مقاطع من ‘طرفة بن الوردة’

حجم الخط
0

قاسم حداديقظة المعنى أيقظْ حصانك واستعنْ بالناي رحلتك انتهتْ فابدأ بكأسك ريثما يرويك غيمٌ غامضٌ أيقظْ حصانك. نخبك التالي رؤىً وشقائق النعمان تِسعُ ممالكٍ، ومدائنٌ تسعى برمتها لصَلبكَ قبل صوت الطير.

أيقظْ سرجك الملكيّ هذا الغيم بحرٌ من مجاز المكر في باب الغموضأيقظْ حصانك وانهرْ المعنى قصيدتك الطويلة أقصرُ الخطوات نحو الموت. لا تغفلْ لديهم ما يشفُّ عن القرائن وامتحانُك في كتاب الطيش يكفي لاستثارتهم طريقك تنتهي فلتبتكر سفراً، لتستثني الممالك حيث يحتربون فلتوقظ حصانك ولتدع للناي أجنحة الغناء غموضَ موسيقاك إيقاع التهدج واحتمال الفقددَع للناي أن يرقى بأحلام البراق ودَع لهم يتوهمون الصلبَ والفتوى لتصعدَ في قصيدتك الأخيرة بارئاًأيقظْ حصانك واستعنْ بالناي.***وردة النساءهل تلدني وردةٌ كي أستعيرَ حزامَها في وحشة التذكارهل تحنو على دميَ المضاع لكي أعمّدَ بالنبيذ شهيق شهوتها فكم تلدُ النساءُ، وكم ستثكل وردةٌ أحفادَها أثلاث مراتٍ ولدتُ، وضاع لي قبرٌ، وتِسعُ وقائعٍ تُروى لقتلي كنتَ مثلي يا نبيَّ الناس أمكَ ثاكلٌ، صليتَ سراً، وادَّعتْكَ الأمهاتُ جميعهنَ ربطنَ سرك في حزام الرضع يوماً، وانتهتْ أسطورة التأويل في دار الولاية في سراب الماء والأسماء في الدول الخفية. كنتُ مثلكَوالملوك يمجدون قصورَهم بقصيدة من شِعري الوحشيّيا أمي حزامُكِ شدَّني في خيبة الرايات وانهارت فتوّةُ ساعدي في خيطكِ المحمي بالنايات يا أمي انتهتْ، لولا حزامُكِ، أجملُ الغاباتِ تسعٌ، ضَمَّني قبرٌ، وقيل على صليبٍ، قيل أطرافي مقطعةٌ وقالوا إن فَصْد الدم أنهاني، وقالوا شدَّني خيط النجاة وأيقظتْ روحي ذبالتُها رأيتك تغزلين الشمسَ، مثل خطيئة النارنج وهو يصوغ صفرته رأيتك تزجرين النفسَ، وحدك سر قافلة القبيلةتفضحين لطائمَ التجار وهي تائهة بِخيلٍ جامحٍ يَـنْـزو ويَشبقُ، وهي غافلة، وتخسرُ أو تضيعُ رأيتُ في غيم الولادة، كنتِ في فيض المخاض وتكتمين الطلق شَدُّوكِ على وهم السلالةشدني خيطُ الدلالة كلما في يوم ميلادي تأكد مقتليواشتدَّ نزفُ الطلق وامتدَّ الحزامُ فغادرتني شهوة النسيان وانبثق الكلامُ.

يا أمي، حزامُكِ حزَّني في النَّحرِهل كنتُ النهايةَ في البداية؟ حَزَّني حُزْني على موت ‘المرقّـش’ قبل أن يمحو حجارتهويبكي كلما أوشكتُ، ضاعتْ جنتي في آخر الفتوى، وضاءتْ في الأقاصي كي أموت مبكراً قال النبيُّ قبيل أن يهذي بنا تسعاً قُتلتُومرةً قلتُ القصيدةَ كي أبالغَ في ابتكار العشق أذهبُ في الشغاف ومرة أخرى قُتلتُ على الضفاف ومرة أخرى أخافُ، ومرة أخرى.***كأنّ الحرف طفلكتعلمتُ الكتابةَ قبلَ أن أُحصي شروطَ الموتِصارتْ جنتي لغتي. وجَدّي قادني في الأبجدية مثلَ مشكاةٍ. وزَيَّنَ لي القراءةَ كالثمالة في مساء الكأس قال: ابدأْ كتابَكَ بالحروف المشتهاةاكتبْ كأنَّ الحرفَ طفلك واجعلْ الباقي من الكلمات رفقتك الصديقة. هذه لغةٌ تضاءُ وتُصطفى وتنوبُ عنا كلما تُهنا بها. افتح لها في قلبك السريّ مملكةًلتحفظَ حقها في حبك. اصقلها بماء الروح، واطلقْ في حجارتِها الكريمةِ شِعركَ المجنون، واكتبْ باسمِها ما يجعلُ التأويلَ حُـراً كي ينوبَ عن الملاك. وأنتَ تهذي بالمعاجم. تفتحُ القاموسَ كي تنسى دَع الفوضى النبيّة في دليلَك كلما أبحرتَ غُصْ حُراً وحيداً في وريدي يا حفيدي عندما تأتي بعيداً في قصيدتك الوحيدة نحو غيم النص حين ترى الكتابةَ جنةً أعلى، وتنهالُ اللغاتُ عليكَ مثل الحلم لا تخشَ المغامرةَ. انتعلْ برقاً فدُرُّكَ في حديدي يا حفيديسوف لن يكتبْ سواكَ قصيدةً تحنو على غدرِ القبيلة لا تخفْواقرأ كما يدعو الملائكةُانتبه واكتبْ كما يُملى عليك وما يفيضُ الوحيُ فيكَ هذه لغةٌ تَرى لكَ ما يُضيء وتصطفيك اذهبْ بها حراً بعيداً سوف يأتيك الملوكُ ويقتلونك كنْ بعيداً في حِمى الكلمات، وارسمْ في كتابك شرفةً، فالموتُ دونكأطلقْ حروفَك غيمةً في وحشة الصحراء تملكها وتؤنسُ روحَها وتصيرُ جيشاً واحداً إقرأ لهم. اكتب كتابَك في زجاج الرمل وأتركْ في الحجارة ما يفيضُ عن الإشارة هذه لغةٌ تُحبُك كلما صليتَ في محرابِهاستصدُّ عنكَ الموتَإقرأ غيمها. أكتب لها أوصيكَ يبقى الشِعرُ رَقشاُ في قميصِكَ كالشهادة فليكن نقشاً على قداسها.***الفضاء والطيرثمّ ذهبتُ إلى صاحب الكتابة، وقفتُ بين يديه، أسأله أن يعلمني النظام في رسم الكلام. فأخذ كلامي يمتحنه. ثم قال لي: ‘ها أنت ترسمُ الكلامَ بنظامٍ من عندك، فلماذا تريدُ نظاماً من غيرك أنت لا تحتاجُ في كتابتك لسواك’. قلت له: ‘سمعتُ أن ثمةَ حدوداً موضوعةً لكي تكون الكتابة مقيدةً حسبَ نظامٍ مجموعٍ مسموعْ، وأريدُ أن يساعدني هذا على صنيعِ الكتابة’قال: ‘يا بُني، اذهبْ إلى الكتابة وحدَك. أخشى أن أعلمكَ نظاماً تهتم بتخومِه فلا تعودُ تكتبُ نفسَك. اذهبْ فإن كلامَك نظامُك’. من ساعتِها رُحتُ أضعُ الكلامَ وحدي، والكتابةَ وحدي، والخطَّ وحدي، وكنتُ كلما ذهبتُ إليه بكتابتي، مرسومةً مرقومةً، أخذَها وخَلَّصَها من خجَلِها وترددها وأطلَقها من إسار الدرس، وقال لي: ‘اذهبْ فأنتَ الفضاءُ والطير’. ***الزفيروضعتُ لها كتابي كي تراني غائماًهي امرأة، لها خوفي من الإيقاع فاستثنيتُ في قلقٍ تفاصيلَ القصيدةِ وهي تنمو في قميص الليل أججتُ الغوايةَ كي أفِي بالوعد، حتى إنها في ذروة التجديفِ مَسَّتنِي بباقي شهوةٍ بزفيرِ أنثى أبلغتْ روحي رسالتَها الأخيرةَ ثم مالتْ بانعطاف، واشتهتْ وَهَذَتْ، فأوشكنا نذوبُ لفرط لذتناترى مُـتنا قليلاً دون أن ندريهي امرأةٌ تسمي غيمَ أحلامي حقيقتها الأثيرة فانتبه لي أيها المجنونُ بي زَعزعْ يقيني يا قريني في كتاب الشك واقرأ في جنوني. *** وشم ‘خولة’إبرٌ ناعمةإبرٌ نائمةإبرٌ حالمةتقرأ في الجرحِ ما يستعيدُ الحروفَ الصغيرةَ في الكتب الغائمةهكذا تبدأ الذكرياتكأن الحياة طريقٌ إلى القتل أولُ أحلامه خاتمةإبرٌ سوف تغزل أخبارنا بالحميم من الدم، بالسرِّ في العين، بالمنتهى وهو يبدأ، بالمستثار من الخضرة العارمة ***هل متّ حقّاً1هل مـتُّ حقاًهل حياةُ المرء أقصرُ من قصيدته وهل عبثٌ ولادةُ شاعرٍ كحياةِ عصفورٍ يرى في الكأسِ بحراً غيرَ مأمونٍ وهل غيري يموتونَ ارتجالاً مثلما يبدو؟2كان الهواءُ يزيح أوراقي، وأكادُ أُنهي آخرَ الكلمات مَنْ يُكمل قصيدتي الأخيرةَكنتُ أوشكُ أن أقبٍّـلَ ‘خولة’، وأقيس أحلامي بخيطِ ردائِها بالكادِ كانَ الضوءُ يوقظني كما البوح الحميم لقلبهاهل حقاً يموتُ الناسُ قبل نهاية الدنياوأيةُ حكمةٍ في الخلقِ إنْ كانَ الفَـناءُ بهذه الجدوىفهل لي أن أصدقَ خالقاً يقضي طويلاً في ابتكاري ثم يقتلني 3هل مِـتُّ حقاً؟

لا أصدقُ كنتُ في باب الحياةِ أهيئُ الأسماءَ للأطفال أحلمُ أنني مستقبلٌ وخرافة الصحراء ماضيةٌوطيشٌ قادمٌفلديّ ما يكفي من الأشعار بحرٌ واسعٌ لو أن هذا القلب ليس حقيقةًهل متُّ قبل الموتِهل عُمرُ القصيدةِ قادرٌ أن يبلغ العشرين؟ ***كونشيرتو الضياعضاعَ على رسلِهأغفى على فرسٍ ضائعةأضاعَ بوصلة الوقتأرخى خريطته كي يضيعلم يضع مثله شاعرٌلم تضيِّع بلادٌ فتىً مثلهضَيَعه الضائعونَكلما ضاعَ في ليلِ أحلامهأضاءت له الخطواتُ الطريقَعلى رسلهضائعٌ ويضيعُ ويحنو عليه الضياعُ.

من أين ابتدأتمن أي البلاد أتيتَ من أين ابتدأتَ البيتُ أم زنزانةٌ أم حانةٌ من أين يبدأ شاعرٌ، فيصير ورداً هل بلادك جنةٌ مفقودةٌ من أين تبدأ عادةً ولديك ما يكفي من الأخطاءبيتٌ أم بلادٌ أم فرارٌ شاسعٌ من أين أسماءٌ لديك وإخوة ترثيك قبل الموت أيان ابتدأتَ لديك ما يكفيكتيه û ضائعٌ ولديك خيلٌ نافرٌ ولديك كأسٌ تاسعٌ إذهبْ لتشربْ وابتدئ من حانةٍ تهذي وتبتكر المكان هذي بلادٌ سوف تنسى ظلها فاصرخ بها تصغي إليك ليست بلاداً ربما رملٌ غريبٌ ربما جُزرٌ وتنكر أهلها ارجعْ لها هذي بلادك أينما يممتَ وجهك عُدْ لها بيتٌ ونصفُ زجاجةٍ. وثلاث دوراتٍ من التأويل. لا امرأةٌ لتهوى. لا عدوٌّ صادقٌ. والكأسُ لا تمحو فراراً. قل لنا من أنتَ. من أين ابتدأتَ. وكيف طابَ الشعرُ في البحر الطويل وأنت في الصحراء تزدرد الغيابَفقل لنا. من أين تبتكر الكتاب. ***ماذا تريدون منّي؟

كيف تريدونني أن أراه، وهو مستوحشٌ في تجاعيده كيف لي أن أميز إيقاعه وهو يخرجُ في كل يوم على الوزن ميزانه أنه واحدٌ والملوكُ كثيرون أن القبيلة تقتله والقضاة يرونكيف تسمونه العبدَ وهو على صهوة الريح حرٌ ماذا ترون بأشعاره النادرة، غير أخباره الخاسرة تريدونني أن أرى ما ترونأيها السادرون بعيداً. سيبتعد الآن أكثرإن الخراب الكبير الذي تشِيدُونَه، دُونَه شاهقٌ مثل عيد الرمادأسمع الآن صوت الهشيمفهل تدركون الذي تفقدون طفلكم طفلُ أحفادكم تفقدون الحروف القتيلة في النصماذا تريدونني أن أرى، غير هذا الشهيق الممزق في كبد الطفل، في وردة الريح يسرقها الآخرون وحيدٌ ومستوحشٌويشرد مستنفراً لا أرى في القصيدة حرفاً سواه.***رقصة الغجر1وكنتُ إذا مشوا في الرمل أقرأ خطوهَم وأصيبُ ناياتٍ وأستهدي بحزن صليلهم في الليلكانوا يسألون عن الصبايايشرحون المعجزات لهن سربُ قواقعٍ ونثارُ أحجارِ الغياب وجنةٍ مخبوءةٍ والوردة المكتومة الأحلام. كانوا يسهرون ثلاث آياتٍ على الفجر المريض. يبنون بالباقي من الأحلام مأدبةً وطيشَ غرانق، ورُقىً يُصَلُّونَ الغرامَ بها. وكنت قرينَهم في الأبجدية. منتهى قمصانهم. وهي ارتعاشة رقصة الأخطاء صرخة روحِهم مذبوحة في سيرة السفر الطويلوكنت أسعى كي أكون دلالة التأويل. لم أقبل بتفسيرٍ يطاردهم. ولي في خضرة الوشم القديم إشارةٌ تغري ببعض الموت خيطُ الناي والشعبُ الذي يبكي كماناً ضائعاًسيظل يبكي مثل ثاكلةٍ فتىً في روعة العشرين تأنيب الضمير خيانة الذكرى هدية عاشقٍ مغدور موجاً تائهاً وقبيلة أخرى كتاب الخمر والكلمات في كيس الخراب وأمة تسعى لتقديس العذاب.2كان الرمل حبر كتابهموخيامهم بيتُ القصيد وكان شعرُ الخوف نجمهم البعيد.

أقرأ خطوهم كي أخطئَ التفسير في ليل الكتاب ذعرُ الغزالة عند نبع الماء. تجْعيدُ القميص تزيحه القبلُ السريعة. نـزّةُ الدمِّ ساعة النصل المباغت. وازدهارُ الطفل في حضنٍ على فرس المسافة. منتهى شعبِ الخرائط في ضياع الليل. وردُ الكبرياء وجنةُ الخسران. رقصٌ صارمٌ لسلالة الأخطاء عرسٌ عاجلٌ يجتازناأسماؤنا الحسنىتجاعيدٌ ملفقة لوجهٍ حالم 3شعبٌ سينسى أنني أجَّلتُ موتي تسعَ مراتٍ لكي أحظى بيقظته نصبتُ له الخدائعَ وانتحلتُ النصَ والأنخابَ والغجر السكارى بالجمال ورِقةَ التهذيب بالخمر الغريبوتسعَ مراتٍ نجوتُ بزهرة الميزان كنتُ إذا مشوا في الرمل أسمعُ خوفَهم في ملتقى الأنهار أخشى أنني لن أعرف المعنى وإن أجلتُ تسعاً عشرَ مراتٍ ففي بعض التفاصيل اختزالٌ لا يجوز مع الغجرْ. إلى غجرٍ تعود قصيدتي لتنال معناها لتفسيرٍ مزاجيٍّ لشعبٍ يفقد الإيقاع أسلمَ واستراحَ وغادر القاموس لا غجرٌ له شعبٌ أضاعَ كمانَه نسيَ الأغاني واستقر بلا سفرشعبٌ يفرّط في الغجر.***هاتوا النبيذخطّ كلمته الأخيرة في منتصف السطر، في عين الورقة، في المسافة بين الحبر والدواة. بسط ريشته العليلة على خد الورقة، رفع رأسه بتثاقل الحالم وقال لهم: هاتوا النبيذ.

اجتاحت أجساد الحرس رجفة الدهشة. -نبحث لك عن طريقة لموتك وأنت تطلب النبيذ؟ -ها اني قد اخترت طريقتي في الموت. لا يليق للشاعر أن يموت كما يحلو للآخرين. مثلما عشت أموت. وما عشت معه أموت به. ثمة موت يضئ للشاعر مواقع أقدامه. هاتوا النبيذ.- وكيف؟- أشربُ حتى الثمالة، و في اللحظة التي يصعد الدم من عروقي في جمرٍ وفي شظايا، تفصدون كاحلي في المكان الذي حملني الى المجرات، فأنزف حتى ينفد الأحمران في مزيجٍ واحد. الجسدُ هو زجاجةٌ أيضاً. وإذا كان لأحدٍ حقُ بذل زجاجته بنفسه فهو الشاعر. يرفع كأسه الأخيرة بجذوة الروح في الجسد، وينتخب حريته الأخيرة، فلا يكون للملك ميزة حق القتل وحق اختيار الشكل. هاتوا النبيذ، فجاءوا له بالنبيذ، فيما كان يرتب أوراقه الأخيرة ويحزمها بالابريسم الأخضر، ويختمها بزجاج القدح والنبيذ يندلق ويمنحها القرمزي الحزين الذي استُدرجَ ليكون شاهداً على الفجيعة. أخذ يصبُّ الاقداح ويعبّها وهو يستسلم لاندلاعاتٍ متتاليةٍ من البوح والهذيان والهلاس، وقمصانه تتهدل بما يطيش من النبيذ ويطفر من القرمز وما يفيض من الولع. كلما انتهتْ قارورةٌ وترنحتْ فارغةً لفرط الفقد، جاء الحرسُ له بالمزيد، وهم ينظرون ويسمعون مذهولين إلى ما لا يُصدَّق. -لكي تذهب الى موتك حراً كما في حياتك، يتوجب عليك أن تختار السبيل الجميل إليه، فحقيقة الموت تكمن في انتظاره والطريق إليه. إذا تيسر لك أن تذهب وأنت في ذروة الانتشاء، فسوف تقابل الموت وأنت أقوى منه. ليس مثل الخمرة سلاحٌ يهزم صَلَفَ الموت وعنجهيته ومزاعمه. هذا النبيذ قرمزٌ يمنح الدمَ طبيعته الخالدة، فاللون ليس صدفة، كما الشعر والحب في الحياة.

هاتوا النبيذ أيضا وايضاً، وتعالوا أطلقوا دمي من أسره، فها أنا أشعر الآن بالنيران تتفجر في أوردتي، والكحول يتصاعد شواظاً في الشرايين. افتحوا الطريقَ له، هاتوا أكثر شفراتكم رهافةً واجرحوا كاحلي بين الجوزة والكعب.

هاتوا النبيذ هاتوه.

قيل، فلما جرحوا العرق النافر، انفجر نهرٌ صغيرٌ من القرمز الدافئ، و’طرفةُ’ ينظر في سكون، لا يصرخ ولا يتوجع، ممسكاً بقدحه الأخيرة وهم يصبون له الشراب كلما فرغ. يشرب وينظر، وابتسامة غامضة تطل من شفتيه المصبوغتين.

قيل، فلما ارتختْ أعضاءُ جسده، كان النهر الأحمر الصغير يكبر ويتسع ويفيض، حتى امتزج الأحمران في برزخٍ شامخٍ بين اليد والكاحل. واختلط على الحرس الحدُّ بين الدم والنبيذ. فتجلى لهم شكلٌ من الموت لم يعرفوه ولم يسمعوا عنه. قيل، فلما جاءوا يفحصون جسد الشاعر، وجدوا العطر الزكي يفوح من الجثمان، ورأوا ورداً أحمرَ يتفصّد من أردانه، وعندما رفعوه عن الأرض يحملونه أحسوا كأنهم يحملون ريشةً صغيرةً في حلم.

قيل، فلما سمع الملك عن طريقة ‘طرفة’ في اختيار موته، صاحَ في حسرةٍ: ‘ آهٍ، قتلني ‘طرفة’ قبل أن يموت’.***————–من كتاب ‘طرفة بن الوردة’، أنجز في 2008، قيد الاصدار

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية