صحف عبرية: بعد سنين كثيرة حاولت فيها تركيا أن تحافظ قدر استطاعتها على بعد من التطورات في الشرق الاوسط، أصبحت معنية منذ انقضاء الحرب البادرة، وبقدر أكبر منذ تولي حزب العدالة والتنمية الحكم، بلعب دور أنشط في علاج قضايا الشرق الاوسط التي تستطيع التأثير فيها. تعمل تركيا في جملة ما تعمل في الموضوعات الآتية: التفاوض في مستقبل العراق، ومحاولات الوساطة بين ايران والولايات المتحدة في شأن تطوير السلاح الايراني، والوساطة في مسيرة السلام بين اسرائيل وسورية، والوساطة بين الفصائل الفلسطينية، وتجديد مسيرة السلام الاسرائيلية الفلسطينية.
علاقة تركيا بالعراقإن معارضة تركيا المعركة الامريكية في العراق في 2003 قربت ما بينها وبين ايران وسورية. ففي كانون الثاني (يناير) 2003، قبل دخول الولايات المتحدة العراق، أنشأت تركيا ‘قاعدة جارات العراق’، ومنذ ذلك الحين استمرت هذه اللقاءات. عند تركيا خطان أحمران فيما يتصل بمستقبل العراق: الأول قسمة العراق في عدة دول مستقلة، ولا سيما انشاء دولة كردية. لهذا من المهم عند تركيا استمرار وجود العراق واستقراره. وعلى ذلك تعارض تركيا طلب الاكراد السيطرة على الموصل وكركوك. والخط الاحمر الثاني هو الدفاع عن حقوق الاقلية التركمانية المركزة في شمال العراق، والتي هي بحسب تقديرات الغرب نحو من 2 3 في المئة من سكان العراق (500 800) الف نسمة. طرأ على سياسة تركيا نحو العراق عدد من التغييرات منذ غزو الولايات المتحدة العراق في 2003. في البدء رفضت تركيا اجراء مفاوضة مباشرة للادارة الكردية الاقليمية، أما اليوم فيوجد انفتاح أكبر لمفاوضة كهذه، بل إنه تمت في تشرين الثاني (نوفمبر) 2009 زيارة تاريخية من داود أوغلو الى أربيل، عاصمة المحافظة الكردية. وبعد سنين أدخلت فيها تركيا من آن لآخر قواتها في شمال العراق للعمل في مواجهة نشطاء حزب العمال الكردستاني الذين يجدون ملاذا في شمال العراق، واصرت على حقها في فعل ذلك، قال داود أوغلو في صيف 2009: ‘نؤمل ألا تحوجنا التطورات في المستقبل القريب الى مطاردات ساخنة الى داخل مناطق مجاورة’. وقال في شأن سياسة الوساطة والتقريب: ‘تركيا هي الدولة الوحيدة التي نجحت في أن تؤسس على نحو ناجح حوارا مع جميع الاطراف في العراق’. ازاء توسع تأثير تركيا في العراق وفي المنطقة كلها أثيرت دعوى، مثلا في مجلة نيوزويك: أن تركيا هي الرابحة الكبرى من المعركة الامريكية في العراق.
إن التغييرات التي طرأت على سياسة تركيا نحو العراق والانفتاح الذي زاد نحو الادارة الكردية الاقليمية ينبغي أن تفهم أيضا على خلفية مصالح تركيا الاقتصادية الواسعة في العراق ايضا. فقد كان مقدار التجارة بين تركيا والعراق في 2009، 5 مليارات دولار، بحيث كان العراق أحد أسواق التصدير الأهم عند تركيا، بل توجد غاية زيادة المقدار في السنين القريبة الى 20 مليارا. وتركيا معنية جدا بأن تكون مشاركة في اعادة البناء الاقتصادي للعراق، وتشارك شركات تركية كثيرة في مشروعات في شمال العراق، وفيها مشروعات بناء بنى تحتية ومطارات. إن الاستثمارات التركية تبلغ نحو 80 في المئة من جملة الاستثمارات الاجنبية المباشرة في المناطق الكردية في شمال العراق. ومن هذه الجوانب، قد تكون لسياسة صارمة غير مهادنة لتركيا نحو العراق كلفة اقتصادية باهظة، وتوجد مزايا لسياسة أكثر مرونة ولمحادثة جميع الفصائل في الدولة.
علاقة تركيا بايرانمنذ تولى حزب العدالة والتنمية الحكم حدث تقارب مهم بين تركيا وايران. ينبع هذا التقارب من أن الايرانيين معنيون بخرق العزلة التي يحاولون فرضها عليهم بسبب برنامجهم الذري، ومن أنه يوجد اليوم في تركيا بخلاف مخاوف تركيا في الماضي من تصدير الثورة الايرانية اليها انفتاح أكبر للعقيدة السائدة في ايران. يمكن أن نستدل على نوع العلاقات بين الدولتين بزيارة محمود احمدي نجاد لتركيا في آب (أغسطس) 2008. تمت هذه الزيارة الى اسطنبول لا الى أنقرة وعرفت على أنها لقاء عمل لا زيارة رسمية. وبهذا لا تنطبق عليها قواعد المراسم الرسمية، وكان احمدي نجاد يستطيع الامتناع عن زيارة متحف أتاتورك، أبي العلمانية التركية. إن مرونة تركيا في هذا الشأن، وهي التي لا تميزها، تشهد في شبه يقين على الأهمية الكبيرة التي تنسبها الى تقديم علاقاتها بايران. بل كان اردوغان وغول من اوائل من هنأوا أحمدي نجاد على انتخابه رئيسا لايران من جديد في 2009. ويمكن ان نستدل على الاهمية التي تراها ايران لعلاقاتها بتركيا، في الجملة، بحقيقة أن ايران لم توجه انتقادا للدور الذي لعبته تركيا في الوساطة بين سورية واسرائيل.
إن موقف تركيا من قضية الذرة الايرانية هو أنه ينبغي العمل في المرحلة الاولى لمنع اشتعال الوضع نتاج عمل ردعي من قبل اسرائيل او الولايات المتحدة. لا تخاف تركيا خوفا خاصا من تهديد ايران لها ذريا لكنها قلقة من تقوض الاستقرار في المنطقة نتاج محاولة ايران احراز هذا السلاح. أظهر اردوغان المناصرة لموقف ايران من السلوك المشكل لدول تملك سلاحا ذريا لكنها تريد منع ايران من احرازه. مع ذلك يبدو انه يوجد اختلاف في تركيا في معاني وضع تملك فيه ايران سلاحا ذريا. فمن جهة يقلق الجيش وجماعات النخبة العلمانية من سياسة ايران الذرية، ومن الجهة الاخرى، لا يشارك زعماء حزب العدالة والتنمية ومجموعات النخبة الجديدة في هذه المخاوف. برغم هذا الاختلاف لا تسمع في تركيا دعوات الى تطوير قدرة ذرية مستقلة في هذه المرحلة. التفسير الممكن لذلك هو المظلة الذرية التي تتمتع بها تركيا كعضو في حلف شمال الاطلسي. لكن من شبه المحقق أن يتغير هذا الموقف اذا زاد شك تركيا في التزام اعضاء حلف شمال الاطلسي بمبدأ الأمن الجماعي، ولا سيما في حالة هجوم ذري على واحدة من الاعضاء. تؤكد تركيا على الدوام استعدادها وقدرتها على الوساطة بين ايران والغرب. وفي احد اقتراحات المصالحة، التي عرضتها الوكالة الدولية للطاقة الذرية، أثير امكان أن تخزن ايران اليورانيوم المخصب بنسبة منخفضة، والذي يمكن ان يستعمل في تركيب قنبلة ذرية أيضا، في دولة أخرى، وأن تحصل في مقابلة ذلك على وقود اليورانيوم الذي تحتاجه لمفاعل بحثها بنسبة متوسطة. وافقت تركيا، بحسب سياسة وساطتها، على أن تكون هي التي تخزن اليورانيوم المخصب لايران.
علاقة تركيا بسوريةفي مقابلة التقارب بين تركيا وايران طرأ تحسن ملحوظ على العلاقات بين سورية وتركيا. هذا التحسن نتاج مصالح الدولتين المشتركة فيما يتعلق بمستقبل العراق وحاجة سورية الى الخروج من العزلة الدولية التي فرضتها عليها ادارة بوش. تميزت علاقات تركيا بسورية في اثناء الحرب الباردة وبعدها بالعداوة. لكن في آخر التسعينيات طرا تحسن على العلاقات بعد أن وافقت سورية، على اثر انذار وجهته تركيا وحشد للقوات على الحدود بين الدولتين، على أن تطرد من أرضها عبدالله اوجلان زعيم حزب العمال الكردستاني، بل إن سورية تخلت عن طلبها السيطرة على لواء الاسكندرونة الذي كان فيه اختلاف منفصل بين الدولتين. والى ذلك، وبعد سنين طويلة من الاختلاف في قضية تقسيم الموارد المائية، يبدو ان سورية عدلت مطالبها من تركيا في هذا الشأن. في 2007 وقعت الدولتان على اتفاق تجارة حرة، وتلك خطوة أفضت الى زيادة مقدار الصلات الاقتصادية بينهما. وفي 2009 تخلت الدولتان على نحو مشترك عن مطلب سمات جواز الحدود بينهما.
تم التعبير عن تحسين العلاقات بين تركيا وسورية، في الجملة، بالدور المركزي الذي لعبته تركيا في الوساطة بين اسرائيل وسورية. في نطاق هذا النشاط الدبلوماسي تمت أربع جولات تفاوض غير مباشر بين الجانبين، بل كانت نية اجراء جولة خامسة. أجلت هذه الجولة على أثر قرار تقديم موعد الانتخابات في اسرائيل الى شباط ( فبراير) 2009. قبيل نهاية 2008 تمت زيارة خاطفة لرئيس حكومة اسرائيل ايهود اولمرت لأنقرة، لمحاولة تقديم التفاوض مع سورية. في أثناء الزيارة التقى اولمرت اردوغان وغول ووزير الخارجية علي بابا جان. تبين التقارير في الصحف انه قد طرأ في هذه الزيارة تقدم نحو صياغة وثيقة تقريب بين وجهات النظر تمكن من تفاوض مباشر بين الجانبين، بل ان اردوغان أمر بإعداد طائرة لاحضار الاسد للقاء ثلاثي، بل ذكر اولمرت نفسه أن ‘الاتراك عملوا وسطاء نزهاء جيدين’. مع ذلك ينبغي توكيد أن قدرة تركيا على التوسط بين الدولتين كانت محدودة لا بسبب مشكلات أداء حكومة اولمرت فحسب، بل بسبب معارضة ادارة بوش للتقدم في المحادثات بين اسرائيل وسورية.
منذ ذلك الحين عبرت تركيا عن الاستعداد لتجديد المسيرة. في نهاية كانون الثاني (يناير) 2009 ألمح اردوغان الى أن تركيا ستعود للوساطة بين الجانبين: ‘ما زال السلام بين اسرائيل وسورية لم يمت’. وعلى نحو يشبه ذلك اعلن وزير الخارجية داود اوغلو بقوله: ‘عندما يكون الجانبان مستعدين نستطيع البدء. تركيا مستعدة للاسهام في هذه المسيرة المهمة جدا لاستقرار المنطقة’. في تشرين الثاني (نوفمبر) 2009 أعلن رئيس حكومة اسرائيل بنيامين نتنياهو بانه يعارض استمرار مشاركة تركيا وانه يفضل تفاوضا مباشرا مع سورية. وقال نتنياهو ايضا انه اذا وجدت حاجة الى وسيط مع كل ذلك فانه يفضل ان تلعب فرنسا هذا الدور. في مقابلة ذلك أعلنت سورية انها اذا جددت المحادثات بينها وبين اسرائيل، فانها تفضل وساطة تركيا. يثير الاهتمام تصريح الاسد عن أن تركيا يجب ان تكون لها علاقات جيدة باسرائيل اذا كانت معنية باستمرار الوساطة بين الجانبين. حاولت تركيا ان تقرب وجهات النظر بين العراق وسورية في شأن تهم العراق بان سورية رعت مخططي العمليات الضخمة في بغداد في آب ( أغسطس) 2009 ، التي قتل فيها اكثر من مئة شخص. بعقب رفض سورية تسليم المشتبه فيهم حدثت أزمة بين الدولتين اعادت في خلالها العراق سفيرها من دمشق، واعادت سورية سفيرها من بغداد ردا على ذلك. في اطار سخونة العلاقات بين تركيا وسورية اقامتا لاول مرة تدريبا عسكريا مشتركا على الحدود بين الدولتين. كان نطاق هذا التدريب، الذي تم في نهاية نيسان (أبريل) 2009 ضيقا جدا، وكان هدفه كما زعمت الدولتان متصلا بمواجهة مشكلة المتسللين الاكراد. مع ذلك، زعم أن الولايات المتحدة شجعت هذا التدريب، وانه قد نقلت الى اسرائيل باجرائه رسالة انه يجب عليها الرجوع عن طرائق عمل القوة واحادية الجانب عندها. وكان قرار آخر بمنزلة سابقة، هو القرار على نزع الالغام في الجانب التركي من الحدود مع سورية. وكذلك تم في تشرين الاول (أكتوبر) 2009 تفاوض استراتيجي بين الدولتين اتفق فيه على ان تجري تدريبات عسكرية مشتركة اخرى. علاقة تركيا بإسرائيلاحدى المشكلات الاساسية لعلاقة اسرائيل بتركيا في فترة حكم حزب العدالة والتنمية هي قلة المصالح المشتركة المهمة بين الدولتين. كانت عداوة الدولتين في الماضي لسورية سببا يربط بينهما، اما اليوم فقد نجحت تركيا وسورية في التغلب على اكثر الاختلافات بينهما، وتخاف اسرائيل هذا التقارب. والى ذلك كانت تركيا في الماضي تخاف النظام الاصولي في ايران، اما اليوم فطرأ تقارب بين هاتين الدولتين. على اية حال، لا تخاف تركيا ايران على نحو وجودي والذي يرى عليه التهديد الايراني في اسرائيل. ان المصالح المشتركة التي بقيت للدولتين متصلة بان لهما توجها غربيا وبانهما شريكتان على نحو مبدئي في مكافحة الارهاب. والى ذلك، وفي الصعيد العسكري ما تزال تركيا محتاجة الى التقنية الاسرائيلية، ولا سيما معلومات اسرائيل في مجال الطائرات بلا طيار لمكافحتها حزب العمال الكردستاني في شمالي العراق. مع ذلك، لم يعد جيش تركيا ينظر الى شراء المعدات العسكرية من اسرائيل على أنه الخيار الافضل، ويحاول أن ينوع مصادر تسليحه. تطمح تركيا في السنين الاخيرة اكثر مما في الماضي الى تطوير قدرات مستقلة. عندما نفحص عن علاقة اسرائيل بتركيا على السنين، يتبين أنه برغم انه كان للدولتين مصالح مشتركة، كانت العلاقات القريبة في التسعينيات شذوذا، وكانت اسرائيل طوال الوقت، وهي التي كانت محتاجة الى تركيا كمصدر للشرعية، هي الجانب المراود. اثار تولي حزب العدالة والتنمية الحكم في 2002 مخاوف في اسرائيل، ومن جملة اسباب ذلك الجذور الاسلامية للحزب والمواقف المعادية لاسرائيل التي عبر عنها غول عندما كان عضوا رفيع المستوى في حزب الرفاه. في بدء الولاية الاولى لحزب العدالة والتنمية بردت العلاقات فقد سمى اردوغان اسرائيل مثلا ‘دولة ارهاب’. كذلك أثر ضعف الجيش زمن ولاية الحكومة برئاسة حزب العدالة والتنمية، في العلاقات بين الدولتين، لان الجيش كان في الماضي هو الجسم الذي دفع نحو التقارب بينهما. مع ذلك، تمت رؤية اجراء الانفصال الذي بادرت اليه وقادته في 2005 حكومة اسرائيل بقيادة ارئيل شارون رؤية ايجابية في تركيا، وافضى الى عدة زيارات لمسؤولين في الادارة التركية لاسرائيل، فيها زيارة اردوغان في نيسان (أبريل) 2005. كانت تركيا مشاركة في عدة مبادرات اقتصادية لتحسين وضع الفلسطينيين في المناطق. بعقب القرار على الانفصال عن قطاع غزة حاول اتحاد غرف الصناعة والتجارة التركي تقديم مبادرة دولية، بمشاركة تركيا، لاعادة بناء المنطقة الصناعية قرب معبر ايرز وادارتها. بعد سيطرة حماس على غزة بدأت تركيا تقديم مبادرات في الضفة. وهكذا كانت تركيا بين مبتدعات فكرة منطقة صناعية في ترقوميا. وكانت تلك مبادرة تركية خاصة وان كانت بتشجيع حكومي، لبناء منطقة السلام وهي باحة طبية اسرائيلية فلسطينية في الجانب الاسرائيلي لمعبر الجلمة. ورغم حماسة الجانبين الاولية لم تنضج هذه المشروعات، وسبب ذلك في الاساس معارضة جهاز الامن في اسرائيل. بفضل سياسة الوساطة التقريب بين وجهات النظر لم تواجه الحكومة برئاسة حزب العدالة والتنمية في البدء وعلى نحو مباشر الجيش فيما يتعلق باستمرار العلاقات مع اسرائيل. مكنت سياسة التقريب بين وجهات النظر من الاستمرار على الحفاظ على العلاقات في مستوى عال، للافضاء الى تقديم جهود وساطة تركيا. وعلى هذا، وكما زعم داود أوغلو يجب أن تكون سياسة تركيا نحو الشرق الاوسط قائمة على ‘الامن للجميع، لا لهذه الجماعة او تلك، او هذه الدولة او تلك، بل الامن المشترك للمنطقة كلها’. تلقت علاقة اسرائيل بتركيا زعزعة على اثر حرب لبنان في صيف 2006، وزعزعة اكبر على اثر عملية الرصاص المصبوب. وجهت تركيا في الماضي انتقادا لاذعا لاسرائيل في فترات تصعيد علاقات اسرائيل بالفلسطينيين، لكن زيارة اولمرت لانقرة قبل العملية بأيام فقط سببت خيبة أمل كبيرة على نحو خاص من سياسة اسرائيل نحو الفلسطينيين ونحو سورية. وهكذا نشأ من جهة انطباع ان تكون تركيا ربما علمت سلفا بالعملية ولم تعمل لمنعها، ومن جهة اخرى، اذا لم تعلم شيئا، فان اهميتها في واقع الامر ليست كبيرة جدا كما يظن زعماؤها. دفعت تركيا عن دورها كوسيط لا بسبب انتقادها اللاذع لاسرائيل فحسب، بل بسبب الدور المركزي الذي كان لمصر وفرنسا ايضا في ادارة الازمة في عملية الرصاص المصبوب وحلها. وهكذا اسهم تحسن العلاقات بين اسرائيل ومصر في تباعد بين اسرائيل وتركيا. زمن عملية الرصاص المصبوب وبعد ذلك تكلم اردوغان عدة مرات بكلام شديد اللهجة موجه الى اسرائيل. وقد زعم في جملة ما زعم أن عملية طويلة في غزة ستكون ‘جريمة في الانسانية’ وان العملية تشهد بعدم احترام اسرائيل لمحاولات وساطة تركيا. واضاف ان اسرائيل تقوم باعمال غير انسانية في غزة، وستفضي بها الى القضاء على نفسها. بعد أن اتخذ قرار مجلس الامن 1860، الذي دعا الى وقف للنار على الفور، قال اردوغان انه ينبغي عدم تمكين اسرائيل من دخول مؤسسات الامم المتحدة ما لم تنفذ القرار. وحذر غول من ان عمليات اسرائيل ستسبب عدم استقرار في المنطقة. بل حدثت حادثة دبلوماسية صعبة في مقام خصص للحرب في غزة في المؤتمر الاقتصادي في دافوس في سويسرا في التاسع والعشرين من كانون الثاني (يناير) 2009 شارك فيه بيريس واردوغان. ترك اردوغان المجلس غاضبا احتجاجا على كلام بيريس ولأنه لم يعطَ وقتا كافيا للرد عليه. افضت تصريحات اردوغان هذه وسلوكه في دافوس الى ان اصبح يُرى صديقا حقا للفلسطينيين ويحظى بشعبية كبيرة عند الجمهور العريض في الدول العربية. لا يوجد التوتر بين تركيا واسرائيل في المجال السياسي فحسب تمت في تركيا على اثر عملية الرصاص المصبوب مظاهرات ضخمة واسمعت دعوات الى قطع العلاقات التجارية والعلاقات الامنية بين الدولتين، بل أمرت وزارة التعليم التركية بدقيقة صمت في المدارس الابتدائية لذكرى الاولاد الذين قتلوا في غزة. وفي مسلسل درامي بث في قناة التلفاز الرسمية في تركيا، ظهر جنود الجيش الاسرائيلي وهم يطلقون النار على عمد على مواطنين ابرياء وعلى اولاد. في استطلاع للرأي العام نشر في كانون الثاني (يناير) 2010 ايد 63 في المئة من المستطلعة آراؤهم سياسة الحكومة نحو اسرائيل برئاسة حزب العدالة والتنمية.
يبرز في هذه الازمة ايضا الرأي العام المضاد في اسرائيل. فقد نشرت في الشبكة العنكبوتية دعوات الى عدم السفر لتركيا. حظيت هذه الدعوات بأصداء كثيرة. في 2009 انخفض عدد المسافرين الاسرائيليين الى تركيا بنسبة 44 في المئة قياسا بـ 2008، وهو انخفاض لا يمكن ان نرجعه الى الركود العالمي فحسب. ينبغي أن نذكر ان نسبة السياح من اسرائيل من جملة السياح الذين يدخلون تركيا غير كبيرة، لكن السياحة برغم ذلك عنصر مهم في العلاقات الاقتصادية بين الدولتين. تظهر في المدة الاخيرة في المواقع الاخبارية الاسرائيلية في الانترنت مئات الردود واكثرها معاد لتركيا على كل نبأ يتصل بعلاقة اسرائيل بتركيا، لا في موضوع مقاطعة السياحة فقط. مع ذلك يجب ان نؤكد ان تركيا لم تيأس على اثر عملية ‘ الرصاص المصبوب’ من محاولات الوساطة في الصراع الاسرائيلي الفلسطيني. زيادة على الدور الذي لعبته تركيا بإقناع حماس بالموافقة على اعلان وقف اطلاق النار في عملية ‘ الرصاص المصبوب’، شارك غول في مؤتمر شرم الشيخ، الذي عقد في نهاية الازمة، مع المندوبين الكبار من الاتحاد الاوروبي والامين العام للامم المتحدة. ترى تركيا رفض اسرائيل ورفض جزء من الجماعة الدولية مفاوضة حماس خطأ افضى الى تدهور الوضع في غزة، بل تحاول تركيا تقديم جهود المصالحة بين فتح وحماس وانشاء حكومة وحدة فلسطينية. قال داود أوغلو: ‘نحن لا ننظر في محيطنا ونرى المتطرفين او المعتدلين. كل ما نراه الجيران’. يشايع حزب العدالة والتنمية بمعان كثيرة حماس لانهما انتخبا بانتخابات ديمقراطية. وثمّ اعتراض على مقدار شرعية حكمهما، ومن جملة اسباب ذلك قاعدتهما الاسلامية. وبهذا اصبحت تركيا كما قلنا آنفا احدى اوائل الدول التي دعت خالد مشعل لزيارة تركيا بعد فوز حماس في الانتخابات في غزة في 2006. تعبر تركيا من آن لآخر عن استعدادها للوساطة في المستقبل بين اسرائيل وسورية. قلنا آنفا ان سورية تؤيد وساطة تركيا، اما اسرائيل فتفضل مفاوضة مباشرة او وساطة فرنسية. قال اردوغان ردا على كلام نتنياهو في هذا الشأن: ‘قمنا بما استطعنا في التفاوض بين اسرائيل وسورية، لكننا نرى الان ان نتنياهو يقول انه لا يثق بأردوغان لكنه يثق بساركوزي. هذا عدم خبرة دبلوماسية. توجد اتفاقات مهمة جدا بيننا وبين اسرائيل. كيف يمكن ان تبقى هذه الاتفاقات في جو ارتياب؟’. الى محاولات الوساطة بين اسرائيل وسورية، وبين اسرائيل وحماس وبين الفصائل الفلسطينية استضافت تركيا جزءا من الاتصالات بين اسرائيل وباكستان اللتين ليست بينهما علاقات دبلوماسية. تمت في اسطنبول في 2007 لقاءات في مستوى وزراء الخارجية بين الدولتين. أكد الاتراك في عملية ‘ الرصاص المصبوب’ وبعدها ان العلاقات باسرائيل لم تقطع، بل قال اردوغان ردا على الانتقاد الذي وجه اليه لعدم قطع العلاقات: ‘نحن لا ندير حانوت بقالة بل الجمهورية التركية’. كانت في الحقيقة دلائل كثيرة على مس كبير بالعلاقات بين الدولتين، بل على قطيعة غير رسمية من تركيا لاسرائيل. وكان تطور سلبي بارز هو ان اسرائيل لم تدع في 2009 – بخلاف سنين سابقة ـ الى التدريب الجوي المشترك السنوي في نطاق حلف شمال الاطلسي. قال اردوغان في الغاء التدريب المشترك: ‘لا يمكن ان تقتل اسرائيل في غزة وتجري تدريبات عسكرية داخل تركيا’. واضاف داود اوغلو في هذا الشأن: ‘لا يمكن ان يبدو ان لتركيا علاقات عسكرية باسرائيل في فترة حساسة جدا في حين لا توجد جهود سلام’. زعم محللون في هذا الشأن انه بخلاف الماضي، حينما كان الجيش هو اللاعب المهيمن على العلاقات باسرائيل، اصبح الجيش الان، ازاء تغير ميزان القوى الداخلي في تركيا، عاجزا عن الاصرار على اشراك اسرائيل في التدريب، وسبب الامر في النهاية الغاء مشاركتها فيه. مع ذلك شاركت اسرائيل في تدريب تخليص وانقاذ في البحر المتوسط لمشاركة سلاحي البحرية لتركيا والولايات المتحدة، تم في منتصف آب (أغسطس) 2009. وكانت شهادة اخرى على تدهور العلاقات في المجال الامني هي اعلان تركيا بانها قررت نهائيا عدم شراء قمر تجسس من اسرائيل برغم أنها ابدت اهتماما بذلك في الماضي. وعبرت تركيا عن عدم الرضى عن تأخير صفقة الطائرات بلا طيار، بل وجهت انتقادا لان هذه الطائرات من انتاج اسرائيل والتي اشترتها منها غير سليمة. زعمت اسرائيل ردا على ذلك ان مشكلة هذه الطائرات نبعت من طلب تركيا ان تركب فيها عدسات تصوير ثقيلة جدا. على حسب انباء نشرت في الصحف، نجحت الدولتان في نهاية 2009 في حل الخلاف في هذا الشأن. في كانون الاول (ديسمبر) 2009 جددت اللقاءات في المستوى الاعلى فقد التقى رئيس تركيا غول رئيس اسرائيل بيريس في مؤتمر المناخ الذي تم في كوبنهاغن. تم هذا اللقاء بعد زيارة ناجحة لوزير الصناعة والتجارة الاسرائيلي بنيامين بن اليعيزر لانقرة في تشرين الثاني (نوفمبر) 2009. شهد اللقاءان على رغبة تركيا واسرائيل في مضاءلة شيء من الاضرار التي حدثت للعلاقات بينهما. مع ذلك، لم تتم زيارات اتراك من المستوى الاعلى في 2009 والشهور الاولى من 2010. كذلك اجل افتتاح المركز الثقافي التركي في يافا والذي سمي له سنة 2009 لانه لم تتم في اسرائيل اي زيادة لشخصية تركية في مستوى رفيع بقدر كاف لافتتاح المركز. يثقل على علاقة اسرائيل بتركيا ايضا النهج المتطرف نحو تركيا الذي يقوده وزير الخارجية افيغدور ليبرمان. تم التعبير عن هذا النهج بالحادثة الدبلوسية التي وقعت في كانون الثاني (يناير) 2010. فقد استدعى نائب وزير الخارجية داني ايالون سفير تركيا في اسرائيل الى محادثة توبيخ على أثر بث مسلسل درامي تلفزيوني عرض فيه عملاء من الموساد الاسرائيلي يخطفون اطفالا اتراكا. وبخ ايالون سفير تركيا توبيخا مذلا برغم أنه كان عالما بانه لا يتجاوز بذلك قواعد الدبلوماسية فحسب بل السياسة التقليدية التي اخذت بها اسرائيل بالحفاظ على علاقات سوية بتركيا بكل ثمن تقريبا. زعمت الصحافة ان اعتبارات حزبية داخلية داخل اسرائيل بيتنا ورغبة في القيادة على حسب نهج سياسة ‘الكرامة القومية’ والتي قادها ليبرمان جعلته يخطىء هذا الخطأ. اثارت الحادثة اصداء كثيرة، وهددت تركيا باعادة السفير اذا لم تعتذر اسرائيل. وفي اسرائيل وجه انتقاد لاذع الى سلوك ايالون، بل اعترف وزير الخارجية بان صورة معاملة سفير تركيا كانت مخطئة. شهدت الحادثة مرة اخرى على قدرة اسرائيل المحدودة على المناورة ازاء تركيا ودلت على علاقات القوى الحقيقية بين الدولتين. وهكذا تبرز حقيقة ان تركيا طلبت وحصلت على اعتبار صريح يفوق الاعتذار الغامض الاول لايالون. ينبغي أن نؤكد ان استعداد تركيا لقبول اعتذار اسرائيل، واتمام زيارة وزير الدفاع ايهود باراك لتركيا بعد الحادثة بأيام، بحسب المخطط، شهدت بان تركيا غير معنية بقطع العلاقات باسرائيل. فالحفاظ على علاقات دبلوماسية باسرائيل يساوق توجها تركيا فحواه انه ينبغي الحفاظ على جميع قنوات التحادث في الشرق الاوسط مفتوحة. قال داود أوغلو في هذا الشأن: ‘ان انتقاد سياسة الحكومة الاسرائيلية في مجال، لا يعني نهاية العلاقات بين الدولتين’. مع ذلك، بعد نشر صحيفة ‘هآرتس’ تقريرا داخليا عن مركز الابحاث السياسية التابع لوزارة الخارجية الاسرائيلية، وقال انه قد كان للحادثة مع سفير تركيا مزايا عند اسرائيل، وزعم فيه ان اردوغان يحرض على معاداة السامية، قال اردوغان في مقابلة في التلفاز: ‘يجب على اسرائيل أن تأخذ في حسابها إمكان أن تخسر صديقا مثل تركيا في المستقبل’. مركز بحوث الامن القومي ـ جامعة تل ابيب