمال الشعري، بارتقاء مفاهيمه النقدية الي مبدأ الاصطناع وذلك بإعمال النظر في القضية الجمالية إعمالا نظريا مستندا الي قاعدة التفسير والتعليل لعل مفهوم التناسب عند نظريته في الجمالية الشعرية دليل علي هذا التركيب النسقي النقدي، وإذا كان عيار الشعر لابن طباطبا قد أسس لأهم شرائط التفسير والعمل بالمعايير استحصالا للقوانين، فإن قدامة بن جعفر في نقد الشعر قد اجتهد في ترسيخ هذه الأسس ليجعل من ممارسته النقدية ممارسة عقلية استنادا الي علم المنطق .ينطلق الباحث محمد المعزوز في فصله الثامن علم الجمال في النظرية البلاغية من مقولة أساسية أن كتابي عبدالقاهر الجرجاني أسرار البلاغة و دلائل الإعجاز دليل قاطع لأي تشكك في وجود علم عربي يخص علم الجمال. إذ تحددت إضافته النظرية في نطاق النقدية الجمالية، فالجرجاني كغيره من الفلاسفة المسلمين يثبتون صفة الإدراك الجمالي للعقل، وليس الإدراك الحسي إلا مرحلة منتهية بالضرورة الي العقل، لذلك تعتبر إجراءات النقدية الجمالية لدي الجرجاني مستفردة من قاعدتين…جمالية التصوير المعنوي وهو هنا يكون قريبا من نظريات التحليل النفسي في تحليل الإدراك الجمالي وجمالية النظم، وهي إجراءات استدلالية أساسها العقل . أما حازم القرطاجني في كتابه منهاج البلغاء وسراج الأدباء فقد حقق إضافة نوعية لحقل النقدية الجمالية العربية القديمة بوضعه إطارا نظريا عاما للنقدية الجمالية دحا فيها عمادات المقتضيات المفهومية.إن محاولة إمساك الباحث بالسياق النظري لما صاغه المسلمون وهم يؤسسون أنظارهم في علم الجمال كشف عن تنميط هؤلاء آراءهم في نطاق نظري قائم علي الشمول ولما تبين أن استمرار المفهوم الفلسفي في المفهوم النقدي الأدبي طاقة نظرية تزوده بقوة التعليل والتدليل، فقد تأكد أن المفهوم النقدي الأدبي المنتسب الي النقد الجمالي كلما كان متوكرا بطاقة المفهوم الفلسفي كان التعليل والتدليل أقرب، إن حصول مفهوم شمولي يعم مختلف القضايا النقدية الجمالية، يؤكد حصول شمولية المفهوم الجمالي انطلاق المباحث الفلسفية والأدبية القديمة من النفس باعتبارها مصدر التلقي وأصل التفاعل ما بين الموضوع الجمالي والذات المتقلبة له.وحين يخصص الباحث قسما من كتابه لأبي حيان التوحيدي فلإقامة المحجة علي أن الناظر العربي القديم قد شهد نظرية تخص علم الجمال وقضاياه، فالتوحيدي اجتهد بغاية وضع إطار نظري شامل لعلم الجمال، مفسرا مختلف الصناعات الجمالية تفسيرا قائما علي أصول التعليل والتدليل، لقد سعي الي ضبط أهم المقومات العامة التي تخص الإنسان في علاقته بذاته وبالطبيعة. لقد قام الباحث بجرد موسع في مختلف محطات الفكر العربي القديم الخاص بموضوع الجمال وتبين له أن الصحة النسقية لهذا الموضوع قد حدثت عبر انبناءات فكرية متواترة ابتداء من مبدأ المنطلق الي مبدأ الاشتغال أو الاستعمال الي مبدأ الاصطناع، هذا الأخير هو مبدأ مخصص للطبيعة العلمية للفكر الجمالي.يتضح إذن من هذا الجرد أن كتاب علم الجمال في الفكر العربي القديم للباحث محمد المعزوز قائم في صحته النسقية علي انبناءات فكرية متواترة فالعرب تمكنوا من استحكام موضوع الجمال في سياق نسقي مضبوط يطبعه الشمول وانشعاب الاستشكال وحتر المفهوم وقوته ، ولعل عمق التناول يدفع بتعبير الباحث أحمد شراك الي فتح مسالك جديدة في قارة البحث الجمالي، قد تستعيد تخصصا أو محتذي لعلم الجمال في الثقافة العربية القديمة والمعاصرة . ہ ناقد من المغرب0