الدوحة- “القدس العربي”- إسماعيل طلاي: على الرغم من مرور 6 أشهر فقط، على افتتاح أبوابها أمام الجمهور، شهر تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، تمضي مكتبة قطر الوطنية في تحقيق أرقام قياسية في عالم الكتاب والقراءة، بدءاً من تحقيق رقم مليون كتاب على رفوفها، وصولا إلى نجاح القائمين على الصرح العلمي والثقافي الأبرز في الدول العربية، في رقمنة مليون ونصف صفحة، باتت متاحة للقراء عبر فضاء الانترنيت.
باتت مكتبة قطر الوطنية في دولة قطر محط اهتمام وكتابات المثقفين ودور البحث والنشر عبر العالم، وحتى السياسيين الذين أشادوا بهذا المكسب الثقافي للقراءة في قطر والعالم بأسره، والذي استقطب خلال الأشهر الأولى أكثر من 161 ألف زائر، وأكثر من 51 ألف عضو جديد، وتجاوز عدد الكتب المستعارة 300 ألف كتاب، منها 185 ألفا و536 كتاباً من مجموعة الأطفال واليافعين و115 ألفاً و 278 كتاباً من المجموعة الرئيسية، مما مكنها أن تصبح خلال الأشهر الستة الماضية مقصدا لجميع أفراد المجتمع.
وإلى جانب العدد القياسي للكتب المتوفرة على رفوف المكتبة، أعلنت مكتبة قطر الوطنية عن تحقيق تحدً جديد، بعد نجاحها في رقمنة مليون ونصف ورقة كتاب، باتت متوفرة عبر الفضاء الالكتروني للباحثين.
ولتثمين الإنجاز المحقق، وقعت الشيخة هند بنت حمد آل ثاني، نائب رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لمؤسسة قطر، ورولي كيتينغ، الرئيس التنفيذي للمكتبة البريطانية، اتفاقية تمديد الشراكة بينهما، الأربعاء، بمكتبة قطر الوطنية.

وستبدأ المرحلة الثالثة من الشراكة في يناير 2019، لمواصلة رقمنة وثائق المكتبة البريطانية وسجلاتها التاريخية المهمة حول منطقة الخليج.
ويُعدّ مشروع الشراكة بين مكتبة قطر الوطنية والمكتبة البريطانية، الذي بدأ في عام 2012 ، من أكبر مشاريع الرقمنة في المنطقة. وأثمرت مرحلتاه الأوليان عن رقمنة مليون ونصف مليون صفحة متاحة الآن للجميع عبر الإنترنت، من خلال بوابة مكتبة قطر الرقمية (www.QDL.qa)، التي باتت منذ إطلاقها في تشرين الأول/ أكتوبر 2014 أرشيفًا رقميًا إلكترونيًا مجانيًا زاره حتى الآن أكثر من مليون مستخدم.
وتشهد المرحلة الثالثة رقمنة 900 ألف صفحة جديدة من الوثائق والسجلات حول تاريخ منطقة الخليج، بالإضافة إلى مخطوطات المؤلفات العربية في مجال العلوم والطب والهندسة والفلك.
وستتضمن المواد الجديدة المرقمنة حول منطقة الخليج مقاطع موسيقية وخرائط وسجلات للسفن وتقارير وخطابات ومراسلات وأوراقاً خاصة ومطبوعات تاريخية.

وقال الدكتور ستيوارت هاميلتون، نائب المدير التنفيذي لشؤون العلاقات الدولية والاتصال في مكتبة قطر الوطنية: “أغلب التقارير والخطابات والوثائق التي اختيرت للمرحلة الثالثة هي محتوى جديد تمامًا على الباحثين حيث لم تكن مفهرسة، ولم تُنشر من قبل. ستسلط هذه الوثائق، التي تمثل جُلَّ المرحلة الثالثة، ضوءًا جديدًا على تاريخ قطر والخليج. ونعتقد أن الجمهور سينجذب لسجلات سفن شركة الهند الشرقية خلال الفترة من القرن السابع عشر حتى منتصف القرن التاسع عشر، بعد تحويلها إلى خرائط رقمية تمكّن المشاهدين من متابعة رحلة كل سفينة، والتعرف على الزيادة المطردة في عدد عمليات الشحن بين الخليج والهند وبريطانيا، منذ اللحظات الأولى لاندماج منطقة الخليج في الاقتصاد العالمي”.
وعن أهمية الاتفاقية الموقعة، قالت الدكتورة سهير وسطاوي، المدير التنفيذي لمكتبة قطر الوطنية: “أسفرت الشراكة مع المكتبة البريطانية عن النشر الإلكتروني لواحدة من أكبر المجموعات من السجلات التاريخية حول الشرق الأوسط. لقد كانت مكتبة قطر الرقمية مرجعًا ضخمًا ومفيدًا للباحثين في تاريخ الخليج والعلوم العربية.
وستتيح المرحلة الثالثة من مشروع الرقمنة، بالشراكة مع المكتبة البريطانية، للعلماء والأكاديميين والمتخصصين حول العالم الاطلاع على مواد ووثائق تاريخية من المؤكد أنها ستثري الدراسات الحالية والجديدة حول تاريخ المنطقة”.
من جانبه، صرح رولي كيتينغ، الرئيس التنفيذي للمكتبة البريطانية، قائلًا: “تمكنت المكتبة البريطانية، بفضل التعاون مع مكتبة قطر الوطنية، من رقمنة مجموعاتها المتعلقة بتاريخ الخليج والعلوم العربية، وإتاحتها لملايين المستخدمين حول العالم، الأمر الذي سيفتح مجالات جديدة من البحوث والإبداع، ويُحدث ثورة في إمكانية الوصول لهذه المجموعات الثرية بالمعلومات التاريخية”.

إطلاق نادي الكتاب المكفوفين
وحرصا منها على تقديم خدماتها لكافة شرائح المجتمع، ولا سيّما فئة ذوي الاحتياجات الخاصة. فقد أشادت مكتبة قطر الوطنية بقرار الأمانة العامة لمجلس الوزراء القطري بشأن الموافقة على الانضمام إلى معاهدة مراكش، التي تسمح بمنح استثناءات تتعلق بحقوق التأليف والنشر لتيسير عملية إتاحة الكتب وغيرها من المصنفات المحمية بحقوق التأليف والنشر للمكفوفين وضعاف البصر، أو من لديهم مشاكل صحية أخرى تمنعهم من قراءة النصوص المطبوعة.
وتتميز معاهدة مراكش، التي اعتمدتها 35 دولة في عام 2013، بأنها جزء من مجموعة الاتفاقيات الدولية لحقوق التأليف والنسخ والنشر، التي تديرها المنظمة العالمية للملكية الفكرية، حيث أن لها بُعد إنساني واضح يرمي إلى تنمية المجتمع.
ويأتي قرار مجلس الوزراء القطري، موازاة مع إطلاق مكتبة قطر الوطنية نادي الكتاب للمكفوفين، وهو مشروع يهدف إلى تقديم فرص متكافئة تتيح للمكفوفين القدرة على التواصل الاجتماعي، والاستفادة من خدمات المكتبة وموادها ومصادرها المعلوماتية، بما يلبي احتياجاتهم المعرفية، ويساعد على تعزيز الصلة مع الكتب كوسيلة للتواصل، وتشجيعهم على التعبير عن أنفسهم، وممارسة حقهم الإنساني في القراءة والتعلم.
وتحتوي المجموعة الرئيسية في مكتبة قطر الوطنية على مواد أنتجت خصيصًا لذوي الاحتياجات الخاصة مثل الكتب المطبوعة بأحجام كبيرة، كما تتعاون المكتبة مع مركز مدى للتكنولوجيا المساعدة من أجل توفير البرمجيات والمعدات والأجهزة للمستفيدين في المكتبة، ممن يعانون من صعوبات في الرؤية أو القراءة، مثل أقلام المسح الضوئي المزودة بسماعات تكبير لقراءة النصوص المطبوعة وأجهزة تكبير النصوص.

افتتاح المعرض الأول للمكتبة التراثية
إلى ذلك، افتتحت مكتبة قطر الوطنية، المعرض الأول للمكتبة التراثية الذي يقدم للجمهور مجموعة واسعة من المقتنيات، التي توضح انتشار الأفكار والعلوم والمعرفة خلال العصور المختلفة من التاريخ الإسلامي، وتوثق التفاعل بين الشرق والغرب على مر القرون.
ويحتوي المعرض على كُتب ومخطوطات تراثية وصور قديمة وخرائط تاريخية ومجسمات للكرة الأرضية، وكتابات للرحالة الذين زاروا المنطقة، وغيرها من المواد التي تحكي نبذة عن تاريخ دولة قطر في العالم العربي والإسلامي.
وينقسم المعرض إلى 12 قسمًا من الموضوعات المتداخلة التي تتناول تاريخ قطر، والعلوم، والآداب، ومكانة المرأة، والرحالة، والأديان في العالم العربي.
ومن أبرز مقتنيات المعرض أقدم خريطة مطبوعة تذكر اسم قطر، وقد طبعت في عام 1478 وتعتمد على خريطة وضعها بطليموس في القرن الثاني الميلادي؛ ونسخ عديدة من قصص وحكايات ألف ليلة وليلة بلغات مختلفة، وصفحات من القرآن الأزرق، وهو من أشهر النماذج الأولى للمخطوطات العربية والإسلامية.
وقالت عائشة الأنصاري رئيس قسم المجموعة التراثية: “يوظف معرض المكتبة التراثية الأول مجموعة كبيرة من المواد التاريخية التي تبرز المكانة العالمية للثقافة والتراث في قطر ومنطقة الخليج من منظور عالمي. ويصطحب المعرض الزائرين في رحلة عبر القرون والثقافات للاطلاع على مراحل التاريخ العربي وتفاعله مع الغرب، والتعرف على تطور الأفكار ونشأة المذاهب الفلسفية والنظريات العلمية”.
وكانت مكتبة قطر الوطنية افتتحت المعرض القطري الألماني “حكايات عربية وألمانية – ثقافة عابرة للحدود” الذي يتتبع تاريخ الحكايات والقصص الشعبية العربية والألمانية، والتأثير المتبادل بينهما، كما يُوثق المعرض الثراء الذي يحفل به عالم الحكايات القطرية المحلية، والذي لم يأخذ حقه من التناول والدراسة.
ويقدم المعرض لأول مرة مجموعة من روائع الأعمال الأدبية النادرة القديم منها والحديث، من ضمنها حكايات “ألف ليلة وليلة”، وقصص الأخوين “غريم” الخيالية، وحكايات من الحضارة الفرعونية القديمة التي ترجع لعام 1900 قبل الميلاد.
ويقام المعرض بالتعاون بين مكتبة قطر الوطنية، والسفارة الألمانية في الدوحة، ومجموعة المتحف المصري والبرديات بمتحف الدولة في برلين، وأكاديمية الشباب العربي الألماني للعلوم والإنسانيات.
