محمد الزباخ تعد مشكلة الصحراء الغربية من أقدم وأعقد المشاكل السياسية – العسكرية في العالم، وقد تسببت في خسائر كبيرة لشعوب المغرب الكبير بصفة عامة، وللشعبين الجزائري والمغربي بصفة خاصة، فإضافة إلى إهدار عشرات المليارات من الدولارات، فإنها تسببت في قتل وجرح وأسر آلاف الضحايا، وتسببت أيضا في تعطيل مشروع المغرب ‘العربي’ الموحد. ويمكن تناول حقيقة هذه المشكلة من خلال مقاربتين اثنتين هما:1 – المقاربة القديمة: الصراع في الصحراء الغربية هو الآن في الجوهر صراع بين المغرب والجزائر، وليس بين المغرب والبوليساريو، فلو أن الجزائر سحبت دعمها لجبهة البوليساريو، فإنه بمعايير القوة المادية الراهنة لن يكون للجبهة من خيار سوى الرضا بتسوية سلمية أو تقبل هزيمة عسكرية ساحقة. وفيما يلي بيان لمواقف أطراف النزاع:- الشعب المغربي: القضية السياسية الوحيدة التي يجمع عليها المغاربة كافة هي مغربية الصحراء، ولن أبالغ إذا قلت بأن ضياع الصحراء من المغرب لو حصل، فإنه سيــــــــؤدي بلا شك إلى نكبة كارثية على الصعيدين الشعبي والرسمي، ولن يغفر حينها المغاربة لأي جهة تسببت في هذه النكبة. لست أقــول هذا الكلام من منطلق وطني، وإنما انطلاقا من حسابات موضوعية محضة، ولا أنكر في هذا الإطار ما يقال من وجود جهات مغربــــية اتخذت من هذه المشكلة وسيلة للإثراء غير المشروع ولتعطيل الانتقال الديموقراطي، والحال نفسه ينطبق على جهات جزائرية. إن المغاربة يؤكدون أن الصحراء الغربية جزء لا يتجزأ من أراضيهم من حيث أنها كانت تاريخيا كذلك، فقد كان يمتد نفوذ كثير من الأسر التي حكمت المغرب، بما فيها الأسرة العلوية، حتى نهر السنغال جنوبا، بل إن بعض هذه الأسر إنما تنحدر من أصول صحراوية، وفي مقدمتها المرابطون.- جبهة البوليساريو: تقول بأنها تأسست سنة 1973، حيث قادت العمل المسلح ضد الاستعمار الاسباني، لكن جلاء هذا الاستعمار إنما حصل بصفة مباشرة عند قيام ما يعرف بالمسيرة الخضراء سنة 1975، وذلك عقب صدور قرار يثبت وجود علاقات تبعية روحية بين قبائل المنطقة والسلطان المغربي، لكنه ينفي وجود روابط سيادة إقليمية بين المغرب والصحراء الغربية. وقد تلا هذه المسيرة عقد اتفاق في مدريد جرى بموجبه تقسيم الصحراء الغربية بين المغرب وموريطانيا مع احتفاظ إسبانيا بمصالحها الحيوية في المنطقة، وقد تزامن ذلك مع تدهور حقيقي في العلاقة بين المغرب من جهة، والجزائر وليبيا من جهة أخرى، وهذا ما أفضى بالدولتين إلى دعم جبهة البوليساريو دعما كبيرا أسفر عن حرب ضروس لم تتوقف إلا سنة 1988. ومما يجدر ذكره بهذا الصدد، أن الشعب المغربي كان يدعم جبهة البوليساريو ضد الاستعمار الإسباني، لأنه كان يعتقد ببساطة أن تنضم الصحراء الغربية إلى الوطن بعد التحرير، مثلما حصل مع مناطق أخرى كان يحتلها الإسبان في الشمال وفي سيدي إفني. وقد كانت تعلم جبهة البوليساريو بسعي المغرب لتحرير الصحراء الغربية من الاستعمار الإسباني، لكنها لم تنكر عليه ذلك، وربما يعود هذا لكون التأسيس الحقيقي لجبهة البوليساريو إنما كان بعد سنة 1975 بإيعاز من الجزائر وليبيا.- جنرالات الجزائر: غالبية الشعب الجزائري يرى مشكلة الصحراء الغربية مشكلة لا تعنيه، وبالتالي يتساوى لديه أن تنفصل عن المغرب وأن تنضم إليه. أما حكومة الجنرالات، فإنها تزعم بأن قضية الصحراء الغربية هي قضية تصفية استعمار، وآلية تحقيق ذلك حق تقرير المصير، ولأجل ذلك فليست لها أية أطماع فيها. ومهما يكن صدق هذه المزاعم من عدمه، فإن ما لا يقبل الشك أنها مجرد تبريرات تخفي وراءها العوامل الحقيقية للدعم اللامحدود لجبهة البوليساريو، ويمكن اختزالها في إرادة الهيمنة على المغرب الكبير من خلال الاحتفاظ بحدوده الموروثة عن الاستعمار الفرنسي والاسباني، وبذلك لا يسترد المغرب ما يعرف بالصحراء الشرقية، وتكون الصحراء الغربية خاضعة للهيمنة الجزائرية بصورة تضمن للجزائر منفذا بحريا على المحيط الأطلسي.ويبدو موقف جنرالات الجزائر متهافتا من حيث أنه يكيل بمكيالين، فهم يدعون إلى ‘حق تقرير المصير’ في الصحراء الغربية، لكنهم لا يسمحون مثلا بهذا الحق للقبايليين أو للطوارق، بل يجب ألا ننسى أنهم تجاوزوا إرادة الشعب الجزائري بأكمله سنة 1991 حينما ألغوا نتائج الانتخابات التي فازت بها جبهة الإنقاذ. 2- المقاربة الجديدة: بغض النظر عن معقولية الحجج التي تستند إليها مواقف المقاربة السابقة، فما يمكن قوله أنها مقاربة لا تعبر نهائيا عن تطلعات شعوب المغرب الكبير، وتفصيل ذلك كما يلي:أ- أصل المشكلة: قبل الغزو الاستعماري لدول المغرب الكبير من طرف فرنسا وإسبانيا وإيطاليا، كانت خريطة المنطقة مختلفة عما عليه الآن، حيث كانت مثلا خريطة المغرب تمتد إلى قلب الصحراء، بما في ذلك جزءا من غرب الصحراء الجزائرية الحالية. وإذا عدنا إلى الوراء أكثر، فإنه يمكن ملاحظة قيام دول مغاربية عديدة، قبل الإسلام وبعده، كانت تنزع في الغالب الأعم إلى التوحد سياسيا، بل إن حركات التحرر من الاستعمار الحديث في هذه المنطقة كانت تسكنها روح وحدوية، وهذا ما يكشف عن حقيقة مهمة، وهي أن الحدود البينية لدول المغرب الكبير هي في الغالب حدود وهمية رسمها الاستعمار.وتعود عوامل النزوع نحو التوحد السياسي إلى الوحدة الواقعية لشعوب المغرب الكبير، فمن الناحية الجغرافية، نجد دول المغرب مؤلفة جميعا من لونين جغرافيين متوازيين، فهناك شمالا الجغرافيا المتوسطية المخترقة بالجبال الشاهقة، والتي تبدو مثل شبه جزيرة تمتد من طنجة إلى تونس، وهناك جنوبا الصحراء الكبرى. ومن الناحية الدينية، نجد أن ما يزيد على 99 بالمئة من شعوب المغرب مسلمون سنة، والمذهـــــب الرسمي في دول المغرب هو المذهب المالكي، بل حتى القراءة المعتــــمدة هي رواية ورش. ومن الناحية اللغوية، كل شعوب المغرب كانت في الأصل شعوبا أمازيغية، ثم تعرب غالبيتهم بعد أن هاجر إليهم إخوانهم العرب. وهناك أواصر للوحدة غير الذي ذكرنا، وفي مقدمتها الوحدة الثقافية ووحدة المصير المشترك. وحينما توجد بين دولتين اثنتين أو أكثر مثل هذه الأواصر، فإن الصراع السياسي هو التفسير الوحيد لما فيها من انقسام، وهو في الغالب صراع سياسي خارجي يجد له امتدادات داخلية بين النخب المتنافسة إيديولوجيا ومصلحيا.إن الشعوب المغاربية ميالة إلى الوحدة، خصوصا وأنها تعي أن ذلك واجب شرعي يترتب عن مخالفته الإثم العظيم، وأنه شرط للقوة يترتب عن تخلفه الضعف الشامل، ولكن المشكلة كانت في وجود استبداد سياسي مانع من تحقيق هذه الوحدة، لأن الوحدة تقتضي ببساطة أن يتنازل كل حاكم عن كرسيه في الحكم، وهو شيء لا يمكن أن يقع إلا عند وجود ديموقراطية حقيقية. ولأن رياح الربيع العربي طالت بعض دول المغرب الكبير، فإن شمولها لبقية الدول، وأيضا إنباتها للنجاح في المجالات كافة سيؤدي لا محالة لتحقيق تلك الوحدة.ب- الحل المنطقي: إذا كانت أواصر الوحدة واضحة بين شعوب المغرب الكبير، فإنه لا بد من الإقرار بأنه يوجد وراء هذه الوحدة تنوع ثري، فقد هاجرت إلى بلاد المغرب الكبير عبر حقب التاريخ المتوالية شعوب كثيرة، بعضها هاجر حاكما مثل القرطاجيون والرومان والعرب والعثمانيون، وبعضها هاجر محكوما مثل الموريسكيين والأفارقة. وبناء على ذلك يمكن القول أن سكان الصحراء الغربية هم مزيج بين عرب قدموا إليها من اليمن، وهم بنو حسان، وبين قبائل صنهاجة الأمازيغية، وقد أثمر ذلك لهجة عربية موحدة هي اللهجة الحسانية، وأيضا نمط حياة موحد يندرج بصفة عامة في إطار نمط الحياة الصحراوي. لكن ما يجب أن يقال إلى جانب ذلك، أن البلاد الحسانية تشمل بالإضافة إلى الصحراء الغربية، الجنوب الغربي من الجزائر، وموريطانيا، وشمال غرب مالي.إذن هذا الحيز الجغرافي الحساني المتجانس يجب أن يكون جهة واحدة ضمن المغرب الكبير، وبجانبه تقوم جهات أخرى تعبر عن شعوب المنطقة تعبيرا صادقا، ومن هذه الجهات ما يلي: جهة برقة، جهة الطوارق، جهة القبايلين، جهة محور وهران- وجدة، جهة أهل الريف ..إلخ. ولأن تحقق هذا المطلب كما قلنا رهين بقيام ديموقراطية حقيقية في كافة دول المغرب الكبير، وهذا ما يمكن أن يتحقق في الأجل المتوسط، فلا أرى الآن أفضل من قبول المقترح المغربي الرسمي الداعي إلى إقامة حكم ذاتي في الصحراء الغربية تحت السيادة المغربية، فهذا المقترح يجمع بين الحسنيين؛ ثراء التنوع وضرورة الوحدة. وفي ظل هذا المقترح، ليعمل جميع سكان المغرب الكبير، بما فيهم سكان الصحراء الغربية، على محاربة ما بقي من فساد واستبداد، وحينها يستوي عندنا أن يجزأ المغرب الكبير إلى مائة جهة، بأن يظل كله كيانا مركزيا واحدا، فالعبرة في نهاية المطاف بحرية العقل الجمعي المغاربي. وكل من يرفض هذا المقترح، فإنما يدعونا إلى أحد أمرين أحلاهما مر؛ الأمر الأول نشوب الحرب من جديد بين المغرب وبين جبهة البوليساريو المدعومة من جنرالات الجزائر، وهذا أمر لا يقبل به عاقل لما فيه من سفك للدم الحرام وتعطيل لمصالح العباد، والأمر الثاني جمود الأوضاع على ما هي عليه، وهذا شر مبين ملنا ومللناه.’ كاتب من المغرب