مقارنة بين لجان الحراسة الشعبية الفلسطينية وميليشيا المستوطنين الإرهابية!

سعيد أبو معلا
حجم الخط
0

رام الله-نابلس/ “القدس العربي”:

في اجتماع مجلس الوزراء الفلسطيني الذي جاء بعد يوم من “حريق حوارة” دعا رئيس الوزراء الفلسطيني إلى تفعيل عمل لجان الحماية الشعبية في كل مكان، وذلك على “ضوء الجرائم البشعة التي يرتكبها المستعمرون الفاشيون بتوجيه من وزراء في الحكومة الإسرائيلية”.

وللمتابع للشأن الفلسطيني بدا طلب رئيس الوزراء مستعجلا، لكنه في الحقيقة طلب قديم جدا، فهذه اللجان يتكرر الحديث عنها دوما منذ أكثر من 15 عاما، ومع كل موجة من اعتداءات وهجمات المستوطنين.

وفي غمرة الحديث عن لجان الحراسة والحماية الشعبية علق الناشط الحقوقي عيسى عمرو، من مدينة الخليل، أنه “مستعد لتدريب قوات الأمن الوطني على كيفية حماية ومنع مجازر المستوطنين بدون استخدام السلاح، بحيث يكون لدينا كتيبة عمل شعبي ودفاع عن المنازل بدون استخدام السلاح”.

وتابع أن الموضوع ليس صعبا ويحتاج للقليل من التكتيكات، لكنه مجرب، وذكر “بجهود مجموعة من النشطاء في حارة الجعبري وواد الحصين وواد النصارى في البلدة القديمة في الخليل حيث جربوا هذا الأمر وكان النشطاء يتصدون للمستوطنين بكل قوة وجداره”.

جاء ذلك التصريح الجدي ردا على إعلانات قوى الأمن الوطني الفلسطينية التي أعلنت أنها فتحت أبواب مقراتها من أجل استضافة المواطنين الذين تقطعت بهم السبل بسبب الأوضاع الأمنية وقطع الطرق بين المدن الفلسطينية.

وجاء في منشور قوات الأمن الوطني “أن هناك تعليمات بحسن استقبالكم (أي المواطنين)، أهلا وسهلا بكم في بيتكم الثاني”.

النقد الكبير الذي وجه لإعلان قوات الأمن الوطني مرده إلى كيف ينظر المواطن الفلسطيني إلى جيشه المفترض، بحيث يكون حاميا للمواطنين وصادا عنهم هجمات المستوطنين المدعومين من الجيش الإسرائيلي، وكان قد سبقه قبل عام انتقادات بعد أن قامت عناصر في جهاز الأمن الوطني بوضع نوافذ حديدية على منازل المواطنين في بلدة برقة شمال نابلس من أجل حمايتهم بعد هجمة عنيفة ودموية بالحجارة والقذائف الحارقة من مستوطنين متطرفين.

ويفجر هذا الأمر أكبر جدل فلسطيني يرتبط بدور الأجهزة الأمنية التي تمتلك أسلحة رشاشة خفيفة في ظل سياسة الاحتلال الإسرائيلية وعمليات القتل، وهو تصاعد بعد هجمة أو محاولة “حريق حوارة” قبل أيام حيث لم يكن لعناصر الأجهزة الأمنية أي دور في حماية المواطنين رغم أنها تستهلك ما يقرب من ثلث الميزانية الفلسطينية كما يرى نشطاء.

أداء غير منظم

وبحسب مدير مكتب هيئة مقاومة الجدار والاستيطان في بيت لحم حسن بريجية فإن لجان الحراسة والتصدي للمستوطنين مشكلة منذ عام 2005، وهو يستغرب دعوة رئيس الوزراء إلى تشكيلها.

ويقول: “هي مفيدة من أجل صد اعتداءات المستوطنين”، ويؤكد أن هذه اللجان “مكونة من شباب الطليعة حيث يفترض فيهم أن يتلقوا تدريبات قانونية ومهارات في المقاومة الشعبية وممارساتها”.

وبحسب متابعته لما جرى في بلدة حوارة فإن ما ظهر له يشير إلى أن لجان الحراسة الشعبية هناك عملت بطريقة غير منظمة، حيث خرج المواطنون وفق سلوك “الفزعة” حيث لم يكن منظما، فما يظهر أن المواطنين تحركوا بطريقة عفوية كفصائل ولجان حراسة ومواطنين عاديين.

ويشير بريجية إلى أن حجم الهجوم على البلدة كان أكبر من قدرة أي لجان حراسة، فالهجمة لم تكن من مجموعة من المستوطنين بل من المئات، وكانت منظمة ومحددة الأهداف.

ونشرت وسائل إعلام عبرية عن مصدر أمني إسرائيلي رفيع المستوى أن أحداث حوارة كانت منظمة مسبقا وبأعجوبة لم تنته بمذبحة.

ويتابع الناشط بريجية: “الحقيقة أن أغلب المستوطنين هم جنود بالجيش الإسرائيلي بمعنى أنهم مدربون ويمتلكون أسلحة، وكل ما يفعلونه أنهم يخلعون لباسهم العسكري ويرتدون اللباس المدني ومن ثم يشنون الهجمات… كما أنهم في حال لم يكونوا في الجيش هم من جنود الاحتياط في هذا الجيش، أما لجان الحراسة الشعبية فهم شباب متطوعون يرغبون بحماية أنفسهم وعائلاتهم”.

ويؤشر بريجية إلى أن النشاط الاستيطاني تمكن من الإمساك بمفاصل الضفة الغربية عبر السيطرة على مراكز الحركة فيها، “فبعد انشاء الجدار بين الضفة الغربية وفلسطين المحتلة عام 1948 تمت السيطرة على الشوارع في الضفة الغربية ومن ثم تم الإمساك بالمفاصل الرئيسية في عموم المناطق عبر مستوطنات وهو ما نلاحظه في حوارة وزعترة في نابلس وعتصيون وتقوع في الخليل”.

وتحدث أحد النشطاء في مجال المقاومة الشعبية مع “القدس العربي” بأن لجان المقاومة الشعبية لا تكفي من ناحية العدد والعدة، ولا تتناسب مع طبيعة الهجمات الجديدة التي ينفذها المستوطنون، فهي لجان تفتقد إلى أي دعم مادي أو لوجستي أو تقني.

وتساءل: “ماذا يفعل الجسد الفلسطيني البسيط غير المسلح مع مستوطنين محمين ومدربين ومسلحين؟”.

وطالب الناشط الذي رفض الكشف عن اسمه بالتوقف عن استخدام مصطلح مستوطنين والاستعاضة عنه بمصطلح ميليشيات مسلحة فهي منظمة وموجهة وهناك حبل سري يربطها مع الشرطة وآخر مع الجيش وثالث مع الإدارة المدنية”.

وطالب بالتفكير بطرق جديدة ومنها تسليح المواطنين أو أن يستخدم الفلسطينيون السلاح في لحظات صعبة كالتي مرت بها حوارة والقرى المحيطة وعدم الاكتفاء بالفعل الشعبي.

وطالب بأن يكون هناك ردع شعبي حقيقي في ظل أن تصور لجان الحراسة الشعبية قديم وعفا عليه الزمن، “فلم يعد صالحا للتعامل مع هجمات المستوطنين الأخيرة”.

ويؤكد المصدر أن لجان الحراسة في بعض المناطق هم أشخاص معدودون على الأصابع، كما أن هناك لجان حراسة متطوعة ولا علاقة لها بمنظمات أو هيئات محلية، وبحسب المصدر فإن كل هذه أمور تجعل من مطلب تشكيل لجان حراسة شعبية أمرا مطلبيا شريطة أو يكون جماهيريا ويمتد لكل المناطق ويربط بينها أيضا، بمعنى أن يقوم المواطنون في منطقة ما بمساعدة مواطنين في منطقة أخرى، بحيث لا يتم الاستفراد بالقرى والبلدات القريبة من المستوطنات وخطوط سير وتجمع المستوطنين”.

أهمية الظاهرة المسلحة

وبحسب الباحث والمحاضر في جامعة بيرزيت عبود حمايل فإن نابلس تشكل أحد حدود المشروع الاستيطاني في شمال الضفة الغربية حالياً، وخصوصاً بعد انسحاب المستوطنين من منطقة جنين في نهاية الانتفاضة الثانية.

ويضيف: “وفق الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، فإن عدد المستوطنين في محافظة نابلس كان 20,000 في سنة 2019، في مقابل ما يزيد على 240,000 فلسطيني، أي بنسبة لا تتجاوز 5%. بتعبير آخر، هذا يمثل خللاً في التوازن الديموغرافي يسري أيضاً على بعض مناطق الضفة الغربية مثل: الخليل وطولكرم وطوباس (حيث نسبة المستوطنين إلى الفلسطينيين لا تتجاوز أيضاً 5%). وبالتالي فإن نشأة حالة مسلحة في هذه المناطق لا تشكل فقط تهديداً على الحياة اليومية للمستوطن، بل تشكل أيضاً تهديداً على إمكان بقاء المستعمرات في المناطق التي تمتلك تفوقاً هائلاً في عدد الفلسطينيين في مقابل عدد المستوطنين.

ويشدد أنه على تخوم التوسع الاستيطاني تزداد كثافة المواجهة مع الجهاز الاستيطاني ومليشياته التي تعي تماما معنى أن تصبح هذه المناطق “غير آمنة”. فهي تدرك أن في افق ذلك اعادة صياغة للحد والتخوم. فرغم كل ما يُقال عن الانتفاضة الثانية ولكن إحدى مخرجاتها الاهم نهاية الحلم الاستيطاني في غزة وفي غالبية منطقة جنين.

أما الباحثة في مركز مدار للدراسات الإسرائيلية هنيدة غانم فترى أن من قام بوضع المستوطنات في قلب الضفة بين تلال المدن، لم يخطط في الهواء بل أخذ الخرائط وعين مواضعها لتقطيع أي تواصل ديموغرافي فلسطيني، حيث وضعها بهدف تفتيت الوجود الفلسطيني وتمزيق نسيج الحياة الجماعي.

وتابعت: “المستوطنات التي أقيمت حول نابلس بالذات، أقيمت كمستوطنات ايديولوجية دينية ويسكنها غلاة المتطرفين ممن يؤمنون بان “احتلال أرض إسرائيل” هو فريضة ربانية، ذهبوا هناك مع سبق اصرار على تنفيذ مشروع خراب لحياة الفلسطينيين باعتبارهم أغرابا.

وشددت أن المستوطنين في الضفة ذهبوا وهم يعلمون أن جزءا من دورهم هو العربدة والبلطجة والتدمير، هم يعلمون ذلك، ومن أقام لهم المستوطنات وشق الشوارع لهم يعرف ذلك، الحكومات الاسرائيلية التي ارسلتهم وسهلت لهم كل شيء تعرف ذلك، والغرب المنافق أيضا يعرف ذلك لكنه لا يتوانى عن تحميل الطرفين مسؤولية العنف”.

فشل عمره 15 عاما

بدوره وبما يشبه الصراخ تساءل الصحفي من مدينة نابلس سامر خويرة قائلا: “أظن من حقنا نسأل وبصوت عال، أين الناس التي قرقعت رؤوسنا بالمقاومة الشعبية ولجان الحراسة!؟ أين هيئة مقاومة الجدار والاستيطان التي لها رئيسها بمنصب وزير، وعندها مسميات إدارية “مدراء عامون، ومدراء، ولديها مقرات وسيارات ومصاريف”.

وتابع: “لماذا لم تقدر هذه الجهات على تأسيس طيلة 15 سنة من عمرها لأجسام رسمية وشعبية تواجه الاستيطان والمستوطنين؟”.

وقال مستذكرا: “ما أتذكره جيدا أنه في أيام الجمع سابقا كان هناك ما بين 40 أو 50 بؤرة مشتعلة ضد الاستيطان.. أما اليوم فعددها لا يزيد عن عدد اصابع اليد، فيما أعداد المشاركين فيها يعدون على الأصابع أيضا. مع أنه الأصل أن تزيد في ظل هجمات المستوطنين ولا تقل”.

وأكد أن ما جرى في بلدة حوارة هو حدث مفصلي كشف عورة المقاومة الشعبية وزيف المسميات التي يتبنوها.. فوقت الاشتباك لم ير أهالي البلدة والبلدات المحيطة هؤلاء ولم تلمس أثرهم.. وتركوا الناس تواجه بصدورها العارية مصيرها.

وطالب الإعلامي خويرة بعد أحداث حوارة أن “يكون هناك مراجعة حقيقية لهذا النهج والأسلوب”.

يذكر أن ميليشيا المستوطنين بدأت عام 1968 مع بداية الاعتداءات الجماعية للمستوطنين وسط مدينة الخليل، حيث استولت خلال تلك الفترة على فندق في المدينة، أما في عام 1980 فكشف عن التنظيم السري اليهودي الذي هدف إلى تفجير قبة الصخرة المشرفة، فيما شهد عام 1998 سماح رئيس الوزراء أرائيل شارون بتأسيس “شبيبة التلال” حيث استولت على فندق، أما في عام 2008 فكان الظهور الأول لعصابات تدفيع الثمن التي نفذت الاف الاعتداءات الإرهابية ضد الفلسطينيين.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية