باسل أبو حمدة تخوض النخب العربية المثقفة سباقا محموما في تحليلاتها لما يطرأ من مستجدات إثر الربيع العربي فرادى وليس جماعات، وتأخذ كتاباتها شكل كتبات صحفية لا يتخطى شعاعها حدود زمن الخبر الصحافي الآيل إلى زوال مع صدور العدد التالي في أحسن الأحوال. ما يبقيها خارج دائرة الفعل والتأثير في الرأي العام، على الأقل الايجابي منه، ويسلبها ، في الوقت نفسه،امكانية التراكم ويحرمها من نعمة المكوث في الذاكرة الجمعية للجمهور المستهدف افتراضا، ناهيك عن حالة الطلاق البائنة بينها وبين دوائر صنع القرار، التي لطالما حاربتها وعبرت عن ازرائها لها طالما أنها تحلق خارج سرب منظومة الاعلام والفكر الرسمية المنظمة في مشهد يوحي بصراع هزيل يفتقر إلى إرادة اصحاب الأقلام من جهة، بينما يشتد فيه، في كل مرة، عود الأبواق الاعلامية والفكرية الرسمية ،وما أكثرها، في الجهة المقابلة دون إغفال طرف إعلامي ثالث بدأ يطل براسه من حالة التماهي مع المواقف الرسمية للنظام الرسمي العربي ، الذي وجد نفسه لأسباب عديدة داخلية وخارجية داعما لمخرجات الربيع العربي بطريقة أو بأخرى.إذا، نحن نقف أمام معادلة إعلامية فكرية وحتى ابداعية ثلاثية الأبعاد: الاعلام الرسمي، الاعلام المحابي والاعلام التغييري افتراضا، والنتيجة إثنان مقابل واحد تنقصه الارادة الحقيقية للتغيير أصلا، خاصة وأن منابر الأخير هي ذاتها التي يعتليها طرفا المعادلة الآخرين المعروفين بتوجهاتهما ومصادر تمويلهما، التي لم يعد خافيا على أحد مآلات مشروعهما الأخيرة ومدى سيطرتها على المشهد الاعلامي العربي .هذا من ناحية الأدوات، أما من ناحية الخطاب، فإنه من البديهي أن تتناغم الأقلام النافذة في وسائل الاعلام مع توجهات ومشروع القائمين عليها، أو لنقل أن هذه المنابر الاعلامية لا تسمح، بحكم طبيعة القائمين عليها، بعبور اقلام الفريق الثالث إليها، إلا عند تقاطع الخطابين في لحظة سياسية بعينها مثلما تقاطع خطاب الحرب ضد ما يسمى بالارهاب ومفرداته من جماعات ما يسمى الاسلام السياسي مع خطاب مجموعة من المثقفين الليبراليين المعادين بطبيعتهم لخطاب تلك الجماعات، فكيف يمكن فهم آلية التركيز على هذا ‘ الخطر الداهم’ دون غيره من الأخطار الحقيقية البادية للعيان، التي تعاني منها المجتمعات العربية على غير صعيد وفي أكثر من مطرح؟ وهل يضمن أي مثقف يتطرق لهذا الأخطار ألا يجد قرار وقف نشر مقالاته في هذه المؤسسات الاعلامية صباح اليوم التالي على مكتبه أو في رسالة ألكترونية لا يتجاوز عدد كلماتها عدد اصابع اليد الواحدة.استحالة الفصل بين ما ينشر ورضا المؤسسة الناشرة عليه باتت من المسلمات التي لا حاجة لتجيد النقاش حولها حتى لو كانت مقرات مطابخ النشر بعيدة يلفها ضباب لندن أو تجعلها أضواء باريس براقة. لا يظهر عيب اصحاب الأقلام ‘النظيفة’ في حالة التماهي هذه فقط، بل يمتد إلى ممارسة لطالما اأخذت الأقلام عينها على مراكز صنع القرار في العالم اعتمادها في جميع القضايا العربية المطروحة على طاولتها، والتي تقوم على مبدأ الكيل بمكيالين أو أكثر، عين ساهرة على مسألة هنا وأخرى مغمضة على قضية هناك، لا لاختلاف الفحوى بقدر تعلق الأمر بالأداة، فهل من شأن الأداة تغيير الفحوى وبالتالي تغيير طريقة التعاطي مع هذه القضية او تلك؟ ألا يعلم اصحاب هذه الأقلام أعداد القضايا المسكوت عنها ومدى خطورتها؟ وأنهم ، بسكوتهم هذا، يفاقمون المشاكل التي تعصف بالمجتمعات العربية وبمواطنيه، الذين ضاقوا ذرعا بتحليلات باتت تشكل جزءا لا يتجزأ من منظومة الاعلام الرسمية العربية في حال سمتها التكامل وعنوانها تبادل الخدمات والمنافع بعد أن اصبحت كبريات وسائل الاعلام العربية ملاذا آمنا في عيون نخبة لا يستهان بها من المثقفين والاعلاميين يؤمن لهم ولعائلاتهم مستوى معين من الحياة يتحول مع مرور الوقت إلى مكتسب تلفه القداسة.مثلث إعلامي متساوي الأضلاع بزوايا متماثلة تكلس بها الخطاب الاعلامي العربي ليس عبر فلاتر الرقيب وإنما من خلال وضع عدد لا يحصى من المحاذير ذاتيىة الآلية في رأس سلم أوليات العمل الاعلامي، بحيث أصبحت المهارات الاعلامية تقاس بمدى إدراك تلك المحاذير ودرجة الاحتراف في التقاطها وأخذها في الاعتبار وجعلها بوصلة العمل الاعلامي، ممارسة تتلاشى معها أصوات حقيقية سرعان ما تجد نفسها أمام جدار سميك تتكسر على حفافه الحقيقة وتغيب في ظلاله سمة السلطة الرابعة لصالح بقية السلطات، ما ينزع صفة المثقف عن صورة الاعلامي ويدخله، كما يرى إدوارد سعيد في مؤلفه ‘ المثقف والسلطة’، في دائرة خطر التحول إلى أحد المهنيين وحسب، بينما يتعين عليه أن ‘ينهض بدور محدد في الحياة العامة في مجتمعه ولا يمكن اختزال صورته بحيث تصبح صورة مهني مجهول الهوية’ عاجز عن طرح الأسئلة المحرجة. لكن المسألة لا تتوقف عند تخلي الاعلامي أو المثقف عن لعب الدور المناط به في المجتمع فحسب، بل إن الطامة الكبرى تكمن في أنه بتخليه هذا، فإنه بالضرورة يلعب ضمن الفريق المقابل وربما يتمكن من تسجيل أهداف في مرمى المجتمع الذي يدعي تمثيله وربما من هنا أتتت أهمية هذا الدور أو خطورته في منح الشرعية لخطاب المؤسسة الرسمية المهيمنة كما تشير الوقائع على الأرض والتي تشي بأن هناك أسماء مؤسسات صحافية عربية قد لمع نجمها وتربعت على عرش العمل الاعلامي العربي بأشكاله المرئية والمسموعة والمطبوعة لا لشيء إلا لأن جل الأقلام التي تتمتع بدرجة عالية من المهنية والاحتراف قد آثرت الحياة الكريمة على لعب دورها السليم في كشف الحقيقة وتسليط الضوء على مكامن الخلل الحقيقية في المجتماعت العربية وضبط تراتبية سلم الاهتمامات التي من شأنها الا تعرقل مسيرة الاصلاح والتغيير وألا تسمح بسرقة ثمار الهبوب الشعبي العارم في المنطقة. كم من المقالات والموضوعات التي تنشر يوميا في مختلف وسائل الاعلام العربية وكم منها يتمتع بالقدرة على أن يبقى عالقا في الذاكرة الجمعية رغم أن الكثير من كتابها يعمدون، في هذه الأيام، إلى جمعها في كتب يبدو أنها لا تؤرخ إلا لمسيرة كل منهم الشخصية وتبقى حبيسة رفوف مكتباتهم الخاصة على خلاف مقالات كتبها ، على سبيل المثال،هرمان هسه وجمعت في كتاب بعنوان’ إذا ما استمرت الحرب’،ترجمة أسامة منزلجي وصادر عن دار نينوى، شق طريقه إلى رفوف ملايين القراء حول العالم، لأنه شكل شهادة انسانية على ويلات الحب والحرب والسلام. أخيرا، إذا كان هرمان هيسه وإدوارد سعيد وأمثالهما من المثقفين قد حرصا على النأي بكتاباتهم عن الشأن السياسي المباشر والغوص في عوالم الانسان الفرد بعيدا عن الدوافع والأشكال السياسية الضسية والمباشرة، فبأي ضمير يواجه المثقف العربي حالة التهافت على الانتقائية التي يعتقد أنه يمارس من خلالها واجبه الانساني.كاتب فلسطيني