مقامات الانقسامات وتقاسيم الانهيارات
جمال القيسيمقامات الانقسامات وتقاسيم الانهياراتغالي مؤنس الرزازفأتصادم بي فأتهشم.أمدّ وعيي ليلتقط شارة نبض تومئ الي بقائي فيتلعثم الأثير، وأتحسس بسمعي احتضار فعاليتي، وأبصر صدي قامتي التي كانت عالية!ما جدوي البقاء ؟! والعمر يترنح بين حلم مغلول ووهم مراوغ، والأقدام لا تثق بدربها، والفضاء شلح دلالته ونبذ معناه، وتقمص دور قاتل طيور وتجهم!طيوري زواحف، وأرضي يباب كساح وقانطين. أروم الإبحار فيّ فأموت غرقا في السرير. أجدّ في صد اليقظة فأرد خائبا ولا أفلح إلا في تمجيد نجاحاتي المتلاحقة في مساقات الخيبات بتفوق لا يضاهي. وأخفق في بناء معالمي. يا للمتاهة!أين السبيل ؟ الشارع يلهث ولها بحذائي، وحذائي يتضور قرب الباب، يستجدي قدمي كي تؤنس وحشته، وقدمي تسترخي ميتة فوق سرير غيبوبة أردت جسدي هامدا بإرادتي الحرة الطليقة المكبلة.في الصباح المدلهم أدلهم ولا أشرق البتة. لعل في قلبي إشراقا لا يبين! في صحرائي أعراب لا يعربون جملة روحي الملتاعة، ولا يفقهون قول صمتي. لمن الشكوي والبلوي تعاظمت! وما عندي من طاقة نفد، ذهبت مغاضبا فولجتني دوامة الغثيان، وما قدرت علي نفسي فانقسمت، واتخذت البحر متكئا فانهرت، واستجرت بالعاصفة فنثرتني. هتف بي هاتف : الق بروحك في مغتسل بارد وشراب. فحيل بيني وبينه، ووجدت الشيطان ينصب شباك مصارع القانطين فصرعت، وفزعت الي (عبد الباسط) يرتل علي مسمعي آيات التئامي وأوبتي النضرة الخاشعة فأخذني بمعيته زمنا. منه تغار فيروز فتصحبني تحت رذاذ شتائها الحزين الي النهر الرحباني لتمحو شلالات الصخب العنيف. أري داخلي كهفا وفضاء. خفاش عتمة أسود ونورس بحر أبيض. وأختلط، فأشتبك، فأنعقد، فأقتعد الأرض متكورا، فأمتزج عذب فرات سائغ وكدر أجاج لا يجرع.هذا حلم أم عين واقع ؟!ما الفرق ؟ واقع بهي ام حلم بغيض . حلم بهي ام واقع دميم!يا لقصوري الشنيع… لعلهم فتكوا بحلمي الوديع أمام عيني الغافلة!أقول لكم :سأقطع آخر خيط يوصلني بالعالم الخارجي.سأفتح جرح الذكريات وانكفئ.سأخوض في عباب رماد أناي كمحاولة يائسة لفهم أخير.سأضع حدا لحياد لحدي وأرغمه أن ينحاز لحماية جسدي وتخليصه من احتلال الروح الغاشم.سأدون وداعي بمداد من ماء القلب وأوقعه بنشيج القلب… قلبي.قلبي كوة في جدار جسدي.جسدي قيد ثقيل، مسجي جزر أعباء اختلاف الليل والنهار لا ينسي قلبي واجبه.فأطل منه عليكم، احن الي عيونكم الجامدة، احنو علي غلظتكم وجهلكم بأصول الحب الشفيف وينحني قلبي أمام ضعفكم.ـ في اوج ادعاء القوة يتجلي ضعفكم العاري من الأصباغ والزخارف ـغير سوي في مغايرتي لرقاد عباد الله وسعيهم، منشطهم وسكونهم. ليل اليقظة ونهار السكون يتداخلان. الشمس لليلي والقمر لنهاري، والشمس والقمر في عالمي الجواني الملغز يشتبكان. ليل ابيض. من يفض اشتباكاتي، وتصارع ذواتي، وينهي حربا ضروسا أتت علي اخضر شبابي ويابس أيامي ؟!لا مطفئ ولا مشعل لنار اشتباكاتي وحروبي الاهلية إلا ذكر الاحباب.لا يكتم أنفاس إجهاشي واستيحاشي سوي حبوب البرد والسلام والأحلام. لكنني أفيق. النهار يرقد في عيني الدامعة والليل يهجع في عيني الذاوية. والكتب في مكتبتي الخشبية تحترق امامي.السقف شمعة تقطر علي قدمي اليابسة.النافذة اشلاء ومنها ينبثق الصخب فأتجاهله، واصغي الي داخلي بنظرة مدهوشة فأري نحيب أهل عاشوراء مخضبا بالدماء. افزع الي (لوامع الأنوار البهية) قبل ان يصير رمادا.امسك بـ(فتح المغيث) افتحه مستغيثا فيناديني (هيغل) الي معمار جدله المتداعي. يدعوني اليه (انتحار المثقفين العرب). ويغلّق علي وكنت ارنو الي الفتح وبيدي رصاصة او حجر او سيف. وبالأخري رقي او ادعية او مصحف، نصفي يحترق والآخر يغرق. نصفي لهب. نصفي الآخر ماء ونوافير، قال صوت :اصعد.فصعدت وقال :قل.فقلت:استأنفوا قرار اليأس.ميزوا حكم البلاء. عوضوا علي قلبي خساراته اللاحقة وربحه الفائت.انقضوا غزل قضاء الدنيا الواهي السقيم، ليستقيم قلبي الطعين وتبرأ عيوبي.وكنت تحت سماء لا ليل امامي ولا نهار. وقال:ـ قل.فجأرت:يا جابر القلوب الكسيرة أعز نفوسنا الذليلة.فاختفي في رفة جفن. وصحوت من يقظتي… لكنني اقول لكم : هندسوا خرابي.اثثوا انهياراتي.اريحوني من راحة الالم.ضاعفوا جرعات الكآبة.خففوا عني نعيم المكابدة.صفقوا لبقائي مجاملا تفاهاتكم.لا بل اقول لكم :برّروني سوغوا اعتزالي قطيع الاذعان لشروط المناخ المتقلب وقواعد الطبيعة الصلدة.فهرسوا امزجتي. بوبوا شذوذي.نقحوا متوني.اضطهدوا حوشي مفردات الفصل الكامل في روحي. عقلنوا انتمائي الي الوحش واستجارتي بالوحشة.أولي بي ان الهج:أرح روحي يارب.باسم هذه الانهيارات المباركة أجرني من نار الوساوس الأليمة ومباضع الضلالات السقيمة.تتناوب علي بلاءات ايوب عليه السلام تتناوشني العلل. تتقاسمني الرجاءات والضراعات. ويدخل في روعي ان المحنة منحة والبلاء عطاء. فأرقي في معراج المكابدات الأليمة، واسمو فأصفو وأكون قريبا. وتتبدل السماء، وتدور الأرض، فتقوم قيامتي، تتنازعني الرغائب والهواجس وأري فيما اري حبال الرجاء مقطوعة، خوابي القربات محطمة، سلالم اليأس قائمة تدعو قدمي التائهتين، فأزفر في هجير وحشتي واصداء تبددي:ايها الصبر أحلتني الي جبل في جوفه الحمم كامنة، ارنو الي غيمة ندي بيضاء لأكونها فلا أصيرها!ايها اليأس مزجت صفو كأسي برحيق دمي فأمسيت لا أشرب الا ومقبض الخنجر في يدي!فيا ايها السكاري اشربوني املأوا سلالكم بآخر ما تبقي من ثمار روحي.وأطيلوا الغناء علي فنائي.اقتسموا أنفاسي تستطل أعماركم.انزعوا عني قميص عبء لحمي واتركوه غنيمة مشتهاة لذؤبان دنيا هوس البقاء.اتخذوا عظامي صلبانا لأحلامكم الذابلة، تتفتح من جديد.أسأل قلبي:من يضمد بهجتي اليتيمة، ويرتق ثوب رجائي!وقلبي طفل يلثغ بحروف العشق، وكهل يقول الحكمة، ويهدي المغمومين سبل الهيام.حيران أضيع سدي، وقلبي ما عاد دليلي. يهدي سواي وأظن به الظنون، وأرتاب وتساقط علي نيازك أرق فأقيم الليل شبّاك سهر وانهيارات. قلبي غابة ران، كتيبة وساوس، دخل أسرار وقلق خواطر. قلبي مباح. ظلال محبة خالصة. قلبي موصد ومزلج ومقفل. قلبي باب مشاع، ويباب قيظ وأصداء.ما أعلمه أن رأسي مكتظ بالخطر ونفسي ملوثة ملتاثة، وروحي تتهيأ للفرار مني. وما أعلمه أنني خال من نذر الخطر، ونفسي طيبة، وروحي نبيلة. ما أعتقده يقينا أنني لا أنتمي الي شيء، وفي قبضتي جمرة كبيرة لا أقدر علي التحرر منها لذا:سأطفئ مصابيح صبري وأمسي البلاء النازل المقيم.سأزوج قمر رضاي بصخرة سخطي ليعم ظلامي.سأزج بعندليب حلمي في قفص يأسي وأجهز علي قصيدة رجائي ومرثية ذاتي دون تأس.سأحرق سفينة الزمن في بحركم الميت، ولن أعتصم بجبل نجاة بل سألوذ بصوتي الصارخ علي الطوفان كي يجتاحني ملبيا…ـ طوفان ينازل طوفانا ـسأدعو السباع الآدمية الي مائدة اشلاء روحي المسمومة.لتكون لها عيدا وعليها خاتمة سعير العشاء الأخير.فلا بقاء لغريبٍ رقيق مكسور وقوي غليظ كاسر!ہہہفي ظلال شجرة قلبي الوارفة.تتفيأ نساء يانعات، أسقيهن من ذوب دمعي وصبري علي حساب يباسي. رفيقات العمر المتعب. أفي بعهدي ولا أخلف موعدي مع اسمائهن في دفتر الذكري الحميم.ہہہفي الليل أبواق فزع. عمر يسفح علي عتبات الصمت الرهيب. شرفات تحتضر، كوابيس في ريعان جولتها الخانقة. ليل الفصول جميعا، بيده يرسم دمعتنا، ويقلب صفحات كتاب اللوعة والذكري والنأي والقرب.من قديم… من قديم أيها الصحب والمعارف والأسماء والأقربون. أقتعد صخرة جبل مهجور، وأحدق فيّ فأراني ملامح متعبة، عيونا مجروحة، ذاتا محيرة، مناعة منهارة، يقينا مبعثرا، يأسا ذا صهيل، ارادة ذابلة، وردة رماد، سلحفاة قلبت علي ظهرها وتنتظر معجزة تصد موتها المحتوم.أسمع صوتا يزمجر في أذني النازفة :ـ أيها الكهف والغيمة والنهر. يا فردوس العذوبة وجحيم السخط. يا حياة يا موت يا ساحة عراك المتناقضات. يا بئر السر الساكن وميدان الصخب. أيها الحجر أعرض عن هذا !وأمد يدي فتباغتني في وحدتي رائحة أنثي مدت الي قلبها، وأغدقت علي عين محبتها، ورافقتني الف عام، وقطع حبل وصلنا غياب لا يرد. هي سيدة الوفاء الأنيق.وحق هذا التعب يا سيدتي ما عاد في القلب فسحة للبهجة! ليكن هذا اليوم سوقا للخصام، وتبادل الضغينة، وتداول أسهم الشقاق والنفاق، وشراء المكائد بالنور.لأكن صخرة اقتلعت من قلعة الاحتجاج العنيف ورميت في وادي العدم والزهد في دنيا لا تقبل في قصرها الا الأقزام.لأكن وداعا نهائيا حاسما يتردد في أنحاء الوجود المجروح بغيابكِ :سلام علي الأرض. سلام علي التراب.سلام علي صمت القبور. سلام علي اغماضة الروح.ہہہصدي الانهيار :افسخوا شراكتي مع الكساد.أحيلوني علي الحياة.قوموا استقامتي بسيف الاعوجاج.احرفوا قطار نزاهتي الخاسر عن سكة الخساسة الرابحة.أبطلوا مفعول صلابتي.وذوبوني في مستنقع الهلامية المعظم!ہہہخاتمة :سأنازل النوازل وأقارع عاصفات المحن.سأجرع قدح الهم الزعاف وأحسو ثمالة كأس ما لذ من المرارات وطاب.سأهدم خوفي، وأردم خنادق حذري.سأقوض عمارة حرصي. وأمضي أطوي درب الآلام شوكة شوكة… بقلب لا يدمع أبدا، وبعين عظائم الدنيا فيها صغائر. بحذائي ادوسها وأمضي. قاص من الأردنQSR0