مالك التريكي
الشعار الذي يستخدمه دعاة التغذية السليمة يقول: ‘أنت ما تأكل’، أو ‘لست سوى ما تأكل’. بالمثل تطالعنا بعض المجلات والمطبوعات الثقافية بشعار يقول: ‘أنت ما تقرأ’، أو ‘لست سوى ما تقرأ’. كما أن هناك موقعا على الإنترنت لتبادل المعلومات والتعليقات حول الكتب اسمه ‘أنت ما تقرأ’. مبالغة مقصودة. نصيحة وجودية مفتوحة على عوالم الإمكان. هذا هو الوجه الأول من المقولة. أما الوجه الآخر، فهو أن القراءة يمكن، في بعض الحالات، أن تكون مفتاحا من مفاتيح الشخصية.
وقد تبين لي هذا بمنتهى الوضوح عقب وفاة ميتران أوائل عام 1996. إذ كان معظم ما نشرته الصحافة الفرنسية آنذاك من شهادات من عرفوه من الساسة والمثقفين مشيدا بدهائه السياسي وبثقافته الأدبية الواسعة. إلا أن الشهادة التي شدت انتباهي هي التي أدلى بها رئيس الوزراء السابق ميشال روكار، وهو سياسي قدير كان يحظى بشعبية في أوساط اليسار في السبعينيات والثمانينيات. حيث قال روكار إن مكتبة ميتران الشخصية كانت تزخر بكل أنواع المراجع والمؤلفات في التاريخ والقانون والأدب. لكن الأمر الذي لاحظه هذا السياسي المثقف، الذي كان والده عالم فيزياء، هو أنه لم يجد يوما في مكتبة ميتران ولو كتابا وحيدا في الاقتصاد أو الدراسات السكانية أو الاجتماعية. وقد عدّ روكار ذلك أبلغ دليل على أن ميتران إنما كان يأتي السياسة مأتى المكر والمكيافيلية.
لكن فقدي نص هذه الشهادة أبقاني غير متأكد من صحة ما علق بالذاكرة. غير أن الكتاب الذي صدر أخيرا في باريس عن ‘العنف في السياسة: من ميتران إلى ساركوزي’ قد أكد أن هذا بالضبط هو موقف روكار من ميتران: الاستدلال على شخصيته السياسية بنوعية تكوينه الثقافي. حيث ينقل عنه المؤلفان رونو ديلي وهنري فرني القول إن الاعتقاد الشائع بأنه كانت بينه وبين ميتران كراهية هو اعتقاد خاطىء. ‘لنقل إننا كنا نحمل تصورين سياسيين متغايرين تماما. فقد كان ميتران على معرفة واسعة بالتاريخ والقانون: ولهذا لم يكن يلجأ إلا إلى أحد خيارين، إما القوة أو الحيلة. أما أنا فقد كنت أؤمن بالتفاوض والتعاقد’. وكان روكار قد اتهم ميتران بأنه ‘قاتل’ بسبب دوره في قمع الثورة الجزائرية عندما كان وزيرا للداخلية ثم وزيرا للعدل من عام 1955 حتى 1957. وهذا أمر لم يعد يرقى إليه الشك بعد الحقائق التي أوردها المؤرخ بنيامين ستورا والكاتب فرانسوا مالي قبل عام في كتاب، مشفوع ببرنامج وثائقي بثته قناة فرانس 2، بعنوان ‘ميتران وحرب الجزائر’. ولهذا نقل الصحافيان عن روكار القول ‘لقد كتبت إبان حرب الجزائر أن ميتران قاتل. ولم أغير رأيي’. وبعد أن عدد روكار منجزاته السياسية، التي تشمل إنشاء تيار يساري نافذ يمكن تشبيهه بتيار الديمقراطية الاشتراكية في أوروبا الشمالية، قال: ‘لقد كان عملي، في الواقع، ذا طبيعة رئاسية تقريبا’. ثم ختم بالقول: ‘في حقيقة الأمر، لم يكن عندي رغبة في القتل…’. أي أن القتل السياسي هو طبيعة ثانية ملازمة لصاحب السلطة أو عاشقها. ولهذا يقول المؤلفان عن ساركوزي إنه قد خلف عددا لا يحصى من الجثث في صفوف حكومته وحزبه وإدارته، وإن هذا سيكون من أسباب هزيمته شبه المؤكدة في انتخابات العام المقبل. لا نعرف ماذا تقرأ القلة من الحكام العرب القادرة على القراءة. لكن المعروف أن صدام حسين، مثلا، قرأ كثيرا عن سيرة جوزيف ستالين. كما أن القذافي كان يطالع على نحو ما. ويروي كاتب عربي أن القذافي وجه له دعوة لزيارته في ليبيا مطلع السبعينيات، فوجد أنه قرأ أحد كتبه بالفعل، بل إنه ملأ حواشي بعض الصفحات بالملاحظات… إذن ليست القراءة، في حد ذاتها، ميزة بالضرورة. لكن التكوين الثقافي (أو انعدامه) يمكن أن يكون في بعض الحالات مدخلا لشخصية السياسي. ولهذا فقد اتخذت المعارضة الفرنسية هذا المدخل منفذا لتسجيل هدف في مرمى ساركوزي عندما ساءلت وزير التعليم العام الماضي بشأن ‘سوقية’ عبارات فخامة الرئيس وكثرة سقطاته اللغوية. بل إنها طالبت الوزير باتخاذ ‘الإجراءات اللازمة لتمكين الرئيس’ من الكلام بما يناسب المقام. أما التفصيل الجليل، البالغ منتهى ‘العنف في السياسة’، فهو أنها لم تر أن الأمر يستحق إزعاج وزير الثقافة. لهذا اكتفت بمساءلة وزير التعليم والإرشاد والمعارف!