بعد صمت أشبه بصمت المقابر، قرر الوزير الأول الجزائري أحمد أويحيى الرد على رئيس الوزراء التركي طيب رجب اردوغان، وبطريقة الناصح الواعظ قال الوزير الأول ‘على تركيا التوقف عن المتاجرة بدماء الجزائريين’، وهي رسالة قوية موجهة لأردوغان الذي نال مكانا ساميا في قلوب فئات الشعب الجزائري، وكنا سنفهم رد الفعل الجزائري الذي له حساسية كبيرة في التدخل الأجنبي في شؤون الداخلية، ولكن ما لا نفهمه هو ذلك الحديث عن محاولة طي الصفحة الذي جاء على لسان الوزير الأول الجزائري مع فرنسا، ووصفه لقانون تجريم الاستعمار بالورقة السياسية، وورغم أن الوزير الأول الذي يتزعم حزب التجمع الوطني الديمقراطي على موعد قريب مع الانتخابات المحلية والتشريعية التي قال بشأنها أن حزبه سيكون حاضرا بقوة ورغم ذلك يصرح مثل هكذا تصريحات التي لا تخدم حزبه، والسؤال الذي يفرض نفسه كيف لحزب يحضر لانتخابات هامة مثل هذه ويعد مسؤوله الأول بأنها ستكون حرة ونزيهة،’ وكان هذا وعده في انتخابات أخرى ولكن رغم ذلك شاب الانتخابات تزوير طويل عريض لدرجة أن الشعب الجزائري ما عاد يستسيغ هكذا انتخابات واصبح من أكبر الشعوب المقاطعة لها’ أن يصرح هكذا تصريح؟ إن ابسط شيء كان يمكن أن يفعله الوزير الأول في قضية اردوغان هو أن يختار الحياد درءا لإثارة الغضب الشعب ضده. اردوغان هذا يا وزيرنا الأول اقل منك عمرا في الحكم بعقد من الزمن ورغم ذلك استطاع أن يحقق لشعبه في ظرف وجيز ما عجزت عنه حكومة تراستها أنت مرتين، اردوغان يا أحمد أويحيى يا رئيس الحكومة السابق والوزير الأول الحالي، قفز بشعبه وبلده للدرجة التي صار اسم تركيا يثير حساسية الغرب كله وصار لهذه الدولة وزن بين الامم واتخذت لها مكان بين قلوب الشعوب، ومنحنى اقتصادها في ارتفاع مذهل في الوقت الذي تنحني فيه اقتصاديات الغرب أمامه، وفي الوقت الذي ما عاد فيه الشباب الجزائري عاطل عن العمل بل عاطل عن الأمل، وبين هذا وذاك لم يحرق شباب تركيا أنفسهم ولم ينتحروا احتجاجا على إذلالهم مثلما يفعل الشباب الجزائري في العشر سنوات الأخيرة، مع الأسف الكبير والأسف الشديد حمل الوزير الأول في تصريحاته الأخيرة وفي ندوته الصحفية الدولة العثمانية مسؤولية تسليم الجزائر للمستعمر الفرنسي، ولكن الشريط التاريخي للوزير الأول توقف عند هذا الحد ولم يسأل لماذا وكيف سلم الجزائريون البلاد للأتراك في تلك الفترة؟ كنا سنفهم تلك الهجمة الموجهة لاردوغان الذي طبعا باتهامه لفرنسا بارتكاب مجازر حرب ضد الشعب الجزائري وأهانته للرئيس ساركوزي حين ذكره بمسؤولية والده في حرب الجزائر، يخدم بها مصالح بلاده، لو صاحبها وجه هجمة أخرى ضد فرنسا التي نكلت بالشعب الجزائري وما زالت لحد اليوم تعمل على إركاعه، ربما من حق الوزير الأول الجزائري كمسؤول سامي في الدولة ومن أجل مصالح معينة أن يعمل على طي الصفحة مع الاستعمار السابق الذي ما تزال آثار جرائمه متجلية حتى في الطبيعة ناهيك عن البشر، حتى دون الرجوع لاستفتاء شعبي، وربما لأن الشعب الجزائري ما زال قاصرا كي يقرر إن كانت فرنسا عدو لدود او صديق حميم، ومن حقه أويحيى وحده أن يقرر ذلك، لكن السؤال الذي يمكن توجيهه للوزير الأول لماذا أطبقتم صمتا حين أهان وزير الخارجية الفرنسي السابق وزير المجاهدين الجزائري الحالي حين ذكر الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي بأصوله اليهودية؟ لدرجة أن الوزير من ذلك الحين إلى اليوم لم يقل ولا ربع كلمة في حق فرنسا رغم أنه وزير للمجاهدين، ولماذا لم تستطع كمسؤول حزبي ولا حتى كمسؤول في الدولة رد الإهانة لوزير الخارجية الفرنسية السابق برنارد كوشنير حين رفض امتطاء سيارة خصصتها له الدولة الجزائرية لتقله من مطار هواري بومدين لمقر السفارة الفرنسية وفضل بكل وقاحة امتطاء سيارة السفارة الفرنسية في إهانة بالغة للجزائر شعبا وحكومة دون أن ننسى الإهانات الأخرى التي كان بطلها ساركوزي ومسؤولين فرنسيين آخرين ولعل أبرز إهانة حين صرح ساركوزي أن الإستعمار فعل حضاري؟ كنا سنفهم رد فعلك اتجاه رئيس الوزراء التركي طيب رجب اردوغان اليوم لو كان لكم رد فعل مشرف اتجاه فرنسا بالأمس، اردوغان يا وزيرنا الأول استطاع أن يهين الرئيس الفرنسي وذكره بجرائم والده في الجزائر، وذكره بعار الاستعمار في الجزائر، وهو يفعل ذلك لخدمة بلاده ومن حقه ذلك، اردوغان كذلك استطاع أن يحقق لبلاده في 10 أعوام ما لم يحققه الكثير من المسؤولين الجزائريين منذ نصف قرن، وأخيرا إنه اردوغان يا أويحيى.
محمد دلومي – الجزائر