مقاربة… / ذاكرة التراث عند الرسام العصامي عبد الرحمان دلدول

حجم الخط
0

مكية الشرميإنّ الجماليات المستمدة من التراث العربي وماضيه الأقدم هي المحصلة الأولى للاتجاه العام لحركة الفن المعاصر، فعملية استلهام التراث ومحاورته وتفسيره بأعمال معاصرة، تشكّل محاولة استعادة هوية كادت تغيب عن الأعمال الجديدة. وبالرغم من أنّ نتائج هذا البحث الأصيل تخصّ الجانب الظاهري للأعمال، فإنّ المضمون دخل في اتجاهات أساسية لمختلف أعمال الفنانين، وما هذا إلاّ برهان على حيوية الموروث وغناه.

وهذا ما نلمحه عند الفنان عبد الرحمان دلدول، فقد كان التراث عنده، يعني استلهام أفضل الأفكار والصياغات والإمكانات، وكان يعني كذلك النموذج الأمثل لتجسيد حقائق الإنسان ومواقفه الحياتية، ولهذا فقد ركّز على تقنية تعتمد على هذا المحتوى. فلقد استفاد من التراث بما يطوّر أسلوبه وتجربته المعاصرة التي هي في المحصلة نتاج هذا الاتجاه الإبداعي. ويتحتّم علينا هنا أن نشير إلى الفكرة التي تضمنتها دعوة الفنان التي تستبقي مادتها من التراث، ومن التجارب المعاصرة، وبوعي فنّي متقدم، ويعني تحليل هذه القضية أن نضع في حسابنا أنّ الفنان في دعوته هذه كان يريد لتجربته أن تكون ذات جذور أوّلا، وبتحليل أعماله نستنتج أنّه حاول أن يجد صياغة موضوعية لنمو الزمن الفنّي، أي في تجدّد الإبداع مع تجدّد الحياة الحضارية.

وبهذا المنحى سعى الفنان إلى خلق معادلة موضوعية بين التراث والمعاصرة أي في خلق معادلة تؤدي إلى فهم يجعل من أداة الحاضر الفنية والفكرية تحريرا وبعثا للمنجزات، وفي نفس الوقت خلقا حيالها بما يناسب الحاضر. فقد استلهم الفنان رموز الماضي والعديد من تقنياته الفنية، وفي نفس الوقت خلق اتجاها أتاح لتكامل رؤيته في الإنجاز العملي، وفي النظرة إلى الجوانب المستقبلية، حيث تميزت أعماله باتجاه أكثر تعبيرا عن مقدمات هذا المنهج، الأمر الذي جعل لوحاته، توقيعات لفنان يصدر بصلابة تجاه تمنيات ورغبات، لهذا نراه يبتكر عالمه الخيالي، هذا العالم القائم والكون من المشاهد اليومية، بعد أن يجري عليها اختزالاته وتعديلاته لكي تأخذ مكانها المناسب داخل عمليات البناء. إذ تركت السنوات المبكرة في ذاكرة الفنان خزينا بصريا، قدّر له أن يظهر في أقسى سنوات الفنان، وكانت ذاكرته للمرئيات ذات صلة بالطبيعة والعناية الخاصة بتصوير الأسواق والفضاءات بألوان يتلمسها باليد، إنّ عشقه للرسم دفعه لتجاوز عادات الرؤية المعتادة، فقد كانت حساسيته تكمن في مناطق تكاد تكون خارج البصر، أو خارج وظيفة العين، فكانت سلسلة المشاهد التي أنجزها، تظهر مدى قدرته على استذكار المشاهد القديمة، وفي الوقت نفسه، طاقته الهائلة على ابتكار مرئيات هي من صنع خياله، وبالإستناد إلى توازنات قائمة في مفهومه للجمال.

فهناك في قاع الذاكرة، خزائن ينهل منها الفنان جدرانا، وطرقا وأنهارا وسماءات بلا حدود، إنّه يكتشف رحلته الجمالية بهذا الإستذكار، وقد لا يصدق المشاهد أنّ الفنان اكتشف عالمه الفني من خلال مواكبته لمختلف التجارب الغربية والعربية وتمكنه من صنع طراز خاص به يميّزه عن غيره من الفنانين. والعالم الخارجي لديه هو عالم المدينة نفسها، وتجربته متأصلة بجذور المدينة، تلك التي تتمثّل في أوجه الحياة الشعبية فيها ولكن التطرف في عشق المدينة لذاتها، ولا سيما أحياءها القديمة التي هي زوال سريع، نجده في لوحاته التي رسمها، إنها لوحات تصور كل واحدة منها واجهة حيّ بكامله، بما فيه من أبواب ونوافذ وشرفات ومآذن وجدران، وقد غمرتها جميعا أشعة الشمس الصفراء.

كما تزخر قوى الفنان باحتفالية خاصة، حيث تنقلنا تلك التجمعات البشرية إلى صميم القرية التونسية التي يسترجعها الفنان عبر ذاكرة متوقدة بما كان للماضي أو الحاضر المستعاد أثر فيه، إلاّ أنّ فنّه برمته يطمح إلى تأسيس عالم جمالي مشحون بالغنائية، إنّه واحد من الفنانين الذين تبلورت رؤيتهم عبر كفاح طويل إخلاصا لمفهوم الفن وعلاقته بالناس. أستاذة فن تشكيلي وناقدة من تونس

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية