اخفاق أحزاب الأنظمة العربية القومية انعكس سلبا علي الانتماء وتبعية فروعها الفلسطينية لهاالاتجاه الديني الفلسطيني انتعش بسبب مسلكيات القيادة الفلسطينية.. فئويتها وتغليبها المصلحة الذاتية
د. فايز رشيدالانتصارات الكبيرة التي أحرزتها المقاومة الوطنية اللبنانية، المتمثلة في (حزب الله) سواء في عام 2000، عندما تمكنت من إجبار العدو الصهيوني علي الاندحار من جنوب لبنان ليلاً، أو في تصديها الصلب والموجع للعدوان الإسرائيلي في عام 2006، ولمدة تنوف عن الشهر… تدعو إلي الإعجاب، وهي ستترك آثارها وتداعياتها ليس فقط في مواجهة لبنان مع إسرائيل، وإنما في مجمل الصراع العربي ـ الإسرائيلي، إن في دلالاتها الجديدة بفتح أبواب كانت مغلقة، أو في المتغيرات الإستراتيجية والعوامل المؤثرة في هذا الصراع. لذا يكون من الطبيعي أن نتساءل والحالة هذه: لماذا استطاعت المقاومة اللبنانية تحقيق انتصارين كبيرين في سنوات قليلة، بينما لم تستطع المقاومة الفلسطينية الأطول زمناً كسب أي انتصار ملموس علي صعيد قضيتها الوطنية، إن لم نقل أنها تسببت في إخفاقات كبيرة لحقوق شعبها رغم تضحياته الهائلة والكبيرة؟ الايمان النظري الأيديولوجيللحركة المقاومةرغم تعدد المنطلقات النظرية لحركات المقاومة في التاريخ الحديث، فانها تنحصر في اتجاهات ثلاثة، دينية، وطنية قومية، ويسارية.
لكن أيا كان الانتماء العقائدي للحركة المقاومة، فمن أجل أن يفعل فعله المرجو، يتوجب أن يشكل ايمانا حقيقيا (وليس شكليا) للمنتمين الي هذه الحركة: أعضاء وقيادة، فمن دون ذلك، والي جانب الخلل الذي يحدثه الايمان الشكلي في مجمل المسيرة النضالية، ان من حيث عدم اقتناع العضو ذاته في صحة ما يدعيه من منطلقات نظرية وبالتالي فيما يقول، أو في انعكاس هذا الأمر علي توجهه نحو الجماهير، فلا يمكن لغير مقتنع أن يقنع ناسا عاديين بصحة منطلقاته النظرية. من جانب آخر، فان ميزة كبيرة تجنيها الحركة المقاومة وتنعكس في التفاف الجماهير الشعبية من حولها، واحتضانها والايمان بأهدافها، ان تواءَمَ منطلقها العقائدي مع أهدافها الاستراتيجية، وفي حالة انسجام هذين العاملين المهمين مع ما تؤمن به الجماهير عفويا وبالفطرة من شعارات ومعتقدات مترسخة في أذهان أفرادها.
لا نقول ذلك للمفاضلة بين بُعد ايديولوجي وآخر، وانما من حقيقة موضوعية أفرزتها تجارب الكثير من الحركات المقاومة. لبنانيا، فان المقاومة تنطلق من بعد ايماني ديني معزز بالانتماء الوطني القومي في النظرة الي الأعداء ووجود دولتهم، وبذلك تحققت أعلي درجات الانسجام بين هذا الايمان والمعتقدات الاستراتيجية.
من المزايا التي تحققت للمقاومة اللبنانية من خلال هذا التبني المعتقدي أن غالبية الجماهير اللبنانية في الجنوب اللبناني تتبني هذه المعتقدات، وتسكن الأرض التي تعتبر منطلقا جغرافيا للنضال، وبذلك تحققت وحدة الجغرافيا والأيديولوجيا والسياسة (وذلك نادرا ما يتحقق لحركة المقاومة) مما كان لها أثرٌ كبير في مدي الاحتضان الجماهيري لهذه المقاومة، وبذلك تحققت أيضا الوحدة الكاملة بين المقاومة وجماهيرها، (وهذه أيضا وبهذه المستويات من النادر أن تتحقق)، مما صنع في نهاية الأمر تعزيزا وقوة اضافية للمقاومة اللبنانية، التي استغلت هذا الأمر أحسن استغلال. فلسطينيا، فقد تبلورت المعتقدات النظرية لدي الكثير من الفصائل الفلسطينية بعد مضي فترة عام الي عامين علي انطلاقة النضال المسلح مباشرة بعد حرب عام 1967 كرد علي الهزيمة، حيث كان الأنشداد بشكل عام منصبا علي القيام بعمليات عسكرية ضد العدو الصهيوني، كما وتميزت تلك الفترة بانخراط واسع من قبل الشباب الفلسطيني والكثير من المواطنين العرب في التنظيمات التي زاد عددها عن اثني عشر تنظيما، كما لوحظ في تلك الفترة حرص بعض الأنظمة العربية، وتحديدا ذات الاتجاه الحزبي القومي، علي أن تشكل الأفرع الفلسطينية التابعة لأحزابها، تنظيمات مسلحة مقاومة في الساحة الفلسطينية. المعتقدات النظرية للفصائل الفلسطينيةيمكن حصر المعتقدات النظرية للفصائل الفلسطينية في الاتجاهات التالية: الاتجاه الوطني العام، وبعض تنظيماته تمثل جبهة عريضة، أكثر منها تنظيما واحدا، فهي تسمح بعضويتها لكافة الاتجاهات بعيدا عن الايمان النظري، الذي يتبلور في خطوط وطنية عامة يتفق عليها الجميع، وهذا الاتجاه أقرب الي الاتجاه القومي. الاتجاه القومي، وتنظيمات هذا الاتجاه كانت محكومة في خلفياتها النظرية لمنطلقات أحزابها الحاكمة في بعض الدول العربية. الاتجاه اليساري، والذي تبلور في تنظيمات انتهجت الماركسية ـ اللينينية كخلفية عقائدية نظرية لمسيرتها النضالية. الاتجاه الديني، وتنظيماته ظهرت متأخرة عن تنظيمات الاتجاهات الأخري. هذا التنوع النظري ( ان جاز التعبير) خلق خيارات متعددة أمام المواطن الفلسطيني للانضمام الي مسيرة النضال الوطني. ومثلما كان هذا التنوع ايجابيا، فقد كان له وجهه السلبي أيضا، ان من حيث تقليل الفرص للاتفاق علي برنامج سياسي استراتيجي موحد، أو في انتهاج سياسات موحدة حول كافة القضايا المحلية والعربية والدولية، ولعل أهم ما في ذلك هو بالنسبة للنظرة الموحدة للعدو. الاتجاه الوطني العام كان عرضة للآراء المتعددة في داخل التنظيم الواحد بالنسبة لقضية ما سياسية. كان من الصعب في مثل هذا الاتجاه تغليب مبدأ تنظيمي في غاية الأهمية بالنسبة للثورة في مرحلة التحرر الوطني، ألا وهو (احتكام الأقلية لوجهة نظر الأغلبية) في المسائل والقضايا السياسية. أما فيما يتعلق بالتنظيمات ذات الاتجاه القومي، فأقل ما يمكن أن يقال فيها: أنها امتداد للتنظيمات الأم الحاكمة في بلدانها، سياسيا وتنظيميا، استراتيجية وأداء! فالسياسة الفلسطينية لهذه التنظيمات كانت دوما عرضة للتدخل من قبل النظام للحزب القومي الحاكم، والذي تقلص في دوره تدريجيا ليصبح فئة حاكمة، وفيما بعد تطور الأمر الي الزعيم الحاكم. في كثير من المراحل كان لبعض تنظيمات هذا الاتجاه رؤيتها المغايرة لمجموع التنظيمات الفلسطينية الأخري، ليس بالمعني السياسي فحسب، وانما بالمعني الميداني العسكري أيضا، وتحديدا في الانزلاق الي الاقتتال الداخلي الفلسطيني ـ الفلسطيني!
بالتأكيد، فان اخفاق أحزاب الأنظمة العربية ذات التوجه القومي في تشكيل حالة قومية وطنية متميزة علي الساحة العربية، لأسباب خاصة ببنية هذه الأحزاب في المجالات المختلفة… سينعكس اخفاقا متزايدا للفروع الفلسطينية لها، مما جعل الانضمام لهذه التنظيمات مرهونا بعضوية الحزب، وبالتالي الانضواء وبشكل غير مباشر ضمن دائرة التبعية للنظام نفسه، مما حدَ بشكل كبير من انتشار هذه التنظيمات عرضيا بين الجماهير الفلسطينية. بالنسبة للاتجاه اليساري في الساحة الفلسطينية… فباستثناء الحزب الشيوعي (الفلسطيني) فيما بعد المتبني للماركسية ـ اللينينية، والذي لم يكن علي جدول أعماله نهج الكفاح المسلح، بل اقتصر نضاله علي الساحة السياسية تحت شعار (دولتين لشعبين)، وفيما بعد تعرض لانشقاقات حادة، بعض أطرافها انتهج شعار (الثورة المسلحة)…… فان تنظيمات اليسار الفلسطيني تبلورت رؤاها الأيديولوجية خلال سنوات قليلة ما بعد هزيمة حزيران مباشرة. اليسار الفلسطيني هو امتداد لارهاصات نظرية كانت تجري في حركة القوميين العرب، وبخاصة في السنوات الأخيرة ما قبل عام 67. ان تبني أحد تنظيمات المقاومة الفلسطينية للنهج اليساري الماركسي بعد الهزيمة، يُعَد خطوة كبيرة ورائدة وشجاعة في آنٍ معا، ففي الوسطين الفلسطيني والعربي عموما ارتبط هذا النهج بالكفر والالحاد والابتعاد عن الدين والتراث! وبغض النظر عن هذه الصورة، استطاع هذا التنظيم الرائد أن يكون أحد أكبر تنظيمين في الساحة الفلسطينية، ومما ساعده في فرض قوته وصورته التنظيمية في أوساط الشعب الفلسطيني أنه: يشكل امتدادا لحزب وطني قومي عربي كبير أثبت كفاءته النضالية وتمكن من تحقيق بعض الانتصارات في أكثر من موقع علي الساحة العربية، ان هذا التنظيم زاوج بين النظرية الماركسية والكفاح المسلح اهتداء بالكثير من تجارب حركات التحرر الوطني في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، ذلك أنه أول تنظيم فلسطيني ـ عربي يساري يطرح حرب التحرير الشعبية كأسلوب كفاحي لتحرير فلسطين، استطاع هذا التنظيم وبرؤية بعيدة النظر من طرح استراتيجية وطنية ارتباطا مع العمق القومي العربي وبأفق انساني تحالفا مع قوي التحرر في العالم والبلدان الاشتراكية والشعوب المضطهدة (بفتح الطاء) في كل مكان، الممارسات المسلكية لهذا التنظيم تميزت بالنقاء في محاولة للوصول الي الطهارة الثورية النضالية، دقة التحليل النظري التفصيلي لأسباب الهزيمة وعوامل النصر، مما كان له انعكاس تأثيري قوي في الأوساط الجماهيرية الفلسطينية والعربية التي حملت النظام العربي الرسمي مسؤولية الهزيمة.
ذلك لا يعني عدم وجود اشكالات نظرية في هذا التنظيم، والتي تبلورت فيما بعد في انشقاق تنظيمي لفئة شكلت تنظيما يساريا جديدا الي جانب التنظيم الأم. الاشكاليات النظريةومع صعوبة الجمع بين فصائل اليسار الفلسطيني من حيث الاشكالات النظرية التي كانت تعتمل في دواخلها… لكن وبسمة عامة يمكن اجمالها فيما يلي: ان تبني فصائل اليسار الفلسطيني للأيديولوجيا الماركسية، لم يكن استجابة لتطور موضوعي في الساحة الفلسطينية اقتضي هذا الاعتناق العقائدي…. وانما امتداد لارهاصات سابقة (مثلما قلنا) سارعت في حسمها هزيمة 67 بمعناها النظري التحليلي العريض…. مما يعني أن التبني في بعض عوامله كان يميل الي التبني القسري، الأمر الذي كان يحمل في أحشائه (وبخاصة في السنوات الأولي) انفصاما ما بين الايمان النظري والتطبيق وقد كانت له أسبابه ومنها: أن الكوادر التي تربت لسنوات طويلة بالثقافة القومية، كان عليها أن تنتقل وبسرعة فائقة الي نمط جديد من الخطاب النظري للتعبئة الذاتية والأخري التحريضية، ان في أوساط التنظيم نفسه أو في علاقته بالجماهير…. مما خلق اشكاليات حقيقية تمثلت في جانبين: الأول.. قدرة هذه الكوادر علي الاستيعاب العميق للنظرية كانت محدودة، الثاني… ولأن الأمر كان كذلك، كان من الصعب علي التنظيم بالتالي ايصال أفكاره الي الجماهير، وبخاصة أن الأخيرة كانت عرضة لسنوات طويلة لحمي تحريضية رأسمالية ضد الشيوعية واليسار بشكل عام. من الاشكاليات النظرية التي واجهتها فصائل اليسار أيضا: انشداد بعض الفصائل الي وجهات النظر السوفييتية والمتماثلة بالطبع مع دول المنظومة الاشتراكية والكثير من الأحزاب الشيوعية والعمالية العالمية (ومن ضمنها كافة الأحزاب الشيوعية العربية مع استثناءات قليلة) فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية والقضايا العربية بشكل عام… بمعني آخر، فان هذا البعض حاول تطويع القضية الفلسطينية لتكون وفقا لمقاس النظرية الماركسية، وليس العكس، مما أثر بشكل جوهري في ممارسات سياسية وتنظيمية للبعض كانت أقرب الي المراهقة اليسارية منها الي السياسات الفعلية.
لقد فشل اليسار الفلسطيني في ايجاد صيغة موحدة بين أطرافه للعديد من الأسباب، ولعل أبرزها: افتقاد تنظيماته الي رؤية استراتيجية موحدة للهدف النضالي، سيطرة نزعة المصالح التنظيمية لبعض أطرافه علي حساب الوحدة الجمعية لليسار، تغليب الانشداد الي الوحدة الوطنية الفلسطينية في مراحل ومفاصل كثيرة من النضال الفلسطيني، وقد كانت هذه المراحل تقتضي فرزا سياسيا واضحا في المقارنة مع النهج الآخر. من الجانب الأخر الموضوعي، فانه لم يكن من المسموح عربيا ومن خلال قنوات رسمية كثيرة متعددة: اعلامية، اقتصادية وغيرها لليسار الفلسطيني أن يكون في موقع الطرف المقرِر للساحة الفلسطينية. دوليا، فان انهيار الاتحاد السوفييتي ودول المنظومة الاشتراكية، كان بمثابة هزة حقيقية لكافة فصائل اليسار علي الصعيد العالمي، ومنها منطقتنا العربية وساحتنا الفلسطينية.
هذا الوضع بالتأكيد سيؤثر علي علاقة اليسار بجماهيره من حيث انحسارها، وبخاصة اذا ما كانت أطراف أخري جديدة في توجهاتها تحاول ملأ الفراغ الناتج عن ذلك الانحسار. الاتجاه الدينيالاتجاه الفصائلي الديني، ظهر متأخرا في الساحة الفلسطينية مقارنة مع التنظيمات الأخري وهو في جوهره امتداد للتنظيمات العربية للاخوان المسلمين، فبعد هزيمة 67، فان أسئلة كثيرة كانت تطرح في بعض أوساط هذا الاتجاه من حيث عدم جواز مقاتلة اسرائيل عسكريا الا بعد انشاء دولة الخلافة الاسلامية وغيرها من المواضيع، التي أعاقت انخراط هذا التيار في المقاومة وحتي مرحلة متأخرة في النضال. الاتجاه الديني ينطلق من ايمان عقائدي بالاسلام وتعاليمه فيما يتعلق بالصراع مع الأعداء وبخاصة مع اليهود…. ولذلك فان الخطاب السياسي لأصحاب هذا الاتجاه -حتي فترة زمنية قريبة- كان يقرن بين اليهود والقردة والخنازير، من خلال التصريحات حتي علي وسائل الاعلام الأجنبية، بعيدا عن الفهم العلمي بأن يهودا كثيرين كانوا تاريخيا وراهنا ضد الحركة الصهيونية…. كأيديولوجيا تحويلية لليهودية من ديانة الي حركة قومية، استيطانية، استعمارية، عنصرية. جاء نمو التيار الديني في الساحة الفلسطينية بوسائل متسارعة، ساهم فيها: أن اعتناقه الأيديولوجي الديني منسجم تماما مع ديانة الغالبية العظمي من جماهير الشعب الفلسطيني، وفي مرحلة يتعرض فيها (الاسلام المقاتل) الي هجمة دولية واسرائيلية كبيرة وشرسة، تحاول الصاق تهمة (الارهاب) بكل الفصائل الفلسطينية والعربية الأخري المقاومة، مما سيعمل علي خلق ردود فعل عكسية في الأوساط الجماهيرية. من ناحية ثانية، فان اخفاقات الفصائل الأخري التنظيمية والسياسية والجماهيرية، وبخاصة القوي المتحكمة في منظمة التحرير ومن ثم (فيما بعد) التي شكلت السلطة في الأراضي الفلسطينية، لم تستطع صنع النموذج المقبول جماهيريا، ان بسياساتها ومسلكيتها وتعاملها مع قضايا شعبها. من أكبر العوامل التي ساعدت أيضا علي تغلغل فصائل الاتجاه الديني جماهيريا: عقم التسوية التي حاول المروجون لها ولاتفاقياتها، الايحاء للشعب الفلسطيني بامكانية اقامة دولته الوطنية، وامكانية نيله لحقوقه الوطنية من خلال الحلول السياسية.
فصائل الاتجاه الديني، أولت الجوانب الحياتية الخدماتية والاجتماعية للفلسطينيين أهمية أساسية، في ظل وجود قدرات مالية كبيرة، واعتبرت هذا المدخل الخدماتي مجالا للعمل علي توسيع نفوذها وتغلغلها بين أوساط الجماهير. لقد لوحظ أن التنظيم الأقوي بين الحركات الدينية علي الساحة الفلسطينية، وعندما تسلم الحكومة بعد الانتخابات التشريعية أخذ في الميل الي النهج البراغماتي في السياسة، ان من حيث طرحه لهدنه مع اسرائيل لمدة 15 عاما، أو من حيث شبه ايقاف لعملياته العسكرية ضد اسرائيل، باستثناء ما يقوم به من بعض العمليات في المناطق الفلسطينية المحتلة، ومن حيث نمطية الخطاب السياسي أيضا، فالفرق كبير بين وجود الحزب في المعارضة وبين وجوده في احدي مؤسسات السلطة. الجوانب المسلكية في العلاقة الداخلية ومع الجماهير أيضالعل من أهم جوانب كل الحركات المقاومة علي مدار التاريخ، هي الجوانب المسلكية لقادتها وأعضائها، ان في العلاقة الداخلية فيما بينهم، أو الأهم وهي العلاقة مع الجماهير. لطالما قرأنا حوادث كثيرة في تجارب عديدة لحركات التحرر الوطني، أضطر فيها قادة هذه الحركات الي ارساء تقاليد قاسية تتمثل في عقوبات تصل الاعدام بحق الأعضاء الذين يسيؤون الي الجماهير. هذه العقوبات القاسية ليست هدفا بحد ذاتها، بل هي طريقة يتم اللجوء اليها، للتربية والانضباط المسلكي أولا، وثانيا من أجل أن تكون عامل ردع لكل من يفكر في انتهاج النمط المسلكي المسييء. لبنانيا، كان ملفتا للنظر الانضباط المسلكي الصارم والحديدي لأعضاء المقاومة اللبنانية لسنوات ما قبل العدوان الاسرائيلي الأخير في عام 2006، وأثناء هذا العدوان وما بعده، فالمقاتلون مجهولون، لا يعرفهم أو يراهم أحد، ولا يتجولون بين الناس بلباسهم وأسلحتهم، ولا يختالون تيها في الأرض، والآخرون من ذوي المهمات المتعددة، يعرفون واجباتهم ويقومون بها، كل في موقعه، ويقوم بالمهمة المحددة له خير قيام. ولقد قيل كثيرا عن حوادث، اضطر فيها مقاتلو المقاومة الي دخول بعض البيوت الخالية، التي هُجرِ أهلها، وكانوا اذا ما استعملوا أغراضا في البيت، يحرصون علي كتابة رسالة لأهلها، تاركين رقم هاتف للاتصال عليه. كما قامت المقاومة وبعد انتهاء العدوان بصرف مبالغ مالية مستعجلة لمن هدمت بيوتهم، ليستأجروا بيوتا ويقومون بفرشها انتظارا لاعادة بناء بيوتهم الأصلية. كذلك يقومون باصلاح وترميم البيوت المتضررة حتي الزجاج المتكسر فيها. هذه العلاقة مع الناس لم تأتِ صدفة، بل هي استمرار لعلاقة بتفاصيلها المتعددة كانت قائمة منذ انشاء المقاومة: مساعدة الناس، العمل علي مساعدتهم وحل اشكالاتهم الاجتماعية، الصحية، التعليمية، الزراعية وغيرها. بالنسبة للقيادة، فالي جانب التماسك القيادي للمقاومة ووضوح خطها السياسي استراتيجيا وتكتيكيا، وحرصها الدائم والمستمر علي وضع الجماهير بآخر الأحداث السياسية المستجدة، وتحديدها للحلقة الأهم في كل مرحلة من المراحل، والاعتراف بالأخطاء علنا وأمام الناس اذا ما مورست هنا أو هناك، وعلي سبيل المثال: اعتراف الأمين العام لحزب الله: حسن نصر الله، بأنه لم يتوقع ردود الفعل الاسرائيلية علي اختطاف الحزب للجنديين بمثل الذي جاءت عليه، ولو أن الحزب كان يعرف ذلك، لما قام بعلمية الاختطاف! فان هذه القيادة تعيش مثل باقي الأعضاء حتي أصغرهم، ان في مستويات حياتها، أو في مساواة عائلاتها بعائلات الآخرين، وانخراط العديد من أبنائها في المقاومة والتضحية وصولا الي الاستشهاد، كابن الأمين العام للحزب، الشهيد هادي حسن نصر الله. بمعني آخر… فان عضوية القيادة في المقاومة اللبنانية ليست وسيلة لكسب أية امتيازات شخصية أو عائلية، أي أنها تكليف لا تشريف. غني عن القول أيضا، أن قيادة المقاومة، ابتداء بالأمين العام وصولا الي أصغر عضوٍ فيها تحرص تمام الحرص علي الالتزام بالقرارات الجماعية التي تتخذها الهيئات المركزية وفقا للتسلسل التنظيمي، فلا خروقات، ولا اجتهادات الا في القضايا التي يصح فيها الاجتهاد، أما القضايا التي تحتاج الي نقاش وتشاور وقرار، فلا يمكن لمسؤول أن يفتي فيها منفردا. وبالنسبة للوقفات النقدية المستمرة، فوفقا لتصريحات الأمين العام لحزب الله مؤخرا (لقناة الجزيرة) فانها تتم دوما، وأعلن كذلك، أن الحزب علي أبواب وقفة مراجعة نقدية شاملة لما حصل (يقصد بذلك مرحلة العدوان). وما دامت مثل هذه الوقفات تتم بشكل دوري، فبالتأكيد، فان عقوبات ما تتخذ بحق المقصرين وفقا لسلم العقوبات في الحزب. جدير بالذكر أيضا أن المقاومة أجلت اعلان أسماء الكثيرين من شهدائها وممن قاموا بعمليات عسكرية نوعية الي ما بعد التحرير. المقاومة اللبنانية شكلت جسما صلبا عصيا علي الاختراق (وباعتراف العدو). فلسطينيا، بداية نود التوضيح، بأنه وفقا للتنوع التنظيمي في الساحة الفلسطينية، ووفقا للانتماء النظري العقائدي لها، فانه وبرغم الاجماع من كافة التنظيمات علي نسج أفضل العلاقات مع الجماهير الفلسطينية…. الا أن بعض هذه التنظيمات وخاصة المتنفذه منها تعاني انفصاما ما بين الايمان النظري بأهمية العلاقة مع الناس وبين حقيقة المسلكية علي هذا الصعيد، فالبعض من أفراد هذه التنظيمات يري نفسه فوق الناس والجماهير، حتي أن انغلاقه التنظيمي، ودفاعه عن تنظيمه مصيبا كان أم خاطئا بالنسبة لهذه القضية أو تلك يُعمي عينيه عن رؤية الحقيقة، حيث أن انشداده لتنظيمه يقع فوق انتمائه للقضية، التي هي أكبر من كل التنظيمات! في الساحة الفلسطينية توجد تنظيمات أحرص ما تكون علي العلاقة مع جماهيرها، وفيها أيضا من لا تضع أي حسابات للعمل الجماهيري. بشكل عام، فانه ومنذ انطلاقة الكفاح الفلسطيني المسلح وقعت المقاومة في أخطاء العلنية لمقاتليها، الذين كانوا يسيرون في الشوارع وبأسلحتهم، كما كان يتم التدخل في حياة الناس العاديين الخاصة! ثم كان التباري الاعلامي في تبني احدي العمليات العسكرية المقاومة، ووصل الي الحد، أن بضع تنظيمات كانت تتبني العملية الواحدة! في لبنان، فان بعض القوي الفلسطينية رأت في تنظيماتها بديلا للحركة الوطنية اللبنانية، وأنشأت علي هامشها تنظيمات صغيرة ملحقة بالتنظيم الفلسطيني. اساءات كثيرة كانت توجه الي الناس، ترافقت مع مسلكيات مثل: الفساد والافساد والثراء غير المشروع والزعرنة والاستبداد، وللأسف لم تجر محاسبة مقترفي ذلك. ولو أن المقاومة الفلسطينية انتبهت الي أخطائها علي الساحة اللبنانية وبترتها واحدا بعد الآخر، وحاسبت مقترفيها بقسوة، ولو أنها حرصت علي علاقة سليمة مع أطراف الحركة الوطنية اللبنانية علي مبدأ المشاركة الوطنية في القرارات… لما استطاعت اسرائيل احتلال الجنوب في بضعة أيام، أو كان يلزمها للقيام باحتلالها بضعة أشهر، وهذا في أسوأ الحالات. لقد شكلت السلطة الفلسطينية ما يزيد علي اثني عشر جهازا أمنيا، وزاد عدد الموظفين عن مئة ألف، أما الرتب العالية من الضباط (عقداء وزعماء) فربما تزيد عن مثيلتها بين الجيوش الانكليزية أو الفرنسية أو الايطالية. هذا العدد الكبير في الأجهزة، كان من المفترض أن يشكل عائقا كبيرا أمام اعادة احتلال الجيش الاسرائيلي للمناطق الفلسطينية… (فمثلا في مخيم جنين استطاع بعض المقاومين من كافة التنظيمات، الذين لم يمتلكوا سوي أسلحة بسيطة منع الجيش الاسرائيلي من احتلال المخيم مدة أسبوعين في معارك ضارية أشرف عليها شارون شخصيا ووزير دفاعه وقائد أركانه، وبالرغم من ضرب مواقعهم بالطائرات الاسرائيلية… وبعد نفاذ أسلحتهم واستشهادهم جميعا، استطاع الاسرائيليون دخول المخيم بعد أن حولوه ركاما)! ولكن للأسف شاهدنا علي الفضائيات كثيرين من أعضاء هذه الأجهزة يسلمون قذائف (الأر. بي. جي) للاسرائيليين (مع أنها تستعمل ضد الدبابات) ويسلمون أنفسهم للاسرائيليين! حصل الشيء نفسه، عندما هاجمت اسرائيل سجن أريحا لاختطاف أحمد سعدات وفؤاد الشوبكي ورفاقهما. اعتقد موقعو اتفاقيات اوسلو أنهم في الطريق الي اقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، وبدأت بعض فصائل اليسار الفلسطيني في التنظير لبدء مرحلة جديدة في النضال الوطني الفلسطيني، وهي مرحلة التحرر الوطني الديموقراطي، باعتبار أننا انتهينا (بل الأدق تعبيرا انجزنا) مرحلة التحرر الوطني! هذا الخطأ الفادح في تقييم المرحلة (والانجازات) من النادر أن تقع في مطباته فصائل أساسية في مطلق حركة تحرر وطني، ولا بد له أن ينعكس سلبا علي مجمل النضال الفلسطيني. وبالفعل لم تمض سنوات طويلة علي انشاء السلطة حتي قامت اسرائيل بهدم بنيتها التحتية مرات ومرات، وجعلت منها ووفقا للتصورات الاسرائيلية: مسؤولة عن ادارة الشؤون الحياتية للفلسطينيين، ومن ثم أعلن شارون (وفاة) اتفاقيات أوسلو نهائيا. علي الصعيد العملي المقاوم…. فان التنظيمات الفلسطينية كانت تسجل لأعضائها الاستشهاديين ممن يقوموا بعمليات فدائية نوعية، أشرطة تسجيل مصورة… لا تلبث أن تبثها بعد التنفيذ! ردة فعل قوات الاحتلال الاسرائيلي كانت تتمثل في القيام فورا بهدم منزل الفدائي واعتقال أهله! للأسف لم تراع تنظيمات المقاومة الجانب الأمني للأهل في هذا السياق! وكمثال أيضا علي خطأ تشخيص المرحلة: فان بعض تنظيمات المقاومة، وبعد اعادة انتشار قوات الاحتلال في قطاع غزة وتفكيكها للمستوطنات فيما عرف عليه بـ(خطة الانطواء) (وعلي الرغم من ايجابية الانجاز النسبي في هذا الأمر)، قامت بنشر صور وأسماء قيادة جهازها العسكري، معتقدة أن القطاع قد تم تحريره، متناسية أن قوات الجيش الاسرائيلي ما زالت علي المعابر وعلي الحدود، والاسرائيليون أعلنوا مرارا أنهم سيدخلون الي القطاع متي أرادوا ذلك، وبالفعل تحول قطاع غزة الي سجن كبير، ومارست اسرائيل وما تزال حصارا خانقا لشعبنا في القطاع. من أكبر الأخطاء التي عانت منها فصائل المقاومة في المناطق الفلسطينية: قضية العملاء، الذين لعبوا وما زالوا يلعبون دورا مهما في التسهيل لاسرائيل للقيام باغتيالاتها للقادة والناشطين الفلسطينيين، من خلال الاستدلال وبسرعة علي مواقعهم وأماكن تحركاتهم. للأسف فانه وفقا لأحد بنود اتفاقيات اوسلو… اشترطت اسرائيل، ووافق علي ذلك موقعوا الاتفاقيات من الفلسطينيين بعدم جواز تعرض السلطة للعملاء! صحيح أن عملاء كثيرين جرت تصفيتهم، ولكن ذلك كان يتم خارج اطار السلطة، وصحيح أن البعض من العملاء كانوا يسجنون من قبل السلطة… لكن وفي معظم الحالات كانت اسرائيل تقوم بغاراتها علي السجون واختطاف عملائها. ولعلني أعيد الي الأذهان الخطوة الأولي التي قام بها الجنرال ديغول بعد دخوله مع أعوانه الي باريس بعد أن تحررت من القوات النازية، كانت خطوتهم الأولي تصفية العملاء الذين خدموا النازيين، في خطة أطلقوا عليها: (تنظيف فرنسا من العملاء)، هذا يلقي الضوء علي أهمية تعامل حركات التحرر الوطني بمنتهي الجدية مع هذه القضية الكبيرة. للتماسك القيادي في الساحة الفلسطينية وجهان:
في اطار التنظيم نفسه وفي العلاقة بين التنظيمات المختلفة. بالنسبة للأول فانه وفي هذا التماسك، نسبي وفقا للتنظيم المعني، فبينما في أحد التنظيمات جري تقديم لائحتين لانتخابات المجلس التشريعي الأخيرة (تم الاتفاق فيما بعد علي سحب احداها، لكن غالبية أعضاء القائمة المسحوبة ترشحوا للانتخابات بصورة فردية، الأمر الذي انطبق علي كثيرين أيضا من الذين ترشحوا فرديا وليس في قوائم تنظيماتهم، مما حدي ببعض التنظيمات الي اتخاذ قرارات بفصلهم من عضويتها)، وهذا خلل تنظيمي ودليل علي عدم التجانس القيادي أيضا. في بعض التنظيمات الأخري فان التماسك والتجانس القياديين ظلا محددا رئيسيا فيها، وهذا لا يعني عدم الاختلاف في وجهات النظر في الاطار القيادي للتنظيم الواحد، الذي يجري التعبير عن مواقفه علنيا بوجهات نظرٍ واحدة. عدم التجانس القيادي والاختلاف حول وجهات النظر أدي الي انشقاقات حادة في أجساد التنظيمات الفلسطينية وفي مراحل زمنية مختلفة. بالنسبة لمسألة التماسك القيادي بين التنظيمات، فقد تميز بين المد والجزر، وفقا لمدي التوافق السياسي حول القضايا المطروحة، ووفقا للاتفاق التنظيمي أيضا. الوسيلة الأبرز للتفاعل والتماسك بين القيادات للفصائل المختلفة، كانت تجري في أطر متعددة: منظمة التحرير وهيئاتها القيادية، العلاقات بين التنظيمات منفردة، الصيغ المرحلية التي كان يتم الاتفاق عليها لخدمة قضية محددة مثل: القيادة الموحدة للانتفاضة (التي جمعت فصائل منظمة التحرير، وبقيت الفصائل الاسلامية خارج اطارها). الفصائل الاسلامية، كانت وما زالت خارج اطار منظمة التحرير الفلسطينية، الانجاز الاستراتيجي التاريخي للشعب الفلسطيني، فاضافة الي أسئلة كبيرة تُطرح حول مدي شرعية تمثيلها للشعب (من وجهة نظر هذه القوي)، فان أسس اعادة صياغتها علي قواعد الاصلاح واعادة بناء مؤسساتها وبناء علي الظروف المستجدة بالنسبة لتنظيمات جديدة ظهرت في العشرين سنة الأخيرة، وهي الأسس التي تشكل قاسما مشتركا بين مختلف التنظيمات، الا أنه وللأسف فان خطوة عملية واحدة نحو تحقيق هذا الهدف لم يجر اتخاذها بعد! الخلل كذلك تمثل في عدم انعقاد الهيئات المركزية لمنظمة التحرير الفلسطينية، كالمجلس الوطني والمجلس المركزي واللجنة التنفيذية لاجتماعاتها الدورية، وبرغم وفاة أعضاء كثيرين في اللجنة التنفيذية وانشقاق بعض أعضائها عن التنظيمات التي كانوا يمثلونها فيها، فان هذه اللجنة ما زالت شرعية (رغم افتقادها للنصاب) وما زالت تعقد اجتماعات قليلة بل نادرة! أما من حيث تركيبة المجلس الوطني الفلسطيني فهي متضخمة الي الحد الذي تبلغ فيه سبعمئية عضو، مما يؤثر سلبا علي عملية انعقاده وعمق مناقشاته للمواضيع التي يطرحها علي جدول أعماله، هذا من ناحية، ومن ناحية أخري فان غالبية التنظيمات الفلسطينية تعترض علي محدودية وقلة نسبة تمثيلها في المجلس الوطني وفي مؤسسات المنظمة الأخري، كما أن الكثيرين من أعضاء المجلس الوطني من بين المستقلين (خارج اطار التنظيمات) جرت تسميتهم اعتمادا علي الصداقات والولاءات، وليس اعتمادا علي كفاءاتهم، وحقيقة تمثيلهم. ان واحدا من أكبر الأخطاء في الساحة الفلسطينية، أنه وبعد تشكيل السلطة الوطنية، ارتُؤيَ أنها تشكل بديلا لمنظمة التحرير الفلسطينية، التي جري تهميشها تماما ومؤسساتها، بالرغم من أن المنظمة هي الاطار الجامع بين جزئي الشعب الفلسطيني في الوطن وفي الشتات، سياسيا وفي مختلف المناحي الأخري. مؤخرا وبعد أن زالت الأوهام بامكانية انتزاع دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة من اتفاقيات اوسلو، ابتدأ الحديث يدور عن اعادة احياء دور منظمة التحرير الفلسطينية. في بداية انطلاقة العمل الفدائي الفلسطيني، كان ينظر للمقاتل باعتباره (نبيا) ولكن للأسف ومع مضي السنوات، فان خللا كبيرا أصاب هذه الصورة، (باستثناء الموقع الذي يحتله الشهداء في نفوس الشعب الفلسطيني). اليوم فان (النموذج) يقل يوما بعد يوم بعد مرور النضال في مراحل مختلفة. بقي القول، أن عضوية القيادة في الكثير من التنظيمات هي وسيلة لتحقيق الامتيازات، ولعلني أقول مثالا واقعيا، ففي مرحلة الاتحاد السوفييتي ودول المنظومة الاشتراكية، كانت آلاف المنح الدراسية تعطي لتنظيمات المقاومة لارسال الشباب الفلسطيني الي تلك الدول، غير أن أبناء معظم القادة المتنفذين كانوا يرسلون للدراسة الي الولايات المتحدة والدول الأوروبية، اضافة بالطبع الي مسلكيات أخري سلبية كثيرة: البيوت الفخمة، السيارات المتعددة، الأموال الكثيرة، امكانية شراء الولاءات بالمعني الشخصي، وغير ذلك من المسلكيات التي تركت تداعيات سلبية بين الجماهير الفلسطينية التي كانت تري في البداية القادة في صورة نموذجية…. لكنها خَبَت بعد بضع سنوات!
أوجه مقارنةفي بعض الجوانب الأخري العامة: حول نظرية المؤامرة. من الطبيعي أنه وطالما تواجدت مطلق حركة مقاومة أن تتعرض للمؤامرات التي تحاول اجهاضها وتحطيم أهدافها علي طريق القضاء عليها. ولعل المقاومة الفلسطينية من أكثر حركات التحرر الوطني علي الصعيد العالمي، التي تعرضت لمؤامرة كثيرة ومتشعبة وقاسية وفي كل الساحات التي تواجدت فيها، وذلك بحكم أنها تتعرض وتتجاوز خطا أحمر أمريكيا وأوروبيا ودوليا وهو اسرائيل. التعرض للمؤامرات اتخذ خطين: معارك عسكرية ضد المقاومة، وأخري وهي محاولة تفتيتها من الداخل…. ولعلني أسوق الحادثة التالية: ولعل من أهم المسائل للحركة المقاومة هي الأموال وبخاصة في هذه المرحلة التي تحارب فيها كل حركات المقاومة ماليا، وسط محاولات حثيثة لجعل المقاومة المشروعة للشعوب، ارهابا! لقد حصلت المقاومة الفلسطينية علي أموال كثيرة علي مدي تاريخها، وجزء من هذه الأموال كانت تعطي للثورة، في محاولة لافسادها من خلال اغراقها بالأموال. ان أوجه صرف غالبية تنظيمات المقاومة لم تكن تتم بالشكل الصحيح، فعدا عن الفساد والافساد والثراء غير المشروع والسرقات الكثيرة التي كانت وما زالت تتم، فان الأموال الخارجية جري استعمالها من أجل التطويع السياسي للفلسطينيين، حيث تقترب الثورة من مواصفات الدولة البيرقراطية. شكل خاطئ لاستعمال الأموال كذلك، أن بعض تنظيمات المقاومة الفلسطينية، كانت تصرف أموالاً للشباب كي يقوموا برمي الحجارة علي قوات الاحتلال في الانتفاضة الفلسطينية الأولي، وبغض النظر عن طبيعة نوايا من قام بصرف هذه الأموال لأجل هذا النشاط، فانه ربط قصداً أو عن غير قصد مقاومة شعبية مدنية ضد الاحتلال بمكاسب مادية تحد بالتأكيد من نشاطاتها وتُبهِّت صورتها في أذهان العموم. ان بعض تنظيمات المقاومة الفلسطينية استغلت ما بين يديها من أموال في بناء استثمارات اقتصادية ومشاريع في مختلف مناطق العالم، من أجل الوصول الي الكفاية المالية لها، غير أن البعض الآخر لم ينجح علي هذا الصعيد، وجاء انتباهه الي هذه المسألة متأخراً، بالشكل الذي وضع فيه هذه التنظيمات في ضائقة مالية شديدة الحراجة، بالصورة التي تؤثر علي فعلها النضالي، وهذا ما لم يكن أن يكون كذلك. باقي التنظيمات الفلسطينية فلها امتداداتها الشعبية العربية وكذلك الرسمية المتمثلة في دول عربية واقليمية، وبمساعدات مالية دائمة من هذه الأطراف، فان تلك التنظيمات لا تعاني من أية ضائقة مادية بل غالباً ما يكون المال فائضاً بين يديها وعاملاً مساعداً كبيراً في تغلغلها أفقياً وطولياً بين الجماهير، كنتيجة لما تقدمه لها من خدمات. من ناحية أخري، فان بعض اشكالات التنظيمات في الثورة الفلسطينية تتمثل في: تغييب الجانب الديموقراطي من الحياة التنظيمية لصالح المركزية العالية، وهذا مما يساعد علي خلق ظواهر انفلاشية داخل الحركة المقاوِمة، أي أن المزاوجة الخلاّقة ما بين الديموقراطية والمركزية وهو ما يصطلح عليه غالباً (المركزية الديموقراطية). يبقي القول، أن الوحدة الوطنية الفلسطينية كانت وفي كل مراحلها تعاني خللاً ما، فالتقصير يطال انشاء الهيئات الجماعية من مختلف التنظيمات ذات المهمات المحددة، والقيادة الجماعية للنضال الفلسطيني ليست قائمة لاعتبارات خلافية كثيرة، ولكن يمكن الاتفاق علي قواسم مشتركة في كافة المجالات، فالوحدة الوطنية هي احدي شروط الانتصار. كذلك فانه وفي كل مرحلة نضالية يمكن تغليب شكل نضالي مقاوم علي آخر، وهذا ليس عاراً، ولكن يتوجب أن يتم وفقاً للتوافق بين التنظيمات. وأن احدي المهمات الملحة في الساحة الفلسطينية هي تشكيل القيادة الوطنية الموحدة من الجميع، والتي تكون بمثابة المرجعية الوطنية للمقاومة الفلسطينية في كافة الأمور. بالنسبة للمقاومة اللبنانية، فقد تعرضت وما تزال هي الأخري لمؤامرات دولية واسرائيلية كثيرة في سبيل اختراقها والقضاء عليها، ولكن الثابت في هذا العنوان، أن المقاومة ومنذ عام2000 (بعد اجبارها اسرائيل علي الانسحاب من الجنوب اللبناني) كانت تعد اعداداً قوياً لمعركة تتوقعها مع اسرائيل، وفعلاً كان العدوان الاسرائيلي، الذي وباعتراف مصادر اسرائيلية وأمريكية (ما نشره سمون هيرش في النيويوركر) كان يجري الاعداد له علي قدمٍ وساق وبغض النظر عن اختطاف الجنديين الاسرائيليين.
الثابت أيضاً وباعتراف العدو ومعاهد بحثية دراسية كثيرة، صعوبة اختراق صفوف المقاومة وحزب الله أمنياً نتيجة للانضباط الحديدي الصارم بين صفوفه. من النقاط التي تسجّل للمقاومة اللبنانية، اجادتها التصرف فيما تتلقاه من أموال ان في نسيج علاقاتها الداخلية أو في علاقتها مع الجماهير، وبالتأكيد فان ما تتلقاه من أموال وأسلحة من ايران تحديداً يساعدها في الصمود العسكري والمادي أمام ما تواجهه من ضغوطات… وبخاصة في ظل (حسن التصرف). بالنسبة للديموقراطية في صفوف المقاومة اللبنانية فلا نستطيع القول أنها ظاهرة في العلن، ولكن وفقاً لتصريحات أمين عام حزب الله ومسؤوليه الآخرين، فلا شيء يتم الا وفقاً للقرارات الجماعية.
توضيح لا بد منه أود التوضيح، بأن هذا البحث لا يهدف الي المفاضلة بين مقاومة وأخري، فهما مرتبطتان بشكلٍ أو بآخر، والانتصارات التي تحققها احداهما هي انتصارات للأخري، كذلك هي الاخفاقات، فالعكس بالعكس صحيح أيضاً. من جهة أخري، ورغم اختلاف ظروف كلِّ من المقاومتين الواحدة عن الأخري طبيعةً جغرافيةً وأهدافاً، الا أنني حاولت المقارنة في مسائل أساسية ملازمة لمطلق حركة مقاومة من أجل انتصارها، فأحياناً ورغم النوايا الحسنة… فان الأخطاء قد تقود الي جهنم (وفقاً للمثل المشهور) فلا يجوز أن تقع الحركة المقاومة في خطأ مرتين. من ناحية ثانية، فان مهمة الكاتب ليست البحث عن الايجابيات، بل القاء الضوء علي السلبيات التي يراها، فهي ليست دخولاً الي محرّمات أو تجاوزاً لخطوط حمراء… مثلما قد يفهم البعض! انها السلبيات وفي صورها العامة جري الحديث عنها وباعتراف التنظيمات التي تعاني منها. اضافة أخري لا بد منها: هي أن كاتب هذا البحث هو من داخل البيت الفلسطيني، وممن عاني في حياته سجناً اسرائيلياً، وابعاداً من وطنه، ومعاناة طويلة ما زالت قائمة. قد يقول البعض، بأن الوقت غير ملائم لطرح قضايا شائكة مثل التي وردت، ولكن أرد: ومتي نستطيع أن ندق الجرس؟ علينا أن ننقد وننقد موضوعياً وبتجرد ودون تجريح، فمن لا يعمل هو الذي لا يخطئ. ثم ان المجال مفتوح لمناقشة كل ما ورد في أوجه المقارنة هذه، التي كنت موضوعياً في استعراضها، دون الاساءة لمطلق تنظيم أو قائد أو أي انسان، وأرجو وآمل أن أكون قد وفقت. 7