مقولات رواية «الآن في العراء» للأردني حسام الرشيد

إنّ كل عمل إبداعي، يعبر عن فكر ورؤية كاتبه بالضرورة، ويتيح العمل الإبداعي للكاتب أن يقول ما يشاء على لسان الشخوص، دون أن يتحمل مسؤولية أو تبعة ذلك، فما هو إلا سارد، ووسيط بين شخوصه وقرائه، وناقل الكفر ليس بكافر! وبالتالي، فإنّ لكل عمل إبداعي رسائل وغايات ومقولات، وتطرح أسئلة، وتثير تساؤلات، وتستدعي مراجعات.
تبدو رواية «الآن في العراء» للروائي الأردني حسام الرشيد، رواية بسيطة عادية للوهلة الأولى، فهي تتناول جانبا من حياة طالب جامعي، لكنها تقول الكثير تصريحا وتلميحا، وتتناول هذه المقالة بعضا من مقولات هذه الرواية الصادرة في بيروت عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر عام 2023 في 240 صفحة، ولا يعني أنّ هذه المقولات قصدها الكاتب بالضرورة، لكن، من حق القارئ أن يُقّوِّلَ الرواية ما يتفق مع فهمه وتحليله.

الغلاف

يسترعي عنوان الرواية ولوحة غلافها الانتباه، ولا بد أن يتساءل القارئ عن مغزاها ودلالتها؛ فالعنوان «الآن في العراء» لافت، يقول الكثير؛ إذ يبدو عنوان «في العراء» كافٍ للرواية، لكن «الآن في العراء» يعني شيئا أعمق وأكثر دلالة؛ فالرواية ربطت بين حربين، حرب حزيران/يونيو 1967، وحرب التحالف ضد العراق 1991 بعد غزو الكويت، وهاتان الحربان أسقطتا رهانات القومية، وأنّ التفتت العربي هو قدر العرب إلى أجل غير معلوم. وربما أنَّ القومية عامل من عوامل الوحدة، لكنها ليست كافية بذاتها، وسقوط رهانات القومية وشعاراتها البراقة، ترك العرب في العراء، ونحن الآن عراة، وأكدت الأحداث المتلاحقة ذلك، وما العدوان الأخير على غزة إلا دليل ساطع على ذلك، لم يتركنا عراة فقط، بل أسقط ورقة التوت أيضا!
حمل الغلاف لوحة «فزاعة» أو «خيال المآتة» وهي دمية توضع لإخافة العصافير حتى لا تتلف المزروعات، خاصة الحبوب، واللافت أنّ بعض أنواع العصافير لا تنطلي عليها هذه الحيلة، فتتخذها مستراحا، وربما تزرق عليها بسلحها سخرية واستهانة. وهذه اللوحة تقول الكثير، وتسدد سهمها على الكثيرين، خاصة القيادات الرسمية والشعبية التي لا تقدم ولا تؤخر، ولا تترك أثرا، بل هي قيادات من باب المجاز، لكنها في الحقيقة شخصيات فارغة لا تستطيع شيئا، مجرد ملء فراغ لا غير، فزاعات في الحقيقة، ربما تخدع بعض الناس السذج، لكن ممن يمتلكون أقل درجة من الفهم، وكذلك الأعداء، يدركون أنها لا شيء، وجودها كعدمه، بل ربما العدم أكثر قيمة!
ولا بدّ أن نعترف أننا كعرب، في ظروفنا الحالية، مجرد خيالات، دمى، أرقام، دون تأثير يذكر، لا دور لنا في أي قرار، ولا يُحسب لنا أي حساب، لكن، من باب الإنصاف والموضوعية، تترك لنا الحرية المطلقة في دائرة ضيقة، كالفزاعة التي تتراقص وتحرك أذرعها بحرية وهي مغروسة في الأرض، لا تستطيع أن تنتقل خطوة واحدة، إلا إن رأى صاحبها أن ينقلها إلى مكان آخر في حقله!

الأحزاب

برز الحزب الشيوعي وحده في الرواية، واقتصر نشاطه الوحيد في الجامعة على مسيرة حاشدة، ثم ألقي القبض على ناشطيه، منهم أنيس ونجيب ونصر، توفي أنيس في ظروف غامضة، وهاجر نجيب، واعتزل نصر. وهكذا تلاشى الحزب في الرواية ولم يعد له وجود، وكأن الرواية تقول، أن لا مستقبل للأحزاب، خاصة الأحزاب الشيوعية التي انقلب عليها أصحابها وحماتها في روسيا، وتفتت الاتحاد السوفييتي. وألمحت الرواية إلى التوجه نحو الإسلام والتدين، فبهجت ترك الجامعة والتحق بالجهاد الأفغاني، ووالد نصر المقعد ترك الأخبار والأحلام الكاذبة، وتمسك بقراءة القرآن يوميا.
في المقابل، أشارت الرواية إلى الجهات المناوئة للعمل الحزبي، ومحاولة عرقلته بكل السبل، وتمثل ذلك في سليم وصاحبته جيتان، لكن فشلت محاولاتهما المستميتة لتعطيل المسيرة الطلابية، مما تسبب بفراقهم. سُمح للمسيرة أن تنطلق، لكن كانت الاعتقالات تنتظر منظميها، بوشاية سليم وتحريض جيتان. اقترح نصر أن تكون المسيرة بمشاركة جميع الأحزاب، يسارية وغير يسارية، كون رفض الحرب على العراق قاسما مشتركا بينها، إلا أن نجيب وقائدهم أنيس، رفضا المقترح، وهذا يدل على أنانية حزبية، ورغبة في الاستفراد، والأصل أن تحشد كل القوى لمجابهة المخططات والمؤامرات، فمن المعيب أن يتوحد الخصوم والأعداء، ويتفرق أصحاب القضية!

حب بلا أمل

تقول أمل لأخيها نصر: «آفتا الطالب الجامعي الحب والسياسة» وقد تضمنت الرواية أربع علاقات حب، وأغلبها من طرف واحد، لكنها انتهت كلها بالفشل. فميادة لم تستجب لمحاولات بهجت للتقرب منها، لكنها قبل مغادرة الجامعة، اعترفت لصديقتها أنها تحبه، لكنها انسحبت من حياته لأنها مريضة بالسرطان، وما لبثت أن توفيت. وكان صدها لبهجت سببا في خيبة أمله، وتركه الجامعة، ومن ثم تدينه والتحاقه بالجهاد الأفغاني.
تقرب سليم الفقير من جيتان الغنية، ورضي بدور التابع الذليل، عسى أن تكون سلما له للوصول والارتقاء، فالغاية عنده تبرر الوسيلة، وكان كتاب «الأمير» لميكافيللي دستورا له، ويبدو أن جيتان أدركت غايته، فاستغلته وأذلته، وختمت علاقتها معه أن ألقت عليه فنجان قهوتها سخطا لفشله في ثني نجيب ونصر عن المسيرة، وكانت هذه الإهانة من أسباب انتحاره.
أحب نصر سما من طرف واحد، وكتب لها قصيدة عصماء، لكنها أوصلت له خبرا أن ينساها، وقالت له: «قصيدتك وصلت إليّ، أما أنت فلا!» وافترقا إلى الأبد. لكن صورتها في كتاب التخرج، كانت «الشرارة الأولى» لكتابة هذه الرواية. خُطبت أمل أخت نصر للمهندس وعد، لكنه أخلف وعده، ولم يقدر الفتاة التي أحبته، ووجد في تونس بغيته من اللهو والنساء، فنسي أمل، التي ما إن تأكدت من خيانته، حتى طوت صفحته وأحرقت رسائله وما نسجت لأجله، وانطلقت في حياتها حازمة قوية.
لا تقصد الرواية بالطبع أن تقول إن كل علاقات الحب فاشلة، لكن الحب من طرف واحد لا مستقبل له، والحب من أجل المصلحة لا يدوم، والحب المرتبط بظرف آني وإعجاب لحظي يتبدد مع أول هبة ريح، وحب الجامعات ليس له جذور في الغالب، ولذا فمصيره الموت. وحتى صداقات الجامعة لم تدم، فصداقة نجيب وبهجت انتهت لانشغال بهجت بملاحقة ميادة، وصداقة نصر مع سليم انتهت لاختلاف توجهاتهما وأفكارهما التي توجت بوشاية سليم وسجن نصر، فالصداقة ليست سهلة، ومعيقاتها كثيرة، ودوامها قوية أقرب إلى المستحيل.

شرارة الإبداع

افتتحت الرواية بفصلها الأول الذي جاء تمهيدا للرواية وظروف كتابتها، وعلاقة كاتبها بروائي معروف «إلياس فريد» والطريف أن الروائي المعروف استعان بالكاتب الذي لم ينشر شيئا، ليكتب له خاتمة رواية استعصت عليه، فكتب له خاتمتين، أعجب بهما الروائي. لكن الكاتب عندما لجأ للروائي أن يساعده، فقرأ ما كتب، ثم كتب له ثلاث كلمات لا غير «لتنتظر الشرارة الأولى» ولما هم أن يعاتبه، سبقه الموت. ما فعله الروائي إلياس، ليس لؤما، بل عملا مقصودا، فالاستعانة بالكاتب كانت تدريبا وتحريضا له ليكتب، وكتابته «لتنتظر الشرارة الأولى» درس يجب أن لا ينساه مبدع، إن الكتابة الإبداعية تحتاج إلى إلهام، شرارة، برق، وعندما تأتي ينطلق الكاتب على سجيته، وينجز كتابه، لأن الكتابة الإبداعية ليست مطواعة، ولا يمكن أن تكون مبرمجة، وهي في الغالب عصية، لكن المبدع الحقيقي يستطيع مع الممارسة والصبر ترويضها إلى حد ما مع الحذر.
وبعد؛ فإن «الآن في العراء» للروائي حسام الرشيد، رواية تتميز بلغتها الفاتنة، وسردها السلس الجميل، وتناولها لفترة مهمة أردنيا وعربيا، خاصة نكسة 1967، وهبة نيسان/أبريل وما تلاها من إلغاء الأحكام العرفية وعودة البرلمان، والحرب على العراق بعد غزوه الكويت. كما أنها استرسلت في وصف المكان في الجامعة الأردنية من شوارع ومقاه ومكتبات ودواوير وغيرها، بالإضافة إلى جبل الأشرفية والحسين والنصر ووادي صقرة. وتشكل في مجملها محطة للتأمل والمراجعة والتساؤل في كثير من الأمور والممارسات، خاصة مستقبل العرب على مستوى القطر والأمة.

كاتب أردني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية