مكتبة الأسرة تصدر طبعة جديدة من كتاب ‘فجر التصوير المصري الحديث’: تأكيد على ريادة فن الصورة منذ العصر الفرعوني

حجم الخط
0

مكتبة الأسرة تصدر طبعة جديدة من كتاب ‘فجر التصوير المصري الحديث’: تأكيد على ريادة فن الصورة منذ العصر الفرعوني القاهرة ـ ‘القدس العربي’ ـ من محمود قرني: عن مطبوعات مشروع مكتبة الاسرة صدر للناقد والتشكيلي والكاتب عز الدين نجيب كتابه فجر التصوير المصري الحديث. يبدأ الكاتب من الاحتلال العثماني للوطن العربي الذي بدأ عام 1517م علي يد سليم الاول ويراه السبب المباشر في اقتلاع صفوة الفنانين والعلماء والبنائين والصناع المهرة طيلة خمسة قرون ونقلهم الى اسطنبول كغنائم الحرب بعد تحطيم دولة المماليك. وينقل عن ابن اياس انه بسبب ذلك نقل من مصر نحو خمسين صنعة، حيث تدهورت فنون النسيج والتطريز ونقوش النحاس وخرط الخشب للمشربيات والمنابر وزخارف الرخام الملون والخط العربي وزجاج النوافذ المعشق بالجص والمشكاوات والميناء والفسيفساء والفخار وفنون النحت الزخرفي وتزويق المخطوطات، كما اختفى فن التصوير الجداري الذي عرف في العصر المملوكي، من نوع ذلك التصوير الذي كان يزين جدران بيمارستان كلاوون بمناظر الصيد والرقص ومجالس الطرب والموسيقى ومشاهد مما يحيط بالفنان من مرئيات تجيش بحرارة الحياة.

أما ما يسميه عز الدين نجيب بعصر الدهشة فيبدأ مع الحملة الفرنسية على مصر عام 1798 حيث بدأ عصر جديد من التصوير والفن فتفتحت مسام العقل المصري باكتشاف العالم المحيط لا سيما وان الحملة كانت تضم نخبة من الفنانين الكبار مثل مونغ، لافوازيه، دينوي، ديترتر، وميشيل راغو.

ويرى نجيب ان من المؤشرات المهمة ايضا كتاب رفاعة رافع الطهطاوي ‘تخليص الابريز في تلخيص باريز’ كذلك قيامه بانشاء مدرسة الالسن. ثم صعود جيل التنوير وقادة الاصلاح مثل قاسم امين واحمد لطفي السيد وطه حسين ومحمد عبده وجمال الدين الافغاني.

ويرصد نجيب ان عام 1891 يحمل دلالة تاريخية هامة في تاريخ الحركة الفنية في مصر حيث شهد ميلاد رائدين من رواد الفن في مصر الحديثة هما محمود مختار ويوسف كامل واقامة اول معرض واول صالون للفن افتتحه في الاوبرا الخديوي اسماعيل والامراء والأعيان، وانشئت اول مدرسة للفنون في 12 ايار (مايو) 1908 وكان اول المتقدمين لها هو محمود مختار، وكذلك معظم الكبار الذين شكلوا فيما بعد اعمدة الحركة الفنية، وظل الامير يوسف كمال يتحمل نفقات المدرسة حتى تحولت الى مدرسة عليا حيث اوقف عليها عشرة آلاف جنيه ذهبا لبنائها بعد وفاته، وعمارة كبيرة في شارع توفيق بالاسكندرية واراض زراعية بسمالوط قيمتها تقارب ستين الف جنيه في ذلك الوقت.

بعد ذلك سافر محمود مختار الى اوروبا وحصل تمثاله نهضة مصر على اكبر ميدالية ذهبية، وهو ما شجع كثيرين غيره للسفر مثلما فعل احمد صبري الذي تخرج بعده بأربع سنوات الذي اشترى بكل مدخراته تذكرة الى باريس عام 1919 حيث ظل هناك لمدة عامين، ثم يسافر يوسف كامل وراغب عياد عام 1923 الى ايطاليا، وكان سبق هؤلاء الى فرنسا لدراسة القانون الفنان محمد ناجي الذي ظل ملاحقا لرائد المدرسة الانطباعية كلو مونيه. ويصف عز الدين نجيب الجيل الاول بأنه كان ذا ولاء للنزعة الاكاديمية ـ كل على طريقته ـ حتى وهم في قلب اوروبا، التي تمور بتيارات التغيير والتجديد في اعقاب الحرب الاولى.

الشخصية المصريةتحت هذا العنوان يأتي الفصل الرابع والمحوري من كتاب عز الدين نجيب حيث يرى ان الاحساس بطبيعة هذه الشخصية لم يبدأ من حسين فوزي او رفاعة الطهطاوي، بل بدأ منذ بداية التاريخ، وقد وضع تأثيره الكبير في فناني النهضة الاوائل، يقول نجيب لا شك ان كل ذلك كان جانبا من وعي الفنان المصري بذاته وبدوره التاريخي وهو ما نرى آثاره واضحة في اعمال معظم جيل الرواد من احتفاء بتصوير آثار العمارة الفرعونية والاسلامية ودراسة النحت والتصوير والنقد في الفنين القبطي والشعبي واستلهام القيم الجمالية فيهما الى اهتمام بالموضوع التاريخي القومي وبالموضوع الشعبي بتنويعاته المختلفة، وصولا الى فكرة الكل في واحد التي قامت عليها الدعوة الى وحدة الأمة حيث تذوب الخصائص الفردية في خصائص عامة مشتركة بينهم جميعا لتبلور ما يسمى بالشخصية المصرية او الشخصية القومية.

يتناول عز الدين نجيب في هذا الاطار اعمال يوسف كامل الذي يراه التقي بالطبيعة المصرية بعد عودته من ايطاليا عام 1929 في الاحياء الشعبية والضواحي الريفية مصورا مظاهر الحياة اليومية في الحواري والمساجد والآثار والاسواق المزدحمة في الحقول وفي رحبة المنزل الريفي الفقير، مستجيبا اولا لحسه الشعبي الاصيل كإبن من ابناء الطبقة الشعبية، حيث ولد وعاش صباه في حي باب الشعرية، كذلك يتناول اعمال راغب عياد الذي يراه لا يتعامل مع الواقع الخارجي الا باعتباره مدخلا الى الروح لتفجير استقراره الظاهري وهدم نظامه الخارجي المستتب واقامة نظام او هيكل جديد خاص اشبه بساحة الساحر الشعبي، حيث يتفجر فوقها المكنون العميق للشعب المصري في ملهاة مرتجلة تعج بالمتناقضات العجيبة التي يحكمها اطار المنطلق الصوري بل منطلق السحر الذي يحكم حياة هذا الشعب، وهو السحر الذي ينتقل الينا من هذا الساحر عبر لوحات عياد. أما اعمال محمود سعيد فيراها نجيب زاخرة بالسحر والرؤى الاسطورية وتحمل نكهة غريبة متميزة لا تشبه غيرها من رؤى الفنانين الأقدمين او المحدثين. ويضيف نجيب انه قد ساعد هذه الخصوصية تلك الروح المصرية المحلية الصميمة التي استقى منها عناصره التي تذكرنا بها فنون النحت والتصوير والعمارة المصرية القديمة والالوان النحاسية المتوهجة على اجسام الفلاحين والصيادين في اعماله والايقاع الموسيقي المنتظم كالموشحات العربية وامواج الاسكندرية المتلاطمة على شواطئها المرصعة.

اما الفنان محمد ناجي فيراه نجيب فتى رومانسيا القى وراء ظهره آمال اسرته ان يكون محاميا كبيرا او قاضيا ليعيش للفن ويبقى بأوروبا ليدرسه وينهل من منابعه، وهو ما دفعه للاستقالة من عمله الدبلوماسي عام 1930 ثم يغامر برحلة الى الحبشة بحثا عن منابع بكر للخيال والفن ويقيم فيها ما يزيد عن العامين، ثم قام برحلات الى اليونان وقبرص واعماق الريف المصري والآثار الفرعونية والاسلامية والواحات والجبال، ويرى نجيب ان مجموعة الحبشة تمثل في فن ناجي العرق النقي الذي ينتمي اليه وحده واضافته التشكيلية التي هضم من خلالها ـ فضلا عن رومانتيكية ديلا كروا وانطباعية مونيه وسورا ووحشية فان غوخ وغوغان ـ تعبيرية وجوه الغيوم والايقونات القبلية فخرجت من امتزاج كل ذلك معا خلاصة مقطرة دالة على مبدعها، وكان تتويج هذه المرحلة هو معرضه الذي أثار الاهتمام في لندن عام 1937 واحتفاظ متحف تيت غاليري بلوحة منه.

جيل التمرديشير نجيب الى ان مناخ الحرب العالمية الثانية نقل مصر من حالة الجمود الى حالة مختلفة تماما، حيث تصاعدت افكار متعلقة بغشاء السخط على الحروب وانتقاد الضمير الاوروبي، ووسط هذه التفاعلات يرصد نجيب بعض التغيرات مثل صعود جماعة الفن والحرية عام 1939 (حيث كان واضحا من بيانها ومقالاتها ومنشوراتها المتعاقبة ان قضية التمرد والثورة التي تكمن في نفوس اعضائها كانت اكبر بكثير من قضية الفن والثقافة، كانت ثورتهم تمتد على مساحة عريضة من الفن الى الاخلاق، ومن الفلسفة الى السياسة، ومن التصدي للأكاديمية الى التصدي للدكتاتورية، ويتناول نجيب البيان الشهير الذي نشرته مجلة ‘الفن الحر’ التي كان يشرف عليها احد اعضاء الجماعة جورج حنين وهو بيان يحيا الفن المنحط الذي وقعه كل من جورج حنين ورمسيس يونان وكامل التلمساني وفؤاد كامل ومجموعة اخرى من الفنانين بلغوا 37 فنانا ونشر البيان في 22 كانون الاول (ديسمبر) عام 1938. أما على المستوى الفني فيرصد عز الدين نجيب ملامح الحركة التي تلخصت في الثورة على الاكاديمية السائدة في الفن كرمز للتخلف والجمود والاستبداد واعتناق السريالية كثورة جديدة صاعدة في مجال الرؤية الابداعية في الغرب. ويتناول معرض الجماعة الاول عام 1940 الذي جاء تحت شعار اطلاق الخيال السجين حيث صور رمسيس يونان وفؤاد كامل وكامل التلمساني ضحايا الحرب كما صور بيكاسو اهل قرية غرنيكا لكن بقسوة لا تدانيها الا قسوة بتر الاعضاء ابتزازا للمشاعر وصوروا هياكل كائنات غريبة كأنها بقايا حياة منقرضة، ويصورون المرأة العارية وقد امتدت اليها اياد حديدية تعتصر ثديها وتلتف حول خصرها وفخذها كالحية تمتص منها الحياة، وصوروا النسوة يائسات تبتلعهن الرمال، ويصورون الاشجار في الصحراء القاحلة وقد نبتت لها اثداء، ويصورون هياكل عظمية في اعماق سحيقة، بدا ذلك في لوحات مثل العشق المفترس، على سطح الرمال، شكل سلبي لرمسيس يونان، وعروس النيل لكامل التلمساني، كما يتناول عز الدين نجيب في هذا الاطار اعمال حامد ندا، وعبد الهادي الجزار واحمد صبري وصلاح طاهر وحسين بيكار وعدد من كبار مصوري هذه المرحلة. يقع الكتاب في 170 صفحة من القطع الكبير بالاضافة الى ملحق لصور تمثل مراحل التصوير المصري في أزمنة مختلفة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية