مكونات خطاب الرحلة في «كأنك هناك» للمغربي العربي بنجلون

يقدم كتاب «كأنك هناك» لبنجلون للقارئ المغربي والعربي نصوص رحلات تُهيمن فيها بنية السفر، كفعل قصدي قائم على جعل المتن الرحلي خطابا يعتمد على الحكي، الذي يقتضي وجود الحاكي (الراوي) وهو الكاتب الذي يمثل في هذا الكتاب الذات المركزية، التي تقوم بفعل الرحلة وتلفيظها بلغة خاصة، وبهذا تأخذ النصوص بعدا ذاتيا في عملية حكي تصطبغ بأحاسيس وميولات وعواطف الكاتب ومرجعياته الثقافية والفكرية. كما يصير الكاتب/الراوي موضوع الحكي إلى جانب المُحكَى عنه الذي هو السفر أو الرحلات التي أنجزها. فتكوَّنَ تلازمٌ بين الرحلة والخطاب الذي له عناصر مكونة معرفية وأدبية، ومضامين متعددة تتداخل فيها الخطابات. وتسعى هذه الدراسة إلى تناول مكونات خطاب الرحلة، من خلال كتاب «كأنك هناك» هذه المكونات التي ساهمت في بناء الخطاب الرحلي عند الكاتب، وقبل ذلك لا بد من الإشارة إلى مفهوم الرحلة.

مفهوم الرحلة

ورد ذكر الرحلة في القرآن فارتبطت بالزمن، ثم ارتبط الزمن ضمنيا بالمكان، فرحلة الشتاء كانت وجهتها اليمن، ورحلة الصيف كانت نحو الشام. وهذا الذِّكرُ للرِّحلة في القرآن حمل معه مضمرات سياقية ونسقية أخرى، منها أن الرحلتين (الموسميتين) كانتا في سبيل التجارة، وقريش كانت لها مكانة بين القبائل داخل الجزيرة العربية، لانتمائها لمكة، وهو مكان مركزي: «أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ» (قرآن)؛ ولهذا الاعتبار كانت قوافلها ورحلاتها آمنة. فضَمن لها هذا الوضعُ (الذي منَّ الله به عليها) أمنا اقتصاديا وسياسيا: «الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ» (قرآن).
من هذا المنطلق؛ فالرحلة فعل إنساني يقتضي انتقال شخص (فردا أو جماعة) في زمن ما، من مكان إلى آخر، وهذا الفعل يختلف من حيث الطبيعة والقصد والغاية وأيضا النتيجة. ولا شك في أن العديد من البشر قديما خاضوا تجربة الرحلة، إما لسوءٍ مسَّهم اقتضى ضرورة الانتقال (في الزمان والمكان) بحثا عن الأمن، أو الغذاء، أو لطلب العلم ولقاء العلماء، أو للحج وزيارة الأراضي المقدسة، أو للسفارة أو للتجارة، وغيرها من المقاصد والغايات.. وحين تتحول تجربة الرحلة أو فعل الرحلة إلى نص مكتوب، أو كما يسميه سعيد يقطين «تلفيظ الرحلة» تصير كتابة ذات خطاب يتماهى «مع الرحلة وعوالمها، ويسعى إلى مواكبتها من البداية إلى النهاية» بسرد أحداث السفر والرؤية الذاتية والشخصية للرحالة، من انطباعات ومواقف، وكل ما يثير اهتمامه ويشغل باله في تنقله بين أماكن متعددة واصفا جغرافيتها أو عمرانها، وحياة سكانها الاجتماعية والعلمية والأدبية والثقافية، فلا يخلو سرد الرحلة من فوائد علمية وتاريخية وأدبية وكلها عناصر تنهض بالنص الرحلي.

العناصر المكونة لخطاب «كأنك هناك»:

رغم هيمنة بنية السفر على رحلات العربي بنجلون، إلا أنها لا تخلو، كما سبق الذكر، من عناصر أخرى مكونة شكلت خطاب الرحلة، ونذكر منها:
المعرفة: تتمثل في ما يقدمه من معرفة تاريخية وجغرافية لبعض المناطق (منها الآسيوية والعربية والأوروبية والأمريكية) ومحيطها الثقافي والديني والاجتماعي. يقول مثلا: «إن الشيء (العلوي) أو (الثاني) في التراتبية، هو المقدس والمفضل في الثقافة التايلندية؛ لنفرض أنك سألت أحدهم سؤالين اثنين، دفعة واحدة، فإنه سوف لا يجيبك إلا عن السؤال الثاني، كأنه نسي الأول». كما يقدم الكاتب معرفة أدبية وفكرية وسياسية.. لإيمانه بأن الرحلة لها نتائج كما لها فوائد، يقول: «فلولا رحلة الرسول من مكة إلى المدينة، ورحلة أصحابه إلى الحبشة، ما كان للإسلام أن ينشُر ظلَّه الرحيم على العالم..». ومن الفوائد التي يؤمن بها: «إن الرحلة هي حركة، تبدِّد السُّكون والرتابة، وتحفز على خوض غمار الحياة». فالإنسان عنده «ولد راحلا، وإن أعجزته الرحلة، تخيَّل رحلات غير محسوسة في عالم متخَيل» والرحلات غير المحسوسة يقصد بها تلك التي تأسست على عنصر الخيال بعيدا عن الواقع والواقعية، كتخيل عوالم يؤطرها الحلمُ أو تصورٌ خارجَ المألوف كعالم الجن أو الأرواح في عالم خلف الطبيعة.. وهذا النوع من الرحلات كان وسيلة للهروب من مشاكل الواقع، أو إيجاد إجابات لتساؤلات الذات الجماعية الشخصية.
ب – السرد: النص الرحلي في «كأنك هناك» لا يستغني عن السرد لكونه ينقل إلى القارئ أحداثا وأفعالا، أنتجها الكاتب خلال رحلته بين الفضاء الزماني والمكاني. ونجد أن بنية الأفعال «تسعى إلى الربط بين السرد والوصف، وبين الأحداث بعضها ببعض. وخاصية هذه الأفعال أنها متنوعة للتواصل» مثل: «وصلت، اكتفيت، أردنا، أحسست، عدت، قابلت، سافرت، سمعنا، دخلنا، أخبرني» فلهذه الأفعال «قدرة على التوجيه والتفعيل السرديين، وعلى التواصل الذي يراهن على خلق انسجام نصي، وانسجام بين القارئ ونص الرحلة» كما يقول شعيب حليفي.
ومن خصائص السرد في «كأنك هناك» «الإيجاز والحقيقة والخصوصية وبساطة الأسلوب» مع استثمار سمات النص القصصي، يقول مثلا: «في اليوم الثاني من وصولي، عدت إلى غرفتي في الفندق، قبل الثانية عشرة زوالا، فوجدت بابها مواربا. توجست شيئا غير عادي، فدفعته برفق، ودلفت متسلِّلا، خطوة خطوة..». فهناك حضور لصوت الراوي، الذي مهمته أن يشكل الصورة كما يراها وفق درجات التخييل والتبئير، والخيال يتوسل باللغة كي يحقق الأدبية في هذه النصوص الرحلية باعتبارها «حكيا عن سفر يلتقط المشاهدات بالإدراك الحسي، وأيضا بالمتخيل» كي يثير عنصر التشويق لإبعاد الرتابة والملل عن القارئ، فاعتمد الكاتب في سرد رحلاته على محكيات سردية تتخللها المغامرة والطرفة والسخرية، لبناء الرحلة وأفقها، وكل ذلك في نسق من الجمل السردية التي تمثل خطابا إخباريا «يتشذر عبر سفر وكرونوتوب وثيمات متوالدة في شكل إخبارات متنوعة محورها الهدف أو الذات أو المكان أو الآخر».

إن توظيف الحوار جعل الرحلات أكثر إقناعا وأكثر إبرازا للجانب الذاتي والفكري للكاتب.

ج – الوصف: يعمل الوصف في الكتابة الرحلية عند العربي بنجلون على تصوير الآخر قصد فهمه، كما يقدم إضاءات عن الأماكن والأحداث.. أو كل الموصوفات التي أثارت دهشة الكاتب واستغرابه، أو إعجابه. فمثلا، حين يصف جزءا من الكنيسة العجيبة في باريس يقول: «وصرنا ندور وندور تحت قبَّتها العالية بثلاثة وثلاثين مترا، تحيط بها أقواس، ونوافذ زجاجية ملونة، يطغى عليها اللون الوردي» فهو يقدم صورة المكان الذي جعله ومرافقته يشعران بأنهما يغوصان في حلم، بما يعني أنه يصف وفي الآن نفسه ينقل للقارئ إحساسه الذي انتابه داخل المكان. فالوصف يركز على تقديم صورة لما لم يألف الكاتب مشاهدته. كما أن الأوصاف التي ينقلها الكاتب للقارئ تعبر عن انطباعاته، فتعكس صورة لشخصيته، لأنه لا ينقل المرئي فقط، بل حتى المحسوس والمسموع: «فجأة سمعنا دندنة خافتة» – «والحقيقة أن الحساء كان لذيذا جدا، يُسيل لعابك، ويجعل شفتيك تتلمّظان» وهذا الوصف يبلغ إلى القارئ، فيعيد إنتاج الصورة في ذهنه، وبهذا تكون الموصوفات متسمة بالحركة ونابضة بالحياة.
ح – الحوار: إن توظيف الحوار جعل الرحلات أكثر إقناعا وأكثر إبرازا للجانب الذاتي والفكري للكاتب. وفي معظم النصوص جاء الحوار امتدادا للسرد والوصف، فقام بدور كبير في البناء القصصي، وساهم في الكشف عن أفكار ونفسية الأشخاص الذين يعبِّرون في كثير من المواقف عن آرائهم، مما يمكن استثمار هذا في اعتبارهم أصواتا متعددة في خطاب الرحلة، تقدم معلومات ودلالات، أو يقدم الكاتب من خلال محاورتهم رؤيته الخاصة مثل، حواره مع وفد من الطلبة اللبنانيين في زيارته لسور الصين، حيث أعطى رؤية مفادها أن بناء الإنسان أولى من بناء السور.
د – الشعر: يستشهد الكاتب ببعض الأبيات استئناسا بها في سياق يتوافق مع مضمون السرد أو الخطاب. ويقتبسها من الشعر العربي كشعر قيس بن الخطيم، وأبي العتاهية، والمتنبي، وإبراهيم ناجي، وأحمد شوقي، وشعر المغربي محمد الحلوي.. فهذا العنصر يسعى الكاتب من خلاله إلى إمتاع القارئ، وإضفاء طابع التعدد والتنوع على خطاب الرحلة.
إضافة إلى هذه المكونات التي احتلت مساحات متفاوتة في النصوص فإننا نجد الخطاب الاجتماعي يشكل فيها رافدا أساسيا، حيث ينطوي على وصف طبائع الناس وأخبارهم وبعض ما يتعلق بالحياة الاجتماعية والثقافية والعلمية والسياسية. كما نلاحظ حضور صورة المرأة كعنصر مهم في هذا الخطاب الرحلي، الذي نتج عن سفريات أنجزها الكاتب إلى دول مختلفة تختلف ثقافات شعوبها وعادتها.

على سبيل الختام:

هذه النصوص ساقت إفادات كثيرة وناقشت قضايا متنوعة، وقف عليها الكاتب (اجتماعية وفكرية وثقافية وتاريخية) فجعلت الخطاب الرحلي يتميز بالتنوع والتعدد، كما أنه خطاب نابع من وعي الكاتب الثقافي والمعرفي، ما جعله في كثير من المواقف يضع مقارنات بين الآنا والآخر، مقارنات لا تخلو من النقد الذاتي خاصة في المجال العلمي والفكري، فنجده يستشهد بمقولات الراحل المهدي المنجرة، تعزيزا لرؤية يطرحها أو رأي يدعمه. كما أنه شديد الاعتزاز بلغته وبانتمائه العربي والمغربي، وبتاريخ الأمة الفكري والأدبي وتراثها الذي ترجمه الغرب فاستفاد منه، في الوقت الذي تملص بعض العرب من لغتهم فتاهت منهم البوصلة، كالغراب الذي أراد أن يقلد مِشية الحمامة فنسي مِشيته.

كاتب مغربي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية