مكان متواشج مع تجربة حياة في رواية «الصوت المخنوق»

ترصّد الروائي السوري عبد المجيد محمد خلف في روايته، التي عنونها بـ»الصوت المخنوق»، والتي تقع في مئة وإحدى وتسعين صفحة، من القطع المتوسط، والصادرة عن دار الزمان للنشر عام 2019، والحائزة جائزة الشارقة للإبداع العربي، الدورة 14 عام 2010، الواقع الاجتماعي المعاش في مدينتي عامودا وقامشلي، وتمكّن الراوي بخبرته الكبيرة في السرد، من الوقف على الأحداث، ونقلها، وكشف تفاصيلها بلغة سهلة وسلسة، بعيدا عن الغموض، فالعنوان يكشف عن فهم النص إلى حدّ ما، ويشير إلى الأزمات النفسية لشخصياته عامة، والرئيسة بشكل خاص، مثل شخصيتي (سالار – وشيراز).

قضايا وهموم حياتية

يعالج الكاتب في روايته قضيتين أساسيتين من القضايا التي تعانيها الإنسانية، أولها مشكلة الفقر، التي دفعت بذلك الشاب (سالار) ابن قرية (هرم جمــــو)، إلى أن يقــرر السفر للعمـــل في بــلاد الغربة؛ وهو في مقتبل العمر، بعد أن استحوذ على حبّ (آهين) ابنة (شيركو أفندي)؛ وهي فتاة رائعة الجــــمال، ذات الســـبعة عشـــر ربيعــا من عمرها.
إذ أنه؛ وفي كل مرة كـــــان يلتقي فيها بمحبـــوبته، كان قلبه يعتصر ألمـــا وتخنـــقه الأوجاع، يعانـــيان الرهبة من أن يراهــــما والدها الذي لن يتوانـــى عن قتل حبيــبها، الــــذي لــــــم يوافــــق عــــلى مصاهــرته بســـبب ضيق ذات الــيد: «طلبت يدها مرارا وتكرارا، لكن والدها رفـــض تزويجي إيّاها، لفقـــري، وقلة ذات يدي، لقد أحببتها كثيرا».
بعد ذلك الرفض الجازم، قرر السفر بعد أن تواعدا على بقائهما أوفياء لحبهما الكبير ذاك، وأكد لها بأن سفره هو لأجلها بعد أوصدت كل الدروب في وجهه، وأيقن أن السفر هو الدواء الوحيد لحالهما ذاك: «لن أطيل الغياب، سأعود في أقرب فرصة، فالسفر ليس إلا وسيلة للحصول عليك، أنا ذاهب كي أحسّن أوضاعي، وسأعود بأقرب وقت ممكن».

ألم الاغتراب

المعضلة الأولى تدور أحداثها وتتمحور حول ما يعانيه الإنسان من ضغوطات اجتماعية، وقرار السفر والهجرة بسبب الأوضاع المعيشية القاسية، وبعد عناء الرحلة الشاقة يحالفه الحظ بالحصول على فرصة العمل، فتتحسن أوضاعه، وبعد مضي فترة ست سنوات يقرر العودة.
«لا بدّ أن أعود لأداوي نفسي من ذلك الداء الذي يعذبني كثيرا، داء الحقد، البعد، الغربة، وأتخلص منه إلى الأبد». ما إن دخل القرية حتى عاد ألم الجراح، وتألم كثيرا للرجوع إليها، فخبر وفاة آهين مزق قلبه المضنى، بعد أن زوجها والدها من خاطب كانت أحواله جيدة، لتموت بسبب ولادة عسيرة بعد مرور أربع سنوات من زواجها. «بكيت حتى ارتوى تراب القبر من دموعي، نسيت نفسي أين أقف، نسيت الوجود كله من حولي».
فيقرر سالار بعدها العودة إلى غربته في ألمانيا «أدرت ظهري للريح مرة أخرى، وأسدلت ستائر الحزن، يكفيني ما رأيت، سأغادر هذه القرية التي تطاردني بأشباحها وأعود إلى ألمانيا».

الرواية هي رواية المكان، المكان الذي يتسع ليشمل فضاء رحبا، تجلى من خلال رحلة أبطالها في دروبها، وسعيهم وراء فردوسهم المفقود، فلا تحدوهم حدود الزمن، ومعالم الجغرافيا

معضلة التطرّف في الدين

المعضلة الثانية التي يعالجها الكاتب تدور في منزل صغير جدا، تسكنها عائلة (صوفي عبد الله) في مدينة قامشلي، الذي أجبر على مغادرة قريته (بريفا)، بعد أن ارتكب جريمة قتل بسبب مشاحنات وخلافات حول الأرض والحصص الإرثية لجدهم، عبثا حاول مع أبناء عمه تجنب وقوع تلك الجريمة. «كفانا ما لقيناه من بعضنا، وآن لنا أن نستريح من هذه المصائب، نحن أولاد عم، أقنعوا أباكم كي يكفّ عن إثارة المشاكل». كان صوفي عبد الله يعمل في التهريب، إلا أنه قرر بعد السكن في القامشلي أن يترك عمل التهريب، ليتوب ويتفرغ للعبادة، وتربية أطفاله على ذاك النحو. لم تمض سوى سنتين حتى سارت أمور الصوفي على ما يرام في ما بعد، أصبح يعمل في سوق الخضراوات، بعد أن توسط وجهاء العشائر بينهم وبين أبناء عمومتهم وعادت الأمور إلى مجراها. كان متشددا على أبنائه الأربعة، لم يكن يغفر لهم أي خطأ في تعاليم الدين والوضوء.
«في إحدى المرات وحين كان البرد شديدا، لاحظ أن ابنه الأكبر البالغ من العمر عشر سنوات آنذاك، لم يتوضأ بشكل جيد، قام بضربه بشدة وأشبعه ضربا في ذلك الليل الشتائي القارس». منع كل شيء عن هؤلاء الأطفال، عاشوا عمرهم في شقاء بسبب جبروت والدهم، الذي قضى حياته هو الآخر بين كر وفر، سعي متواصل، وعبادة دائمة لا نهاية لها. كانت نتيجة قسوته تلك، طلاق ابنته عائشة، أما (آراس) الابن الصغير فقد أصيب بانفصام الشخصية، بعد أن كانت التوقعات أن يمتثل للشفاء بعد أن أصر معلمه في العمل، على أخذه إلى طبيب نفساني، ولكن بسبب عدم اهتمام الأهل لوضعه ورعايته، كانت نهايته الموت في الشارع. «مرت عليه الأيام شديدة في ذلك الشارع، برد، مطر وحرارة لاهبة، وهو لا يلتحف إلا المطر وضوء الشمس، ساءت صحته كثيرا، وفي صبيحة أحد الأيام نعت المدينة أبناءها، نفسها، بفقد ابنها». بقي الابن الأكبر (آزاد) يحذو حذو والده، أما شيراز فهو الوحيد الذي تمكن من أن يتخلص من سطوة والده. «ثم جاء يوم قرر فيه ترك الصلاة، وضرب تعاليم الدين الذي كرّههم والدهم فيه، عرض الحائط».
استطاع الروائي عبد المجيد محمد خلف إظهار حقيقة نتائج التزمت الخاطئ بالدين، والانعكاس السلبي لذلك؛ من خلال تركيزه على شخصية الصوفي عبد الله الذي فرض الدين على أولاده عن طريق الرهبة والخوف، وذلك بلغة بسيطة وسهلة وقريبة من الواقع.

رواية المكان

الرواية معبّرة تحمل في طياتها مشكلتين تعانيها الإنسانية، على الرغم من أنهما مستقلتان، إلا أنه يربط بينهما خوف، قلق، ألم، حرمان، هموم حياتية، وعذاب الصراع الداخلي الذي يعيشه الإنسان؛ فجاءت شيقة، وذات خاتمة منطقية دفعت إليها، وتنبأ بها تطوّر الأحداث دراميا، فكانت مؤلمة بتلاشي الأحلام، واندثارها، ليضيع الصوت في الهاوية، ويبقى مخنوقاً، كما أشار إليه في عنوان الرواية، ولا يتمكن من إيصاله إلى الآخرين، الذين بقوا في عالم آخر، وبعيدين عن سماعه، لفهم مضمون الرسالة، التي أراد الكاتب أن ينقلها لهم، بطابع تراجيدي ومأساويّ عكسته أحداث الرواية، وتجلياتها عبر محطات ومواقف حاولت أن تقرّب مشاهد الحياة التي عاشها أبطال هذه الرواية، لتكتمل تلك المشاهد في الرواية، وتتواصل من خلال العلائق الدائرة بين البشر زمانيا ومكانيا، ويبقى المكان في النهاية هو المعبر الأول والأخير لها، فالرواية هي رواية المكان، المكان الذي يتسع ليشمل فضاء رحبا، تجلى من خلال رحلة أبطالها في دروبها، وسعيهم وراء فردوسهم المفقود، فلا تحدوهم حدود الزمن، ومعالم الجغرافيا، لأنها تتسع باتساع الأفق المفتوح أمامهم لكافة الاحتمالات.

٭ روائية من سوريا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية