مكالمة تلفونية تقلب موازين السياسة

حجم الخط
5

ما كادت مكالمة روحاني- أوباما، أو أوباما- روحاني تُعلّق سمّاعتها، حتى قفزت كل من السعودية وإسرائيل قفزة الملدوغ، وكأنّ مكالمة العشرة دقائق ستقلب موازين السياسة رأساً على عقب!
إسرائيل لها عذرها بالطبع، فقد فشلت جهودها وبكائيّاتها في جرّ أوباما إلى بؤرة الحرب مع إيران! كما يبدو أنّها غير سعيدة بصفقة تسليم الكيماوي، فهي تعرف أكثرمن غيرها ربّما، أنّ كيماوي الأسد ليس أكثر من فزّاعة، وأنّ إمكانية استخدامه ضدّها غير واردة على الإطلاق، لا بل إنّ وجوده يبقي لها على فسحتها المفضّلة للتباكي والابتزاز!
ولكن يبدو أنّ أوباما تنبّه إلى اللعبة مبكرا، ولكنه تظاهر بعدم الفهم، ثمّ أخرج لسانه لإسرائيل قائلا: ها أنا ذا أُخلّصكم من شبح الكيماوي المخيف! لا بل إنّه زيادةً في النكاية، استمرّ في اللعب بنفس الطريقة الكيديّة، ها أنا ذا أقايض ذرّي إيران بثمن بخس دراهم معدودة، رفع حفنة من العقوبات، وأخلّصكم من شبح مخيفٍ آخر: قنبلة نووية!
إسرائيل طبعاً لا تطيق التظاهر بتصديق كذبتها، ولذا نفر نتنياهو وشدّ الرحال للبيت الأبيض، وعلى وجهه اكثر من احتجاج.
لا أدري ما المشترك بين إسرائيل والسعودية حتّى ينطقا بلسان واحد. فروحاني قد نجح في خداع أوباما، والقنبلة الإيرانيّة ستخرج من الفرن، خلال عام على أكثر تقدير، هكذا تتفق إسرائيل والسعوديّة! إسرائيل طبعاً تستمر في الكذب كالعادة، فلديها معلومات استخباريّة موثوقة، ولو كان ما تخفيه يصدّق ما تعلنه، لما تردّدت في ضرب إيران لحظة واحدة!
إسرائيل طبعاً معنيّة بإبقاء النفوذ الإيراني داخل أضيق الدوائر، فهو البديل لها ومكاسبه على حساب خسارتها، وهي لن تنسى دعمه لكل من حماس وحزب الله، وتقييد هامش حركتها سياسيّاً وعسكريّاً، حتّى لو كان من قبيل المنافسة البحتة، فالتهديد الإيراني لإسرائيل ليس أكثر من مزاد كلامي، لا موازي له في الواقع، ولكنّ كل ما تريده إسرائيل، هو فضاء مفتوح بلا منافسين، وسياسة عابرة للأمام بلا عوائق!
ولكن يبدو أنّ للرئيس أوباما حسابات أخرى! وهذه الحسابات هي بالذات ما يزعج إسرائيل، أي مجرّد وضع إيران في الميزان، وعقد مقايضة من أيّ نوع معها! وليس أدلّ على ذلك من عكس موقفها تماماً من الإطاحة بالأسد، وهي الّتي كانت تغنّي لبقائه كصمّام أمانٍ لإسرائيل! فجأة تصبح إطالة عمر الأسد خطيئة أمريكية لا تغتفر.
إسرائيل أكثر عُرياً بالطبع من أن تتبنّى موقفاً أخلاقياً، أوتتباكى على ضحايا وكل ما تريده أن لا تفلت السياسة الأمريكية من دائرة الإبتزاز الإسرائيلي!
هذا بالنسبة لإسرائيل، فما الّذي أزعج السياسة السعودية يا ترى؟ وجعلها تقف على رجل واحدة؟ والجواب بسيط، بالطبع، فالسعودية شعرت أنّ ثمن هذه الخطوة الإيرانيّة، هو صكّ أمان للأسد، فبالفعل ما إن انتهت مكالمة القرن بين روحاني وأوباما، حتى بدأ الحديث يدور عن انتخابات2014 يخوضها الأسد، وتوقعات من جهاز المخابرات الأمريكيّة بأن يحصل على 75 /100 من الأصوات، ثم خريطة تنشرها نيويورك تايمز بسعوديّة أو جزيرة عرب مقسّمة إلى وهّاب ستان وشرق ستان وغرب ستان، وفي هذا طبعاً سخرية سافرة من السعوديّة يجعل إيران تضحك في أكمامها ورُبّما تشاركها أمريكا الضحك.
ولكن ما الّذي يدفع الولايات المتّحدة إلى هكذا موقف؟! أعتقد أنّ الرئيس أوباما وهو في طريقه إلى انتهاء ولايتين لا ثالث لهما، يريد أن يسجّل هدفاً في المرمى الإسرائيلي، وينزلها من على أكتافه بهزّة واحدة بعد أن وقفت عليهما طويلاً بلا حياء، فنتانياهو قد أساء اللعب معه فيما مضى، وهو يريد أن يسدّد له الدين! هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، يبدو أنّه تولدّت قناعة أمريكية، وعبر الديبلوماسيّة الروسيّة ربّما، أنّ إبقاء إيران خارج اللعبة الدولية، أكثر كلفة من جذبها إلى داخله! وربّما تكون إيران قد قدّمت تنازلا ما بخصوص التمسّك بشخص الأسد،عبر تسوية سياسيّة تحفظ للكل ماء الوجه!
السخط السعودي طبعاً سيبقى زوبعة في فنجان ‘سادة’ فلن تجرؤ السعودية على شقّ عصا الطاعة، والاستمرار منفردة بالدفع نحو إسقاط الأسد، عبر تسليح المقاتلين السوريين!
أمّا الإحتمال الأكثرّ جدية هو أن تقوم إسرائيل بذلك، وتساهم في إسقاط نظام الاسد، نكاية في إيران من ناحية، والولايات المتحدّة من ناحية أخرى، وليس بدون أسباب مقنعة، فإسرائيل ترى ولأسباب وجيهة، أنّ نظام الأسد مترنّح فعلاً، وأنّ عودته إلى الحكم، أقرب للهزل منه للجد، في ظل وجود كل هذه التنظيمات المسلّحة على أرض سورية، والّتي يستحيل ضبطها لا من الأسد ولا من غيره! ولذا فقد تحوّل فوّهات بنادقها اتّجاهها، في ظل غياب دولة فعليّة، حتّى ولو أعيد الاسد شكليّاً إلى الحكم، وإذن فلماذا لا تقدّم خدمة للسعوديّة الغاضبة وحلفائها، بالمساهمة معهم في إسقاط الأسد، و تنصيب البديل الّذي لن ينسى هذا المعروف، خاصّة إذا تمّ من خلال السعوديّة، أمّا العصفور الآخر الّذي ربما سيسقط بهذا الحجر، فهو مباركة سعوديّة معلنة للمفاوضات الفلسطينيّة الإسرائيلية، تمنحها المشروعية، خاصّة وأنّ السعودية عدوّ قديم لحماس، والرياح مواتية بوجود الحكم المصري المنقلب على الإخوان، والحاصل على المباركة السعوديّة!
فهل تساهم حرب الضرائر، في تغيير شكل التحالفات خارج دائرة التأثير الأمريكي، ولو لحين رحيل أوباما الرئيس المتردد وغير الحاسم؟

نزار حسين راشد

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية