مقتل خاشقجي: السعودية تواصل لعبة الأكاذيب والاستخفاف بعقولنا

إبراهيم درويش
حجم الخط
0

بعد 17 يوما من النفي والإنكار، خرجت “وكالة الأنباء” السعودية وكما هي العادة في إعلانات العهد الجديد للملك سلمان وولي عهده محمد، ببيان في ساعة متأخرة تعلن فيه عن بعض نتائج التحقيق في اختفاء “المواطن” جمال خاشقجي، وأنه قتل في شجار مع 15 من عملاء وطبيب جاء بمنشار عظم وعسكريين مقربين من ولي العهد. وتم التخلص من جثة الصحافي الذي دخل القنصلية في 2 تشرين الأول (أكتوبر) ولم يخرج منها. وأصبح السؤال الآن هو عن مصير الجثة التي تقول السلطات السعودية أنها أعطتها لمتعهد تركي ولا تعرف عنها شيئا، مؤكدة أن ولي العهد لم يكن على معرفة بما حدث.

والحقيقة أن زيارة وزير الخارجية مايك بومبيو، الثلاثاء الماضي تحمل علامة المهمة لتخليص ولي العهد من الورطة التي كشف عن إصابته بالكآبة والغضب لفشل المهمة في إحضار خاشقجي إلى السعودية. واختفى بن سلمان لأيام وعندما خرج بدأ يبحث عن “كبش فداء” ومن جاء بالقصة هم حلفاؤه الأمريكيون. وبدأ هؤلاء بتسريب وتداول اسم الجنرال أحمد عسيري، وجه الحرب على اليمن. وقالت صحيفة “نيويورك تايمز” (19/10/2018) نقلا عن مسؤولين أمريكيين قولهم، إن الإدارة أعلمت بالأمر مشيرة إلى أن “التخريجة” الأخيرة لن تقنع أعضاء الكونغرس ولا الإعلام الذين يرون أن لا قرار يتخذ في السعودية بدون أمر ولي العهد وأن بن سلمان وافق شفهيا على قرار اعتقال خاشقجي، إلا أن عسيري أساء فهم الموافقة أو أنه تجاوز صلاحياته. وبالتأكيد كان عزله من منصبه كنائب لمدير المخابرات هو جزء من محاولة الأمريكيين تبرئة بن سلمان، من المسؤولية خاصة أن جارد كوشنر، طالب صهره ترامب بأن يدعم ولي العهد الذي استثمرت فيه الإدارة الأمريكية كثيرا وصورته بالمصلح والحليف القوي ضد إيران والطرف المهم في تمرير صفقة القرن لحل النزاع الفلسطيني – الإسرائيلي. إلا أن اعتراف الحكومة السعودية بمقتل خاشقجي هو بمثابة استسلام للضغط الأمريكي وتحميل مسؤولية مقتل الصحافي على جنرالات بن سلمان المفضلين بطريقة تسمح لواشنطن والرياض مخرجا من الأزمة.

واضطر بن سلمان، للتخلي عن أهم جنرالاته المقربين الذين بيدهم ملفات سرية مهمة بالإضافة لسعود القحطاني، مسؤول الإعلام بالديوان الملكي والشخصية المسؤولة حملات التواصل الاجتماعي، وهو الرجل الذي قيل إنه اتصل بخاشقجي وحاول إغراءه بالعودة وتولي مناصب مهمة في السعودية، رفضها خاشقجي. ومن هنا يبدو أن أمريكا ترامب قررت التمسك بحليف جعلته مركزا لسياستها في الشرق الأوسط. مع أن عددا من المسؤولين عبروا عن غضبهم من استمرار الأمير نفي علاقته باختفاء خاشقجي وهو أمر أدى إلى تسمية عسيري باعتباره المسؤول. ولا علاقة له بالعائلة المالكة ولكنه أصبح من الداعمين لحرب اليمن بشكل لفت انتباه الأمير له. ودرس عسيري في ساندهيرست ويتحدث الإنكليزية وصعد سريعا في سلاح الجو السعودي.

وقالت صحيفة “الغارديان” (20/10/2018) إن واشنطن وليس الرياض اخترعت قصة كبش الفداء رغم تباين المواقف بين العاصمتين. وقال مسؤولون أمريكيون ان الموقف السعودي لا يمكن الدفاع عنه. وحذر ترامب يوم الخميس من عواقب قاسية لكنه تردد في التحرك لاتخاذ مواقف.

والغريب أن التفسير السعودي لمقتل خاشقجي في “مشاجرة” لن يمر على الإعلام، فقد سارع المعلق في صحيفة “نيويورك تايمز” روجر كوهين، لكتابة سلسلة تغريدات جاء فيها “15 عميلا أرسلوا للقائه؟ واحد منهم معه منشار عظام؟”. وأضاف “حسنا، ألم يخرج خاشقجي من القنصلية قبل 17 يوما وأعاد السعوديون تعريف “كلامهم السخيف” الذي كانوا يقولونه، وأرسل بومبيو إلى الرياض لكي يفبرك قصة مقبولة لكنه فشل”. وقال: “يمكن للسعوديين اعتقال من يريدون لكن الشخص الذي تجب الإطاحة به واحتجازه ومحاكمته لهذه الجريمة هو محمد بن سلمان، وهو ليس رجل دولة وعليه القلق من السفر للخارج حتى لا يواجه قضايا قانونية”. وتساءل كوهين: “لو كانت عملية فاشلة “مشاجرة” لماذا قطعتم خاشقجي إلى قطع؟” وسأل السعوديين عن مصير جثة خاشجقي و”لماذا كذبتم على العالم لمدة 17 يوما وقدمتم كلاما تافها؟”. وعبرت كارن عطية، محررة صفحة الشؤون الدولية في “واشنطن بوست” عن قدرة رجل في الستين من عمره لمواجهة 15 رجلا.

وفي مقالة لنيكولاس كريستوف في صحيفة “نيويورك تايمز” (19/10 /2018) كشف فيه عن الأكاذيب التي روجتها السعودية عن خاشقجي و”زادت الآن سلسلة من الأكاذيب عن القتل بطريقة تستخف من جمال وعقولنا”. وعلق ساخرا من إعلان الحكومة السعودية بشأن المشاجرة التي قتلت الصحافي “هذه مشاجرة جلب فيها السعوديون معهم منشار عظام من أجل تقطيعه بعد ذلك، حيث قالت بعض التقارير إنهم بدأوا بتقطيع جثته وهو على قيد الحياة”. و”من الغرابة أن تزعم السلطات السعودية أن الصحافي الذي قطعت أصابعه على ما قيل بسبب التعذيب، كان قادرا على الدخول في مشاجرة، فلم يعد لجمال أصابع للدخول في ملاكمة”. وأضاف أنه يعرف جمال منذ 15 عاما “وأشعر بالرعب بكل ما حدث له: على ما يبدو تعذيب وقتل والتغطية على الجريمة. ومحاولة الرئيس ترامب التقليل من أهمية قتل جمال والآن جهود الحكومة السعودية للبحث عن كبش فداء لتحمل المسؤولية”. وبل وأعلنت ان محمد بن سلمان الذي يعرف بـ” م ب س” والتي تعني الآن “السيد منشار العظام” والذي أمر بالعملية، سيقود عملية التحقيق فيما سيجري. وهذا مثل تعيين أو جي سيمبسون للتحقيق في مقتل نيكول براون سيمبسون. ويقول إن الأكاذيب صارخة وتؤكد أن بن سلمان خارج الزمن لكنه يعول على الدعم الأمريكي للتغطية على جرائمه. خاصة ان ترامب احتفل بضرب عضو في الكونغرس عن مونتانا صحافيا واقترح أن قتلة مارقين هم من يقفون وراء مقتل الصحافي. ولكن بن سلمان أفلت من العقاب عندما احتجز رئيس الوزراء اللبناني وأفلت من قتل جمال المواطن السعودي المقيم في واشنطن والكاتب في صحيفة “واشنطن بوست” وهذا ضوء أخضر له وللمستبدين من أمثاله كي يلاحقوا الصحافيين وتغييبهم. فالناشطون والصحافيون حول العالم يسيرون ويعرفون أن الرصاص مصوب على ظهورهم. ومقتل خاشقجي هو امتحان لأمريكا وإن كان ترامب سيمضي بعيدا في التغطية على بن سلمان أم أنه يلتزم بالقيم الأمريكية. ويقترح كريستوف، تحقيقا دوليا مستقلا وبدعم من كل دول الناتو، لأن الجريمة حدثت في بلد من أعضاء الناتو. وعلى دول الناتو التنسيق وطرد السفراء السعوديين وعليها وقف كل صفقات السلاح مع السعوديين. ويجب على إدارة ترامب الدعوة للإفراج عن المعتقلين السياسيين والناشطين مثل رائف بدوي ولجين الهذلول ويجب السماح لأقارب جمال مغادرة تركيا. وعلى واشنطن التأكيد للعائلة المالكة أن الأمير مجنون ذهب بعيدا في تصرفاته ليس في قتل صحافي بل وحرب اليمن. وطالما ظل بن سلمان في ولاية العهد فالمخاطر قائمة وربما حاول استفزاز حرب مع إيران أو حادث في الخليج يجر أمريكا ويورطها في حرب طويلة. وبالنسبة لجمال، فقد نشرت السعودية أفكاره بقتله المريع وجعلت مما دعا إليه رمزا يحتفل به الجميع. وعرى مقتل الصحافي الجريء، الأمير المتهور المصلح الذي ظن أنه خدع الغرب بأكاذيبه، وحتى من آمنوا بأفكاره تركوه وتخلوا عنه ولكن هل سيتخلى عنه ترامب وصهره كوشنر؟ الايام المقبلة حافلة بالكثير ودم خاشقجي لم يجف بعد. وأمير قتل صحافيا يدعو للحرية والديمقراطية لا يصلح أن يكون زعيما ولا “خادما للحرمين” ومن خلق كارثة في اليمن وجوع الجوعى لن يكون بالتأكيد زعيما للمسلمين وقائدا لهم. لقد أظهر خاشقجي في حياته ومماته الإمبراطور عاريا يخوض في دم ضحايا. وإن غدا لناظره قريب.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية