مقتل خاشقجي: لعبة تركيا الحذرة ورهانات اردوغان الخطيرة

إبراهيم درويش
حجم الخط
0

تكبر قضية الصحافي جمال خاشقجي مثل كرة الثلج، حيث تتكشف حقائق وتتغير مواقف وتكثر التكهنات وتتشدد المواقف من كل الأطراف التي لها حصة من موته.

فبعد أسابيع من النفي اعترفت السعودية بموته داخل قنصليتها في اسطنبول في 2/10/2018 والتي دخلها للحصول على وثيقة تثبت طلاقه من زوجته السعودية، وأكد الملك سلمان وولي عهده طوال هذه الفترة للمسؤولين الأمريكيين أن لا علم لهما بما حدث للصحافي المقيم في واشنطن والناقد للسياسات الحكومية.

إلا أن الرواية السعودية تتغير في كل وقت، ففي يوم الخميس غيرت روايتها من القتل الخطأ إلى القتل العمد. وقبل هذا بيوم خرج ولي العهد محمد بن سلمان، المتهم بالإشراف أو إصدار الأوامر للقتلة في عملية اسطنبول، وبدا الأمير واثقا ومؤكدا على أن ما جرى لن يمضي دونما عقاب. كل هذا وسط تصفيق حاد من مؤيديه في مؤتمر الاستثمار الذي قاطعه كبار رجال الأعمال والساسة في العالم على خلفية اختفاء ومقتل خاشقجي. وكان خروجه الأول محاولة لإعادة تأهيل نفسه وبأن كل التكهنات حول نهايته أو عزله ليست في محلها، فهو ممسك بالأمور بل ويشرف على محاكمة المتورطين وإعادة تشكيل الأجهزة الأمنية المتهمة بتنفيذ العملية.

وتقول مجلة “إيكونوميست” (25/10/2018) إن الشجب الدولي لم يبدد من ثقة الأمير بنفسه، ولكن السؤال إن كان قادة العالم سيواصلون الضغط عليه. وفي الوقت نفسه حظي ولي العهد بدعم قادة عرب مثل ملك الأردن عبدالله الثاني، وحاكم دبي محمد بن راشد آل مكتوم ورئيس الوزراء اللبناني، سعد الحريري، الذي كان جالسا على المنصة نفسها في المؤتمر الأخير وهو الذي احتجز العام الماضي لمدة أسبوعين وأجبر على الاستقالة من على شاشة التلفزيون السعودي.

أين الجثة؟

وكما غيرت السعودية روايتها فقد غير الرئيس ترامب لهجته الداعمة للرواية السعودية لوصف التستر على الجريمة بأنه أسوأ تستر في التاريخ. وواصل الرئيس التركي ضغطه على السعوديين، وطالب مسؤولون أتراك بتسليم المتهمين بالجريمة إلى السلطات التركية لمحاكمتهم. ورغم مهاجمة اردوغان السعوديين في ثاني خطاب يلقيه في البرلمان فإن الجدل يتركز الآن على جثة خاشقجي. ويبدو أن هذا بات مطلب تركيا والولايات المتحدة. فقد طالبت وزارة الخارجية الأمريكية بإعادة رفات الصحافي لأهله لكي يدفن بكرامة. وتحتاج أنقرة الجثة لكي تثبت روايتها عن القتل البشع والتقطيع الذي تعرض له خاشقجي على يد فريق القتل السعودي. وتقول صحيفة “واشنطن بوست” (26/10/2018)  ان اردوغان وترامب يطرحان السؤال نفسه الآن “أين الجثة” “وعليكم الكشف عنها” كما قال الرئيس التركي للسعوديين. وفي الوقت الذي زعم فيه السعوديون أن جثة الصحافي خاشقجي سلمت إلى عميل محلي بعد لفها بسجادة، إلا أن الأتراك يقولون إن الجثة قطعت بطريقة وحشية. ونقلت عن مسؤولين أمريكيين قولهم إن الرئيس ترامب يسأل السؤال نفسه من أيام ولكن لا معلومات لدى واشنطن عنها. وتقول أماندا سلوات، الباحثة في معهد بروكينغز والخبيرة في الشؤون التركية “العثور على الجثة في أي شكل كانت سيعطي مصداقية للرواية التركية” و “لو عثر على الجثة بالطريقة التي وصفت بالتسريبات فستعطي مصداقية لطبيعة القتل العمد وستنعكس بشكل سيء على النظام السعودي”. وكانت جينا هاسبل قد استمعت إلى ما يعتقد أنها تسجيلات لعملية قتل خاشقجي وقدمت تقريرا للرئيس إلا أن المسؤولين الأمريكيين كانوا واضحين بأنهم يحتاجون لمعلومات جديدة قبل اتخاذ إجراءات عقابية. وكل بطريقته، يقوم الأمريكيون والأتراك بالضغط على السعوديين لتقديم تفسير مقنع لجريمة أدت إلى شجب دولي وأدت بالدول لإعادة تقييم علاقاتها مع القوة الشرق أوسطية. ويقول المسؤولون الأمريكيون والأجانب إن عملية كهذه لم تكن لتتم بدون معرفة من قادة المملكة بمن فيهم ولي العهد محمد بن سلمان.

الحلقة الأضعف

وتعتبر قضية خاشقجي مهمة للرئيس اردوغان الذي يحكم تركيا منذ عام 2003، فمن ناحية تمنحه فرصة لملاحقة التحالف الثلاثي ضده في المنطقة المكون من السعودية والإمارات العربية المتحدة ومصر، ومن جهة أخرى يرى في عملية قتل خاشقجي، الصحافي الذي كان يراه صديقا “صفعة على الوجه”. لكن تردد الرئيس اردوغان في الكشف عن “الحقيقة العارية” غير مناقضة الرواية السعودية والتأكيد ان مقتل الصحافي كان مدبرا وطالب بالكشف عن المسؤولين من أكبر رأس فيهم إلى أصغر، جعل الكثير من المراقبين يتساءلون عن الثمن الذي يريده لكي يكتم الحقائق التي يملكها وقال يوم الجمعة إن لديه المزيد منها. وحسب سونير شاغباتاي من معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى الذي قال لـ “فايننشال تايمز” (26/10/2018) “انتهز اردوغان الفرصة لملاحقة هذا التحالف الثلاثي” و “هو الآن يلاحق أضعف الحلقات”. أي ولي العهد السعودي الذي يعاني من موقف ضعيف بسبب سلسلة من التحركات الخارجية الفاشلة والمتهم الآن بقتل خاشقجي. فلم يخف المسؤولون الأتراك موقفهم من أن اردوغان يرى وريث العرش السعودي كقوة مدمرة في المنطقة ويحاول إقناع الدول الغربية أنه صار مشكلة. ويقول مسؤول تركي إن عزل الأمير محمد “سيترك تأثيرا كبيرا” على اتجاه السعودية. وهذا الخيار يبدو أنه غير وارد الآن. مع أن هناك فرصة لأن ترد الرياض على الضغط الدولي وتحد من سلطاته. وتشير الصحيفة إلى أن تردد تركيا بالكشف عن أوراق الجريمة يشتم منها رائحة صفقة مع الرياض وواشنطن الداعم الرئيسي للسعودية والتأكد من عدم الكشف عن الأدلة التي تورط السعودية. مشيرة لتصريحات محمد بن سلمان يوم الأربعاء عن تركيا ولغته اللطيفة بشأن قطر والتي أثارت بأن اللاعبين قد يتوصلون إلى اتفاق يحفظ ماء وجه الرياض. وبالضرورة فقد فتح مقتل خاشقجي ملف العلاقات السعودية المتوترة منذ الربيع العربي وموقف اردوغان منه ودعمه للقوى الجديدة خاصة حركة الإخوان في مصر فيما قادت السعودية وحليفتها الإمارات الثورات المضادة وأطاحت في النهاية بنظام محمد مرسي عام 2013 عندما وقفتا مع الجيش المصري. وتوترت العلاقات أكثر عندما سارعت أنقرة لنجدة قطر العام الماضي ضد الحصار الرباعي الذي فرض عليها. ومن هنا جاء مقتل خاشقجي ليخرب العلاقة أكثر وبحسب ما نقلت “فايننشال تايمز” عن  ياسين أقطاي، المستشار لحزب العدالة الحاكم والذي رافق اردوغان في زياراته إلى السعودية، فإن أنقرة حاولت رغم التوتر الحفاظ على الحوار مع الرياض “لا تستطيع القول أن لنا علاقة مثالية” و “لكن هناك علاقة” إلا أن موت خاشقجي خرب العلاقة و “لا أحد يتوقع منا أن نتجاهل الأمر” و “هذا خرق للسيادة التركية”. واتسم خطاب اردوغان بالحذر طوال الأزمة حيث أكد على احترامه في خطاب الثلاثاء للملك سلمان ولكنه تجنب عن قصد ذكر الأمير محمد، ولي العهد. ويعلق صولي أوزيل، استاذ العلاقات الدولية بجامعة قادر خاص في اسطنبول “بين السطور طلب من الملك أن يرمي ابنه تحت الحافلة”. ويقول المحللون إن النهاية تعتمد على ترامب الذي يعتبر السعودية حليفا مهما.

ويقول أحمد قاسم هان، استاذ العلاقات الدولية في جامعة الطين باس، إسطنبول، إنه حتى بدون عزل الأمير محمد هناك الكثير من الأمور التي ستنتفع تركيا من هذا الخلاف، دعم محتمل من أكبر منتج للنفط وإعفاء من واشنطن بشأن العقوبات التي ستفرض على إيران أو تطبيع العلاقة بين تركيا ومصر وبقية حلفاء السعودية. وقال إن “عزل محمد بن سلمان سيكون الوضع المثالي” و “بدون هذا هناك الكثير مما سينفع تركيا”.

خطر

إلا أن “مقامرة” اردوغان تظل خطيرة من ناحية أثرها على العلاقات التركية-السعودية. فكما تقول روبن رايت في “نيويوركر” (25/10/2018) فإن الجريمة ستترك أثرها على السعودية والعائلة المالكة التي تدرس خياراتها الصعبة في ظل تحكم الأمير بكل الملفات المهمة في الدولة وكذا سياقها الإقليمي وحرب اليمن وسوريا ومواجهة إيران والدولي لكونها أكبر منتج للنفط في العالم. وتظل الرهانات التركية محفوفة بالمخاطر كما يرى موقع “بلومبيرغ” (25/10/2016) خاصة فيما يتعلق بمصير ولي العهد المتهم بالقتل. ونقل الموقع عن مسؤول تركي عارف بالأمر قوله أن يقوم الرئيس دونالد ترامب الذي يواجه الجريمة البشعة في اسطنبول بالضغط على الملك العجوز بتغيير ولي العهد واستبداله بآخر. إلا أن هناك مشكلة في هذا السيناريو هو أن محمد بن سلمان راكم سلطات لا يستطيع حتى والده الإطاحة به. وهذا هو تقييم المسؤولين داخل الإدارة حسب مسؤول أمريكي طلب عدم الكشف عن اسمه. ويقول إن مقامرة اردوغان قد تنتهي بخلق عدو له طوال الحياة. وتساءل جيمس دورسي، المحلل في شؤون الشرق الأوسط بجامعة نانيانغ التكنولوجية في سنغافورة “كم سيظل اردوغان يلوح بهذه؟” و “ويبدو لي أن اردوغان يخاطر بخسارة الأخلاقية العليا في ظل سجله بشأن القضاء وفرض القانون”. ويرى موقع “بلومبيرغ” أن جمودا طويل الأمد في العلاقات بين تركيا والسعودية القائم على العداء الشخصي بين زعيمي البلدين سيترك آثاره العميقة على البلدين وليس العلاقة بينهما. وكل من البلدين يعتبر حليفا مهما للولايات المتحدة. وتأتي أهمية تركيا لكونها سوقا حرة قيمته 800 مليار دولار وديمقراطيتها العلمانية وجيشها الذي يعد ثاني أكبر جيوش حلف الناتو بعد جيش الولايات المتحدة. أما تأثير السعودية فنابع من كونها مركز الإنتاج العالمي للنفط ولمكانتها الدينية. وتقول أماندا سلوات، من معهد بروكينغز بواشنطن “فكرة ضغط ترامب على الملك لتغيير ولي عهده فيها مخاطرة وذلك في ضوء الاستثمار الذي استثمرته الإدارة في العلاقات”. مشيرة أن تعامل ترامب مع الأزمة متساوق مع طريقته في التعامل مع أزمات أخرى: تحويل الأزمة للكونغرس. ويذكر التقرير أن اردوغان راهن في السابق على القضايا الإقليمية وخسر، خاصة سوريا التي تنبأ رئيس وزرائه أحمد داوود أوغلو برحيل رئيسها. وكان أكبر رهاناته هي في مصر حيث دعم الرئيس محمد مرسي قبل أن يطيح به انقلاب عام 2013. وأدى وقوفه مع قطر عام 2017 لجعل تركيا هدفا للتحالف الذي تقوده السعودية ضدها. وربما كان موقفها الحالي من مقتل خاشقجي مختلفا. فحسب نيكولاس دانفورث، من مركز السياسات التابع للحزبين في واشنطن، إن اردوغان ظن أنه بدون رد قوي على مقتل الصحافي “فإنه يبدأ سابقة خطيرة وهي السماح لـ (م ب س) فعل ما يريد والإفلات”. و “يحاول أن يظهر أن تركيا حتى لو كانت معزولة وتواجه أزمة اقتصادية فهي ليست ضعيفة بدرجة تسمح لمثل هذا الأمر أن يمر بدون جواب”. وتظل الرهانات التركية عالية فقضية خاشقجي تحمل أوراق ضغط ومخاطر لاردوغان الذي بدا محترسا من فتح مواجهة مع السعوديين فهو في وضع صعب من ناحية العلاقات مع الجوار الأوروبي والتحالف الهش مع روسيا في سوريا والتحسن البطيء في العلاقات مع الولايات المتحدة. فلو لم يكن قادرا على تقديم دليل قاطع يورط ولي العهد فقد تختار الولايات المتحدة الحفاظ على حليفها الذي استثمرت فيه كثيرا مما سيخلق مصاعب لاردوغان من الحلف العربي ضده والمتمردين الأكراد وبالضرورة الاستثمارات السعودية في بلاده ومحاولاته بناء علاقات في الكويت والبحر الأحمر.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية