مقدمة لأحمد كمال أبو المجد بناء علي طلب محفوظ ومغامرة دار الشروق محسوبة ومدروسة

حجم الخط
0

مقدمة لأحمد كمال أبو المجد بناء علي طلب محفوظ ومغامرة دار الشروق محسوبة ومدروسة

صدور رواية أولاد حارتنا بعد أكثر من أربعين عاما علي منعها:مقدمة لأحمد كمال أبو المجد بناء علي طلب محفوظ ومغامرة دار الشروق محسوبة ومدروسةالقاهرة ـ القدس العربي : بعد سجال طويل بدأ في عام 1959 صدرت عن مؤسسة دار الشروق رواية أولاد حارتنا للروائي الراحل نجيب محفوظ.وكان الروائي الراحل قد أنجز روايته قبل حوالي أربعين عاما ونشر بعض فصولها بجريدة الاهرام إلا أن الأزهر تدخل لوقف نشرها بسبب ما قال أنه تداخل بين شخوص الرواية وبين رموز دينية كبري في التاريخ الانساني، لدرجة دفعت البعض إلي إنزال شخصية الجبلاوي البطل علي صفحات الذات الإلهية، وتم إنزال بعض الأبطال علي شخوص الأنبياء.غير أن المقدمة التي كتبها الدكتور أحمد كمال أبو المجد ونقله لحوار مطول حول هذا الأمر مع الروائي الراحل تميط اللثام عن كثير من المواقف الملتبسة. ويذكر أن الروائي الراحل رفض نشر الرواية أكثر من مرة إلا بكتابة مقدمة لها من الدكتور أحمد كمال أبو المجد أو ممن هو في وزنه، وهو ما حدث بالفعل.وهنا ننقل المقدمة التي كتبها أبو المجد وتفاصيل جلسته مع نجيب محفوظ كما يرويها.هذه الشهادةأحمد كمال أبو المجدالشهادة التي توشك ـ أيها القاريء ـ أن تتابع سطورها القليلة، سبق نشرها مقالة في الأهرام يوم 29 كانون الاول (ديسمبر) 1994، أي منذ اكثر من عشر سنوات، طرأت فيها علي حياتنا الثقافية والسياسية أمور جسام، ازدادت فيها تجاربنا الفردية والجماعية ثراء وتنوعا، وأحاطت بنا علي مر شهورها وأيامها، أحداث وتطورات كبري، داخل مصر، وعلي امتداد عالمنا العربي وامتداد الدنيا كلها، تغيرت بسبب نظرتنا إلي كثير من أمورنا الخاصة وأوضاعنا العامة، ووقف بسببها كثير منا من نفسه وأمته موقف المراجعة والتأمل، والمجاهرة بالنقد لما يستحق النقد من أوضاعنا، كما ارتفعت نبرة المطالبة بالإصلاح السياسي والاجتماعي والثقافي، وانفتحت ـ بسبب ذلك كله ـ شرارة حوار بدأ ثم تصاعد، ولا يزال دائرا بين جماعات الكتاب والمفكرين والباحثين ممن يطلق الناس عليهم النخبة المثقفة التي تفكر للمجتمع كله، وتطرح بين يديه قضاياه وهمومه، وتشتغل معه بطموحاته وتطلعاته وآماله في الغد القريب والمستقبل البعيد، لذلك حين عرضت عليّ دار الشروق أن تجعل هذه الشهادة مقدمة لرواية أولاد حارتنا لكاتبنا الفذ الكبير نجيب محفوظ لم أتردد في قبول هذا الاقتراح ولكني رأيت من الضروري أن أعيد قراءة هذه الشهادة، وأن أعيد قراءة أولاد حارتنا مرة أخري، حتي أستوثق من أن ما سطره القلم عام 1994 لا يزال ـ عند صاحبه علي الأقل ـ صالحا عام 2006 وأن ما شهدت به في شأن هذه الرواية التي أحدثت في حياتنا الثقافية دويا ظلت أصداؤه تتردد سنوات طويلة لا زال موضع إيماني واقتناعي، فلما فعلت ذلك، بدا لي أن ليس عندي ما أضيفه أو أغيره من سطور هذه الشهادة، إذ الأمر ـ في نهايته ـ يدور حول قضيتين لم يتحول فكري ولم يتغير في شأنهما:أولاهما: أن من أصول النقد الأدبي التمييز الواجب بين الكتاب الذي يعرض فيه الكاتب فكرته ويحدد مواقفه، ملتزما ـ في ذلك ـ بالحقائق التاريخية، الوقائع الثابتة، دون افتئات عليها، ودون مداراة لما يراه في شأنها، وبين الرواية التي قد يلجأ صاحبها إلي الرمز والإشارة وقد يدخل فيها الخيال الي جانب الحقيقة العلمية، ولا بأس عليه في شيء من ذلك، فقد كانت الرواية ـ قديما وحديثا ـ صيغة من صيغ التعبير الأدبي، تختلف عن الكتاب والالتزام الصارم الذي يرضي علي مؤلفه، وفي إطار أولاد حارتنا فإنني فهمت شخصية عرفة بأنها رمز للعلم المجرد، وليست رمزا لعالم بعينه، كما فهمت شخصية الجبلاوي علي أنها تعبير رمزي عن الدين وليست بحال من الأحوال تشخيصا رمزيا للخالق سبحانه وهو أمر يتنزه عنه الأستاذ نجيب محفوظ ولا يقتضيه أي اعتبار أدبي فضلا عن أن يستسيغه أو يقبله.القضية الثانية: حرية التعبير والموقف منها، ذلك انه مع التسليم بأن الحريات جميعها انما تمارس في جماعة منظمة، ولذلك لا يتأبي منها علي التنظيم والتعبير إلا حرية واحدة هي حرية الفكر والاعتقاد بحسبانها أمرا داخليا يسأل عنه صاحبه أمام خالقه، دون تدخل من أحد، حاكما كان ذلك الأحد أو محكوما، أما حين يتحول الفكر الي تعبير يذيعه صاحبه وينشره في الجماعة، فإن المجتمع يسترد حقه في تنظيم ذلك التعبير دون أن يصل ذلك التنظيم الي حد إهدار أصل الحق ومصادرة جوهر الحرية، ذلك أن الهدف من إجازة هذا التنظيم انما هو حماية حقوق وحريات أخري فردية أو جماعية قد يمسها ويعتدي عليها إطلاق حرية الفرد في التعبير، وتمنعها علي التنظيم والتقييد، ويبقي مع ذلك صحيحا أن الأصل هو الحرية، وأن التقييد استثناء تمليه الضرورة، والضرورة إنما تقدر بقدرها، ومن شأن الاستثناء ألا يقاس عليه أو يتوسع فيه.وأهم من هذا كله، أن الشهادة التي قدمتها ليست رأيا لي، وإنما هي تفسير كاتب أولاد حارتنا لما كتبه، وبيان واضح لا يحتمل التأويل لموقفه من القضايا الكبري التي أثارتها تلك الرواية، وهي ـ علي كل حال ـ آخر ما صدر عن نجيب محفوظ، أمد الله في عمره، حول القراءة الصحيحة لـ أولاد حارتنا باعتبارها رواية للخيال والرمز فيها دور كبير وليست كتابا يقرأ قراءة حرفية للتعرف علي موقف مؤلفه من القضايا التي يطرحها بعيدا عن الرمز والخيال.وأدعو الله تعالي أن تتسع عقولنا وقلوبنا لمزيد من حرية الكتاب والأدباء وسائر المفكرين في التعبير عن آرائهم، وإطلاق مواهبهم، بالصيغ الأدبية التي يختارونها، دون حجر أو وصاية أو مسارعة الي الاتهام وإساءة الظن، حتي لا تكتم الشهادة بيننا وتموت، وحتي لا تتجمد الأفكار علي أطراف الألسنة والأقلام، فتحرم الجماعة من زاد ثقافي وعلمي تحتاج إليه، وهي تشق طريقها للانبعاث والنهضة وسط زحام حضاري وثقافي لا سابقة له في التاريخ.كانون الثاني (يناير) 2006حول اولاد حارتنا حين وقع الاعتداء الغادر علي أديب مصر وكاتبها الكبير نجيب محفوظ، كنت خارج مصر، وحين عدت إليها طلبت من الصديق الأستاذ محمد سلماوي، وهو من تلامذته المقربين، أن يصحبني إليه لنؤدي واجب الاطمئنان عليه، ولكنه ـ وسط شواغله الثقافية ـ تأخر في ترتيب تلك الزيارة حتي عاد الأستاذ نجيب محفوظ الي بيته قبل أيام من عيد ميلاده الذي شاركه في احتفال به كثيرون من محبيه ومقدريه، وإذا بالأستاذ سلماوي يتصل بي ليخبرني أنه رتب للزيارة موعدا في الخامسة من مساء اليوم التالي، وأننا سنذهب في صحبته ومعنا المهندس إبراهيم المعلم، الذي تربطه ووالده بالأستاذ نجيب محفوظ علاقات ود قديمة وموصولة، ومعنا كذلك الإذاعي والإعلامي المخضرم أحمد فراج.وعلي باب نجيب محفوظ استقبلتنا بالحفاوة المصرية المعهودة السيدة الفاضلة زوجته، ثم جاء الأستاذ نجيب محفوظ في خطوات ثابتة طمأنتنا علي قرب اكتمال شفائه، وأخذ يرحب بنا في ود شديد، ثم جلس بيننا، وسادت فترة من صمت قصير، لأن أحدا منا لم يعد لهذا اللقاء أكثر من كلمات السؤال عن الصحة والتهنئة بعيد الميلاد، ثم بدا لي ـ علي غير ترتيب ولا إعداد ـ أن أقطع هذا الصمت، فوجدتني أقول: يا أستاذ نجيب، الجالسون معك الليلة كلهم من قرائك، جيلنا كان يجد في كتاباتك ورواياتك شيئا بين فن الأدب وفن التصوير، وذلك بما نسجته في وصف القاهرة وحياة أهلها، ونماذجهم المختلفة من وشي دقيق عامر بالألوان مليء بالتفاصيل، حتي ليكاد القاريء يسمع فيه اصوات الناس ويري وجوههم، ويتابع حركتهم في شوارع القاهرة وأزقتها ومساجدها ومقاهيها، ويكاد ـ دون أن يشعر ـ يدخل طرفا في علاقات بعضهم ببعض، وكم من مرة تعرف بعضنا علي أحياء القاهرة وشوارعها بما كان قرأه عنك في وصفها وتصوير حياة أهلها، وأضفت: ثم انك يا أستاذ نجيب تظل ـ في خواطرنا ـ قبل كل شيء وبعد كل شيء كاتبا وأديبا مصريا خالصا، لم تدن كتاباته وآراؤه بتأثيرات غريبة تنال من نكهتها المصرية ومذاقها العربي الأصيل.وبدا من قسمات وجه الأستاذ نجيب محفوظ وحركة يديه أنه يقبل هذا الوصف له ولكتاباته وأنه يرتاح إليه، فشجعني ذلك علي أن أتقدم في الحوار خطوة أخري، فقلت: ويبقي أن نسألك عن رأي عبرت عنه منذ أســـابيع قليلة حين بعثت برسالة وجيزة الي الندوة التي نظمـتها الأهرام تحت عنوان نحو مشروع حضاري عربي فـــــقد قلت للمشاركين في الندوة: إن أي مشروع حضاري عـــربي لا بد أن يقوم علي الإسلام وعلي العلم ولقد وصلـــت رسالتك ـ علي مقرها ـ واضحة وصريحة ومستقيـــــمة ولا تحتمل التأويل، ولكن يبقي ـ ونحن معك نسمع لك وننقل عنك ـ أن تزيد هذا الأمر تفصيلا نحتاج جميعا إليه وسط المبارزات الكلامية التي يجري فيها ـ ما يستحق الحزن والأسف ـ من ألوان تحريف الكلام وتزييف الآراء والافتئات علي أصحابها.وفي حماسة شديدة وصوت جهير ونبرة قاطعة، انطلق نجيب محفوظ يقول: وهل في تلك الرسالة جديد؟، إن أهل مصر الذين أدركناهم، وعشنا معهم، والذين تحدثت عنهم في كتاباتي كانوا يعيشون بالإسلام، ويمارسون قيمه العليا، دون ضجيج ولا كلام كثير، وكانت أصالتهم تعـني هذا كله، ولقد كانت السماحة وصدق الكلمة وشجاعة الرأي وأمانة الموقف ودفء العلاقات بين الناس، هي تعبير أهل مصر الواضح عن إسلامهم، ولكني في كلمتي إلي الندوة أضفت ضرورة الأخذ بالعلم، لأن أي شعب لا يأخذ بالعلم ولا يدير أموره كلها علي أساسه لا يمكن أن يكون له مستقبل بين الشعوب، إن كتاباتي كلها، القديم منها والجديد، تتمسك بهذين المحورين: الإسلام الذي هو منبع قيم الخير في أمتنا، والعلم الذي هو أداة التقدم والنهضة في حاضرنا ومستقبلنا.وأحب أن أقول: إنه حتي رواية أولاد حارتنا التي أساء البعض فهمها لم تخرج عن هذه الرؤية، ولقد كان المغزي الكبير الذي توجت به أحداثها، أن الناس حين تخلوا عن الدين ممثلا في الجبلاوي ، وتصوروا أنهم يستطيعون بالعلم وحده ممثلا في عرفة أن يديروا حياتهم علي أرضهم التي هي حارتنا اكتشفوا ان العلم بغير الدين قد تحول إلي أداة شر، وأنه قد أسلمهم الي استبداد الحاكم وسلبهم حريتهم، فعادوا من جديد يبحثون عن الجبلاوي.وأضاف: إن مشكلة أولاد حارتنا منذ البداية انني كتبتها رواية وقرأها بعض الناس كتابا ، والرواية تركيب أدبي فيه الحقيقة وفيه الرمز، وفيه الواقع وفيه الخيال، ولا بأس بهذا أبدا، ولا يجوز أن تحاكم الرواية الي حقائق التاريخ التي يؤمن الكاتب بها، لأن كاتبها، باختيار هذه الصيغة الأدبية، لم يلزم نفسه بهذا أصلا وهو يعبر عن رأيه في رواية.وفي ثقافتنا أمثلة كثيرة لهذا اللون من الكتابة، ويكفي أن نذكر منها كتاب كليلة ودمنة ، فهو مثلا يتحدث عن الحاكم، ويطلق عليه وصف الأسد ، ولكنه بعد ذلك يدير كتابته كلها داخل إطار مملكة الغابة وأشخاصها المستمدة من دنيا الحيوان، منتهيا بالقاريء في آخر المطاف الي العبرة أو الحكمة التي يجريها علي ألسنة الطير والحيوان، وهذا هو الهدف الحقيقي الذي يتوجه إليه كل كاتب صاحب رأي، أيا كانت الصيغة التي يمارس بها كتاباته.قلت: الواقع انني قرأت أولاد حارتنا منذ عدة سنوات، وأذكر أنني تعاملت معها حينذاك علي أنها رواية وليست كتابا، ولذلك تفهمت ما امتلأت به من رموز تداخل في صياغتها الخيال، ولم أتصور أبدا أن كاتبها كان بهذا التداخل يحاول رسم صور تعبر عن موقفه من الحقائق التي يتناولها ذلك الخيال أو تشير إليها تلك الرموز.ولكن الذي استقر في خاطري علي أي حال وبقي في ذاكرتي منها إلي يومنا هذا، والذي رأيته ـ معبرا عن موقف كاتبها الذي يريد ايصاله الي قرائه ـ هو تتـويج حلقات روايته الرمزية بإعلان واضح عن حاجة الحارة ، التي ترمز للمجتمع الانساني، الي الدين وقيمه التي عبر عنها الرمز المجرد الجبلاوي حتي وإن تصور أهل الحارة غير ذلك وهم معجبون ومفتونون بعرفة الذي يرمز الي سلطان العلم المجرد والمنفصل عن القيم الهادية والموجهة لأهل الحارة. وتابع الأستاذ نجيب حديثه الأول قائلا:انني حريص دائما علي أن تقع كتاباتي في الموقع الصحيح لدي الناس، حتي وإن اختلف بعضهم معي في الرأي، ولذلك لما تبينت أن الخلط بين الرواية و الكتاب قد وقع فعلا عند بعض الناس، وأنه أحدث ما أحدث من سوء فهم، اشترطت ألا يعاد نشرها إلا بعد أن يوافق الأزهر علي هذا النشر، ولا يزال هذا موقفي الي الآن.قلت: انني أتمني ـ يا أستاذ نجيب ـ أن يسمع الناس منك هذا الكلام الواضح الذي لا يحتمل التأويل ليعرفوه منك بدلا من أن يعرفوه من خلال شروح الآخرين، وائذن لي أن أقول اني كنت واحدا من الذين يجدون هذه المعاني التي حدثتنا بها الآن حاضرة في ثنايا كثير من كتاباتك القديمة والجديدة وكانت تعبيرا دقيقا عن منهج جيلنا وجيل آبائنا في فهم الإسلام، فقد كانوا ـ وكنا معهم ـ نتنفس الإسلام تنفسا ونحيا به في هدوء واطمئنان، دون أن نملأ مجالسنا ومجالس الآخرين بالكلام الكثير عنه.QMK0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية