مكتب الجزيرة في القاهرة وشبح الإغلاق الذي يحوم حوله

حجم الخط
0

مكتب الجزيرة في القاهرة وشبح الإغلاق الذي يحوم حوله

محمد عبدالحكم ديابمكتب الجزيرة في القاهرة وشبح الإغلاق الذي يحوم حولهتعارف البعض علي أن قناة الجزيرة أقامت علاقتها مع القاهرة الرسمية، إلي ما قبل اعتقال مدير مكتبها حسين عبد الغني، علي مبدأ شبيه بمبدأ معاوية بن أبي سفيان في تعامله مع رعيته، ولخصه في قوله الشهير: لو كان بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت، إذا شدوها أرخيت، وإذا أرخوها شددت ، ويبدو أنها كانت تتصور أنه مبدأ يصلح مع حالة حكم مستسلمة بالكامل لقوي انعزالية هيمنت واستولت علي البلد بما فيه.. وكان سلاحها، وما زال، شيفونية مقيتة، واستكبارا لعينا، وتعاليا جهولا، علي خلق الله من العرب، الأشقاء وأبناء العمومة والجيرة.. تمارس ذلك وهي تتبع واشنطن ولندن وتل أبيب، وتتسابق إلي خدمتهم، وكان أن اشتد نكالها بشعبها وأمتها. وأوردها هذا مورد التهلكة، وأوصلها إلي ما هي فيه من حصار وعزلة وسقوط، ولأن حالة الحكم تدنت إلي ما دون الانحطاط، ودخلت مرحلة الموت، فإن هذه القوي، وهي تشهد ما آل إليه حكم راهنت عليه. تجد أن بديلا له غير متوفر بين صفوفها. وحتي رهانها علي بديل يأتي مفروضا من الخارج أصبح متعسرا، مما زاد موقفها تعقيدا وأزماتها تفاقما، فرعاة البديل الخارجي وجدوا سادتهم متورطين في وحل فلسطين، أو غارقين في مستنقع العراق، أو أسري رمال أفغانستان المتحركة.. لا يستطيعون انتشال أحد، وهم أنفسهم في حاجة إلي من ينتشلهم.و حالة حكم مصر، التي أفقدت هذا البلد العريق دوره وفعاليته وقوته، تظهر وكأنها كمن يستجير من الرمضاء بالنار ، بأن صنعت كل ما جعل كل ما حولها ينهار ويترنح، وهو ما أصاب الطامحين والطامعين في الوراثة بالجنون، بعد أن سيطر عليهم الفزع وهم يشاهدون الإجماع الشعبي علي رفضها ومقاومة أطماعها، وحين يرتبط الجنون بالفزع، تكثر الضربات العشوائية، التي تطال الجميع، في كل اتجاه، وعلي جميع الجبهات في وقت واحد، ولا يبقي من القوة إلا مظهرها الغاشم، الذي يُذهب العقول، ويدفع بقايا العقلاء، إن كان قد بقي منهم أحد، إلي الفرار من مواقع المسؤولية. وأخطر ما يواجه عائلة مبارك هو جنون الفزع ، الذي يجعل سقوطها مدويا. فالمفزوع يغدو كالأعمي، يوجه ضرباته إلي نفسه، وهو يتصور أنه يسددها إلي خصمه وعدوه، وعندما يكون العدو بحجم شعب تكون الطامة كبري.هذا هو السياق الذي نري من خلاله ما حدث مع قناة الجزيرة ومدير مكتبها في القاهرة، فما حدث يبين أن المصابين بجنون الفزع صاروا بلا غطاء يستر العورة أو يواري سوءة نظام مات وتفوح منه رائحة العفن. وهذا حصيلة طبيعية للنهج الذي اتبعوه مع أجهزة الإعلام والصحافة داخل مصر. وقام علي قاعدة قولوا واكتبوا ما تشاؤون ونحن نفعل ما نريد !!. ولم يتحسبوا للحظة يتحول فيها نوع القول، ولا يستمر من ذلك الذي ليس عليه جمرك ، كما يقول المثل اللبناني، أو لحظة توقف الكتابة من أن تكون نقشا علي الماء بلا أثر، فتحفر لنفسها مجري عميقا في صدور المستضعفين وأفئدتهم وعقولهم.. والقول تحول إلي فعل غطي مصر من أقصاها إلي أقصاها، والكتابة صارت مشاعل اهتدي بها شعب تصوروه راضخا مذعنا، وكان في حقيقته يبحث عن طريق ومخرج، ووجد ضالته في الفعل الإيجابي. وكان رد فعل شياطين السافاك المصري، مزيدا من السياط تلهب الظهور، التي تحملت الكثير، وتحولت إلي جسور للعبور إلي الكرامة والحرية، ووفرة القيود التي تكسرت علي صخرة الإرادة وقوة العزم، وبهما واجهوا ترسانة الحديد والنار لجلادين يحاربون معركتهم الأخيرة، وجحافل بلطجية خائفين من المصير المجهول، عندما تسقط العائلة أو ترحل أو تهرب. كانت ذروة السقوط مجسدة في ذلك المشهد السادي وضباط الأمن يسحلون قاضيا لأنه تجرأ والتقط صورا للتوحش الأمني بهاتفه المحمول، وكان ذلك علي مرأي ومسمع وكالات الأنباء ومراسلي الصحف والفضائيات العربية والأجنبية. ورغم شعرة معاوية التي ربطت قناة الجزيرة بـ عائلة مبارك ، طوال السنوات العشر الماضية، وهي عمر القناة ذاتها، رغم ذلك مرت العلاقة بفترات توتر مكتوم، أفصح عن نفسه أحيانا بشكل أو بآخر. وفي وقت انحني فيه عدد من القادة العرب أمام العاصفة الإعلامية التي هبت مع بث الجزيرة ، فنجد معمر القذافي سعي إلي عرض آرائه وأفكاره علي شاشتها بامتنان، والعربية السعودية، وهي التي تعتبر نجاح الجزيرة جاء خصما من رصيدها، وعلي حساب دورها، وهز من صورتها، وقد وصل التوتر بين السعودية ودولة قطر حد القطيعة بسبب الجزيرة ولا غيرها. ومع ذلك رأت في المنافسة حلا، فأنشأت قناة موازية، كسلاح لها في المواجهات الإعلامية. وحتي الإدارة الأمريكية، شديدة العداء للجزيرة، بنفس المنطق، أطلقت قناة الحرة للدفاع عن وجهة النظر الرسمية الأمريكية. وحتي البلدان التي لم تر في الجزيرة خطرا، ولم تكن علي خصومة معها دخلت مضمار المنافسة كذلك، منها من نجح ومنها من يحاول، هكذا رأينا فضائيات أبو ظبي ودبي، وبعض فضائيات لبنان، إلا إعلام الريادة المصري، استمرمعاندا راكبا رأسه، ولولا المسلسلات ما وجد التليفزيون المصري من يشاهده!!.والعيب لا يعود لفقر في الكفاءات، أو لقلة في الكم والنوع، ولا لندرة في المواهب والقدرات، ولا لشح في الموارد أو الإمكانيات، إنما يعود إلي النظام العائلي الذي يعتمد في استمراره علي تغييب العقل، ونشر الجهالة، ومصادرة الخيال، لهذا لم يتحمل بث برنامج رئيس التحرير من التليفزيون الحكومي أو الخاص، للإعلامي اللامع حمدي قنديل وعندما يصل به الجنون إلي أن يري في نفسه القدرة علي حجب كاتب بقامة محمد حسنين هيكل، ينتهي الأمر بأن يبقي حمدي قنديل لامعا، ويزداد هيكل تألقا وشموخا. ويعكس قول حسني مبارك، أثناء زيارته الخاطفة لقطر، من سنوات، وهو يصف الجزيرة : هي دي علبة الكبريت إللي قالبة الدنيا !!. مستوي نظرته القاصرة لدور الإعلام والصحافة، وتعكس ما تعلمه من السادات، صاحب المدرسة التي تربط بين نجومية الصحافي أو الكاتب والعمل في بلاط الحكم. وبين مستواه وعائد ما يكسب من وظيفته التي يشغلها بين المداحين وحملة المباخر. وحين زار ميتران، الرئيس الفرنسي الراحل مصر، سأل عن هيكل، فرد السادات بأنه عزله.. بمعني أن العزل أفقده قيمته ووزنه. وتفشي هذا الفهم، وتجاوز الحدود، في عهد حسني مبارك، وأدي إلي ظهور جيل من الكتبة المخبرين ، الذين استعاضوا عن القلم بالسوط والعصا والرصاصة، وعن الفكرة والرأي بتوجيه التهم الجاهزة والقضايا الملفقة، وانتشر هؤلاء كالجراد في الصحف القومية والقنوات الحكومية، وأضحي الإعلام المصري رهين محبسي التفسير الأمني للأحداث، والتأويل العدواني للنوايا، فاضطلع رجال امن ولواءات الداخلية بالتحليل السياسي وفحص الرأي، ومن بين هؤلاء لواء شرطة وجه تهمة الخيانة إلي حسين عبد الغني، علي الهواء مباشرة، في فضائية مصرية خاصة، أثناء تحليله وعرض رأيه!!ورغم هذه الملابسات كثيرا ما استجابت الجزيرة للضغوط الرسمية المصرية، ففي فترة التوتر والحراك التي سبقت وصاحبت تعديل المادة 76 من الدستور العام الماضي. ذهب أسامة الباز، يحمل ما يشبه الإنذار من حسني مبارك، في 29 أيار (مايو) 2005، والتقي في الدوحة بأمير قطر وعدد من المسؤولين.. في محاولة لـ إقناعهم بمراعاة الظرف السياسي الدقيق الذي تمر به مصر، وبألا تتدخل الجزيرة في الأحداث الدائرة، ولو بمجرد المتابعة وفتح قنوات التعبير أمام المعارضين، خاصة من حركة كفاية ، وفي حضور المسئولين القطريين شن الباز هجوما علي حركة كفاية وقال إنها تضر بالمجتمع المصري. وحصل علي وعود بالتدقيق في كل ما يتعلق بالشأن المصري .. وتقلصت مساحة البث الخاصة بمصر، وتوقفت الجزيرة عن دعوة عبد الباري عطوان لإبداء الرأي في أي شأن مصري!!. واحتفظت له بحقه في التعليق وإبداء الرأي في أي شأن آخر. إلا أن هذه الهدنة انتهت ببث برنامج مع هيكل ، ونال مدير مكتبها بالقاهرة نصيبه من الاتهام بأنه ضالع في اقتراف هذا الفعل. بالإضافة إلي أن الجزيرة بثت، مؤخرا، مقاطع من قصيدة جديدة للشاعر أحمد فؤاد نجم عنوانها يا عريسنا ، كتبها بمناسبة خطبة جمال مبارك، تأهيلا له لوراثة منصب الوالد، في أحد برامجها!! والدفاع عن الجزيرة هو دفاع عن حق من حقوق الإنسان وهو حق المعرفة ، ومع ذلك فرغم تفوقها واتساع تأثيرها فهناك أوجه نقد يتمثل بعضها في ذلك التباين في الموقف السياسي الرسمي للدولة القطرية، فهي من ناحية ترعي قناة تحملها ما فوق طاقتها، خاصة فيما يتعلق باستقرار علاقتها الإقليمية والدولية، ومن ناحية أخري تسمح بوجود قيادة القوات العسكرية الأمريكية علي أراضيها!! بجانب أن ما يقال عن شرط تعاملها مع المراسلين ومقدمي البرامج المصريين، يبدو فكاهيا، وضرورة تعطيش الجيم أصبحت مضحكة، وكأن الجيم غير المعطشة قاصرة علي اللهجات المصرية، وهي في صلب لهجات قبائل في الجزيرة العربية واليمن، ولا يستطيع أحد أن يشكك في الأصول العربية لها، أو في عدم سلامة لغتها. فـ الجزيرة بهذا الشرط تجعل المصريين العاملين فيها يبدون أقرب إلي الممثلين، في الأدوار التاريخية التقليدية، ويظهرهم علي غير طبيعتهم، ويحد من غني وثراء التنوع اللغوي المتاح بسبب تعدد ألوان النطق للعاملين فيها، والذي يعكس تنوع أقطارهم وبلدانهم وبيئاتهم، وإذا ما كان هذا صحيحا فإن هذا الشرط يمد، دون أن تدري الجزيرة ، في الجسد الانعزالي، الذي يرعاه حسني مبارك و مواليه بالماء والزاد، ويؤدي إلي إنجاح مخططه في تصوير الأشقاء العرب بأنهم يرفضون سماع اللغة العربية بلسان ومذاق مصري، محبب لدي قطاعات واسعة، ويضربون بـ الجزيرة نموذجا، وهذا غير صحيح، لكن فيه تعسف إذا ما رفع سوف يعلي من شأن الجزيرة ولا يقلل منه.9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية