مقامات في نعي المشروع الديمقراطي العربي
عادل الحامديمقامات في نعي المشروع الديمقراطي العربيلم تكد تطوي صفحات مرحلة ما بعد الحرب الباردة حتي بات العالم الجديد الذي لم تتشكل تضاريسه السياسية بعد مترقبا ما ستأتي به الأيام الأمريكية إلي منطقة الشرق الأوسط ممرغ الحضارات وبالوعة المدنيات التي لا تستأنس بوافد ولا تنام علي ضيم ولو كان من سابع الامبراطوريات التي يخيل إلي أنها استعجلت قطف ثمار السيادة الكونية واستبدت بالرأي، والعاجز من لا يستبد خاصة من غير العرب الذين تحولوا منذ قرون من الفعل إلي المفعول به حتي إشعار آخر.لم يمر أكثر من ثلاثة أعوام علي تربع الرئيس الأمريكي علي أريكة الحكم البيضاوي حتي استيقظنا ذات ليلة علي مشهد عزت رؤيته منذ قرون حيث تربع هارون بريمر علي سرير الرشيد علي مسمع من التاريخ ومشهد من المؤرخين. منذ ذلك التاريخ والمبشرون الجدد يهللون ويكبرون لهذا الوليد الجديد الذي يتكلم الديمقراطية وهو في المهد العراقي صبي، وكالوا له من الأعمال نثرا وشعرا غزيرا حتي خلناه النبي اللاكذب عيسي بن مريم. لكن حصيلة السنوات الأربع التي آلت إليها تجربة البعث الديمقراطي الجديد في العراق أثبتت لنا أن ما حدث ليس إلا رضيعا لا يصلح لغير بيت الأموات التي فاح نتنها حتي أزكمت أنوف اقتصاديات العالم بعد أن استشكل علي العقول العراقية عد موتاهم. ومع إقرار زعماء التبشير بعسر المخاض وباستحالة مغادرة الجنين غرفة الإنعاش فإنهم استمسكوا بعراه الواهية حتي جاءت أمطار الصيف لتئد الدجال الديمقراطي وتعود به إلي النقطة الصفر وتريح أنصاره حتي من لذة الحلم.في مطلع تسعينات القرن المنصرم اقترحت ثلة من النيوكنزيين الأمريكيين ودعاة التحديث علي إدارة بوشهم الأب ما بات يعرف بسياسة الفوضي البناءة، والمقصود بها تغيير العالم علي نحو يجعل من أمريكا قوته العظمي الأبدية. ومن أجل ذلك وضع وولفوفيتز ونظراؤه من الصقور في السياسة الأمريكية خطوات عملية لهذه السياسة يأتي علي رأسها احتلال العراق. وقد جاء زلزال الحادي عشر من سبتمبر علي غير ميعاد ليعجل بقرار إسقاط النظام البعثي في العراق ويستحدث أسلوبا جديدا في التغيير والإصلاح تم بموجبه استبدال المعارضة الداخلية بالعمل الخارجي لقلب أنظمة الحكم وإلباس الاحتلال لبوس التحرير والإصلاح السياسي الموعود.سقطت كابول ثم بغداد والعالم الثالث يراقب ويراجع سياساته الداخلية ويعقد المؤتمر الإصلاحي تلو الآخر ومقولة حلق الـــــرؤوس عن طيـــب خاطر قبل أن تحلق صاغرة تقض مضاجع الحكام وتفسد عليهم حتي نعمة الاستمتاع بحلاوة كراسي الحكم. وغدا التواجد العسكري الأمريكي والأجنبي في دول الخليج العربي والشرق الأوسط أمرا اعتياديا لا بل إنه ضمانة للأمن والاستقرار لدي كثير من دول هذه المنطقة. أفغانستان والعراق من الدول المارقة التي يجب إخضاعها بالقوة لنواميس النظام العالمي الجديد علي أن تكون تلك مقدمة لدول أخري مارقة انخرطت ضمن محاور شر بالتعبير الأمريكي تهدد المشروع الديمقراطي الذي يروم قادة العالم الجدد تعميمه علي العالم كله.لكن السنوات الخمس الأولي لم تنجز من وعود الديمقراطية غير الشعارات والخطب السياسية، فالقوات الحكومية الأفغانية مدعومة بالقوات الأمريكية والبريطانية لم تستطع حتي الآن أن تسيطر علي الأقاليم الأفغانية ولا أن ترسخ التجربة الديمقراطية غير تلك الصور النمطية عن السهرات المختلطة في مقاهي العاصمة كابول بعد أن كانت المرأة مطمورة بحكم قانون طالبان. أما العراق فلا تكاد تري لحكومته المعينة أو المنتخبة حتي أثرا إلا في المنطقة الخضراء أما باقي نواحي العراق فمسرح لحروب بعضها طائفي عرقي مقيت وبعضها الآخر إجرامي ثأري وأغلبها وطني تحرري يأبي أن يكون رقعة أو حجرة في لعبة شطرنج بل يسعي أن يكون لاعبا أساسيا.كان شعار إشاعة الديمقراطية والإطاحة بالأنظمة الدكتاتورية الفاسدة مطلبا شعبيا داعب أخيلة أغلب الشعوب العربية التي أضناها الظلم وأقعدها الاستبداد والقمع عن المساهمة في أن تكون طرفا فاعلا في إدارة حوار حضاري فاعل ومتجدد. رصد القائمون علي هذه المشاريع مبالغ ضخمة توزعت علي مختلف نواحي الفعل في الحياة من مراكز البحوث حتي معاهد التدريس مرورا بوسائل الإعلام وصولا إلي الحكومات وأروقة صناعة القرار في عالمنا العربي. وقد أسهمت حالة انسداد آفاق الحوار السياسي الداخلي وتعثر حركة الإصلاح الوطني المستقل في عالمنا العربي في تضييق الخيارات السياسية، إذ غدا التصنيف إما أنك مع التغييير والحلم الديمقراطي الموعود أو مع أنظمة التكلس والفساد والاستبداد، وهما خياران أصبح الجمع بينهما صعبا بحكم دخول العامل الخارجي علي الخط.يوم أجبرت قرارات الأمم المتحدة القوات السورية علي الخروج عنوة من لبنان، بعد أن كانت القوات الإسرائيلية قد أخلت الجنوب اللبناني تحت نيران البنادق والكاتيوشا، ارتفعت الرايات البرتقالية في مختلف الساحات العامة في بيروت، وكتب بعضهم عن عودة للزمن الأول من بيروت المتعددة المذاهب والأفكار والتوجهات، وبشر آخرون بميلاد عهد ديمقراطي جديد يسقط فيه إميل لحود المنصب ليختار الشعب رئيسه من جديد. مضت الأيام مسرعة تطوي معها الأحلام علي وقع عودة الاغتيال السياسي الذي طال رجالا أسهموا في إنهاء الحرب الطائفية وبناء لبنان الحديث، فدخل القادة القدامي والجدد في دوامة من الصراعات مع قوي موهومة المستفيد الأول والأخير منها الطرف المتربص بلبنان وأهله والخاسر الأكبر فيها الحلم الديمقراطي البرتقالي الذي غني للحرية ولإرادة الشعوب وحقها في اختيار حكامها.إن جوهر الديمقراطية هو احترام حقوق الإنسان وتشريف آدميته، وهو ما يتنافي مع منطق السجون والاستبعاد والعزل من أجل التعبير الحر عما يجيش في أعماق هذا الكيان البشري. ويوم أن أقدمت قوات حزب الله في لبنان علي أسر جنديين إسرائيليين قامت دنيا الشرق الأوسط ولم تقعد بعد، وهكذا زج بالمنطقة في أتون حرب بالوكالة لا أحد يعرف نهايتها. ويوم أن طالب حزب الله بإطلاق سراح أسراه اعتبر ذلك مصادرة علي المطلوب وذريعة لنقض سلام أجبر عليه الفرقاء بمن فيهم إسرائيل.الغرب ليس دمويا بالسليقة إذا سلمنا بالإزدواجية التي فطر عليها الإنسان، إلا أن هذا الغرب وخصوصا السياسي منه قد أدمن بحكم انخرام الكفة لصالحه علي التعاطي مع هذه الشعوب من موقع السيد المدبر. ولا أحسب أن ثمة رغبة غريزية لدي نخبه الفكرية علي الأقل في امتصاص أرزاق هؤلاء الأبرياء من شعوب وجماهير محكومة بقانون الغلبة والجبر علي الدوام. فالحكم العربي تيوقراطي محكوم بسلطة الفرد سواء في غياب الإسلام أو في حضوره، وحتي لا أتجني علي الحقيقة فإنني أستثني من ذلك العصور الذهبية للحكم الإسلامي التي استمرت زهاء الثلاثة قرون. كما أن الديمقراطية لا تمر حتما عبر احتلال الشعوب وزرع الألغام المذهبية والطائفية ونبش قبور نوم القادسية التي كنا نعيبها علي حزب البعث الحاكم آنفا من أجل استئناف الحروب العرقية والدينية باسم الديمقراطية.تري ما هو الفرق بين الإنسان الشيعي في العراق الذي يعمل جنبا إلي جنب مع السفير الأمريكي زلماي خليل زادة أحد أبرز مناصري نظرية التفوق الأمريكي وصناع ما يعرف بوثيقة الإرشاد الدفاعي الأمريكي التي أعقبت انهيار الإتحاد السوفييتي وبين السيد حسن نصر الله ورفاقه في لبنان وهم يضربون المصالح الأمريكية في العمق؟ ما الذي جعل من السيد عبد العزيز الحكيم محاورا نجيبا يتكلم باسم أمريكا وجعل من السيد نصر الله مقاتلا عنيدا وحاملا راية معركة الأمة ضد الأمريكيين وحلفائهم الإسرائيليين؟ هل هذه هي معالم الفوضي البناءة أم إرهاصات ما بعد الديمقراطية والدخول فعلا في عصر تناطح الثوري ـ الحضاري ولا أقصد بملفظ الثوري الثورات وإنما أشير إلي ذكر البقر وارتكاس الحضارة إلي ما قبل تاريخ الإجتماع البشري.هل يعد أسر الجنود الإسرائيليين وإغراق الجنود الأمريكيين في الوحل الأفغاني والعراقي بهبة رياح إعادة العزة للأمة أم أن ذلك ليس إلا مغامرة غير محسوبة أوحت بها مصالح قطرية وظروف مستجدة في المنطقــــة فرضت علي الفرقاء خوض حرب بالوكالة رغـــــم أن نيرانها ســــتحرق أصابع الجمـــــيع والعربية منها خاصة ولن يسلم منــــها ما يعرف بـ: Stiky Finger وأقصد بها الأيدي الخارجية. وهل يمهد صراع الأضداد المتطرفة الطريق لحوار العقلانيين الوسطيين دعاة الحوار والمراكنة من أبناء الحضارات المختلفة لصياغة ميثاق عالمي جديد يمنع الظلم بين الدول؟ أين روسيا والصين من كل ما يجري؟ وأين دول أروبا الديمقراطية المتحضرة من سياسة العقاب الجماعي التي أسست للحرب العالمية الثانية وقتلت مئات الآلاف من الأرواح؟ لماذا عجزت قمة الدول الثماني في الاتحاد السوفييتي المنهار عن إصدار بيان شديد اللهجة يوقف إطلاق النار في لبنان ويؤسس للحوار بين حزب الله وإسرائيل؟ أم أن هؤلاء جميعا لم يعد لديهم من سلطة سوي الدعوة إلي ضبط النفس أمام الرفاق!الجدير بالذكر أن سياسة تعزيز الفشل العسكري التي طالما مارستها القوات الإسرائيلية خصوصا والمنتصرة عموما في قتالها مع الفلسطينيين والعرب بوجه عام لا تخدم مصالح السلام الإسرائيلي فضلا عن السلم الدولي الذي تسعي الولايات المتحدة الأمريكية مدعومة بمجلس الأمن ومنظمة الأمم المتحدة لتأسيسه، فمن مخاطر العمل بهذه السياسة القائمة علي معطي القوة المادية الآنية هو فقدان التصور الحقيقي لكنه أسباب فشل التأسيس لتجربة ديمقراطية واعدة تمهد للأمن والرفاه والتكامل بين الحضارات.ويمثل غزو لبنان والأراضي الفلسطينية وصب مزيد من الزيت علي نار الفتنة في العراق وحالة الاحتقان التي وصل إليها مشروع التغيير السلمي في العالم العربي، كل ذلك يمثل نهاية مشروع الإصلاح الديمقراطي الذي يحق لثقات المثقفين في الغرب والعالم العربي نعيه.فيوم أن أقدم مناحيم بيغن في كامب ديفيد علي توقيع اتفاقية السلام مع مصر لم يكن ذلك إرضاء لأمريكا وحدها ولا رضوخا لإفرازات الحرب التي بددت أسطورة الجيش الذي لا يغلب، وإنما كان القائد الإسرائيلي واقعيا يفهم ما معني تحييد مصر العربية وإقصاء الجيش العربي المصري من دائرة الصراع معرفة الجراح لموقع القلب من الجسد العربي، مثلما كان يعرف مخططو إسقاط بغداد معني احتلال العراق التي واجه زعيمها الثورة الإسلامية يوم أن قرر القضاء عليها في المهد نيابة عن أعدائها المتربصين في الغرب والشرق، أقول كانوا يدركون أن إسقاط العراق هو بوابة للاستفــــراد بلبنان وسورية وإحكام السيطرة علي ما تبقي من مناطق مارقـــة في الشرق الأوسط، لكن ما كل ما يتمناه القوي يدركه تجري رياح الشرق بما لا تشـــتهي رغبات الغرب حتي وإن سادت إلي حين.8